تحقيقات وتقارير سياسية

المحكمة الجنائية الدولية واختصاص الجرائم المرتكبة في سورية

 

تختص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في جميع جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان، بغض النظر عن كون هذه الجرائم مرتكبة من قبل قوات مسلحة نظامية أو غير نظامية، بحق ضحايا من دول أو جنسيات أخرى أو بحق السكان المدنيين في الدولة ذاتها، وفقًا للنصوص القانونية الواردة في نظامها الأساسي. كما أن للمحكمة النظر في الجرائم المرتكبة من قبل أشخاص أو مجموعات يتبعون لجنسية دول غير موقعة على اتفاقية روما 1998، وهي تختص فقط بالجرائم الواقعة بعد تاريخ إنشائها، وفقًا لمبدأ عدم رجعية القانون.

الواقع أن أي دراسة لتطور الأزمة السورية ستلحظ تصاعد وتنوع الوسائل العنفية التي استخدمها النظام السوري لقمع الشعب السوري بشكل منهجي، بداية من جرائم القتل والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، مرورًا بجرائم الاغتصاب، والتمثيل بالجثث والتصفية في المعتقلات تحت التعذيب، إلى جرائم الإبادة الجماعية، بارتكاب عدة مجازر تستهدف قرى وتجمعات سكنية ذات طبيعة ديموغرافية معينة، ثم إعلان حرب مفتوحة على كل المناطق التي خرجت عن سيطرته، وحصار الكثير من هذه المناطق، ومنع سكانها من الوصول إلى الغذاء والدواء، مستهدفًا من خلال هذه الجرائم القضاء على البيئة الشعبية الحاضنة للثورة، بتوجيه ترسانته العسكرية الضخمة ضد المدنيين بشكل مباشر ومتعمد.

تُعدّ الجرائم الواقعة في سورية منذ آذار 2011 (المثبت الكثير منها وليس أكثرها، للأسف) من الجرائم التي نص عليها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أو ما يُعرف بنظام روما الأساسي لعام 1998، حسب نص المادة الخامسة منه: “يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة التي تكون موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، وللمحكمة -بموجب هذا النظام الأساسي- اختصاص النظر في الجرائم التالية: (أ) جريمة الإبادة الجماعية؛ (ب) الجرائم ضد الإنسانية؛ (ج) جرائم الحرب؛ (د) جريمة العدوان”.

تشرح المواد 6، 7، 8 و9، بتفصيل، هذه الجرائم بنصوص خاصة لكل منها، تحدد فيها المعنى المقصود من التعابير المستخدمة، وتعريفها بشكل يمنع الخلط، بينها وبين أي وقائع جرمية أخرى. وكانت جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، قد أقرّت في دورتها الأولى المنعقدة في نيويورك، خلال الفترة من 3 إلى 10 أيلول/ سبتمبر 2002، القواعدَ الإجرائية والتطبيقية، وفصلت دور الأجهزة والهيئات التي تؤلف المحكمة، وبينت مهامها، كما حددت أركان كل جريمة بشكل مستقل.

لم يعرّف نظام روما الأساسي (أو أنه تجنب ذلك) النزاعاتِ الداخلية المسلحة، حيث ورد في الفقرة (د) من المادة الثامنة: “تنطبق الفقرة 2 (ج) على المنازعات المسلحة ذات الطابع غير الدولي، وبالتالي فهي لا تنطبق على حالات الاضطرابات والتوترات الداخلية، مثل أعمال الشغب وأعمال العنف المنفردة أو المتقطعة، وغيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة”.

بالتالي، فإن نظام روما أحال ضمنًا تعريف النزاع المسلح الداخلي إلى المادة الأولى من البرتوكول الثاني من اتفاقية جنيف لعام 1977، والذي نص على أن النزاعات المسلحة الداخلية هي:

– “جميع المنازعات المسلحة، التي تدور على إقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة بين قواته المسلحة، وقوات مسلحة منشقة أو جماعات نظامية مسلحة أخرى، وتمارس، تحت قيادة مسؤولة على جزء من إقليمه، من السيطرة ما يمكنها من القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة، وتستطيع تنفيذ هذا الملحق البروتوكول”.

– “لا يسري هذا الملحق البروتوكول على حالات الاضطرابات والتوتر الداخلية، مثل الشغب وأعمال العنف العرضية النادرة، وغيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة التي لا تعد منازعات مسلحة”.

وفقًا لهذا النص، فإن الجرائم المرتكبة في سياق نزاع مسلح داخلي، تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية؛ إذا ما توفرت فيها الشروط التالية: أن يكون النزاع بين القوات الحكومية وقوات مسلحة منشقة أو جماعة مسلحة منظمة، وأن تكون هذه القوات مسيطرة على مساحات جغرافيا من البلاد، وأن تكون قادرة على القيام بعمليات عسكرية بشكل متواصل ومنسق، ويمكنها الالتزام بما نصت عليه اتفاقية جنيف.

بالعودة إلى تطبيق هذه النصوص على الحالة السورية؛ نجد أن سورية واحدة من الأطراف الموقعة على البروتوكول الثاني، وحيث إن قوات المعارضة السورية هي قوات عسكرية منظمة تسيطر على مساحات جغرافية، وهي قادرة على القيام بأعمال عسكرية بشكل متواصل ومنسق، وذلك باعتراف النظام وحلفائه من خلال القبول بالتفاوض مع ممثلين عن هذه المجموعات، وحيث إن هذه القوات يمكنها الالتزام بنصوص اتفاقيات جنيف المتعلقة بقواعد الحرب وحماية المدنيين؛ ما يجعل من جميع الشروط التي يحددها القانون الدولي متوفرةً في الحالة السورية، الأمر الذي لا يترك مجالًا للنقاش حول طبيعة النزاع وخضوعه لأحكام هذا القانون.

التكييف القانوني للجرائم الجنائية الدولية:

وفقًا للمفهوم القانوني في حماية العدالة، لا يستقيم وضع تكييف واحد لمجمل الجرائم المرتكبة في النزاعات المسلحة، بل لا بد من التعامل مع كل واقعة بشكل مستقل من عدة نواح، كتوفر الأدلة ومناقشتها، وكذلك تطبيق القواعد القانونية على الوقائع بشكل منفصل، وذلك بغية احترام النصوص القانونية وإعمالها، وفق أعلى المعايير التطبيقية التي تضمن تحقيق العدالة. وهذا يتطلب توصيفًا دقيقًا وجهدًا منسقًا من قبل القضاة والضحايا في اختيار النص القانوني الذي يصف الجرم، ويعاقب عليه باعتباره جريمة جنائية دولية.

لا بدّ من التنويه، عند طرح موضوع التطبيق القانوني، إلى أن مسؤولية العمل على جمع وتوفير أدلة الإثبات المقبولة قانونًا واللازمة لبناء دعوى جزائية دولية ضد مرتكبي الوقائع الجرمية المنتخبة، في أي من الجرائم الواقعة في سورية، تبقى على عاتق الهيئات السياسية السورية المعارضة في المقام الأول، ثم الدول الموقعة على الاتفاقية، وفقًا لما تضمنته نصوصها، ومن ثم على المنظمات الحقوقية والمدنية غير الحكومية، إضافة إلى الضحايا من المدنيين، بغض النظر عن دور المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية المنصوص عنه في نظام روما الأساسي، ودون أن نغفل مسؤولية المجتمع الدولي -الأخلاقية على الأقل– في هذا المجال.

القتل تحت التعذيب:

لعل أبرز وأهم الملفات التي يمكن طرحها والبناء عليها هو ملف جرائم القتل تحت التعذيب أو ما بات يعرف بملف “القيصر”، وهو الملف الموثق بآلاف الصور المفجعة التي تبيّنَ، من خلال التحليلات التي أجريت عليها، آثار التعذيب الوحشي الذي أفضى إلى موت الضحايا المعتقلين، والتي تجزم بمسؤولية النظام عن ارتكاب جرائم القتل العمد، بحق عشرات الآلاف من المواطنين السوريين وغير السوريين المدنيين، ومن مختلف الشرائح العمرية والجنسية.

تعدّ هذه الجريمة من جرائم الحرب التي نصت عليها المادة الثامنة، بدلالة الفقرة (ج) من المادة ذاتها، وتتضمن ما يلي:

– يكون للمحكمة اختصاص في ما يتعلق بجرائم الحرب، ولا سيّما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة، أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم.

– لغرض هذا النظام الأساسي، تعني جرائم الحرب:

الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12 آب/ أغسطس 1949، أي فعل من الأفعال التالية، ضد الأشخاص أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة: (القتل العمد، والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية). في حالة وقوع نزاع مسلح غير ذي طابع دولي، فإن الانتهاكات الجسيمة للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة 12 آب /أغسطس 1949، وهي أي من الأفعال التالية المرتكبة ضد أشخاص غير مشتركين اشتراكًا فعليًا، في الأعمال الحربية، بما في ذلك أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا سلاحهم، وأولئك الذين أصبحوا عاجزين عن القتال، بسبب المرض أو الإصابة أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر.

كون هذه الجرائم قد ارتكبت في مراكز اعتقال تسيطر عليها قوات النظام، وهي تتحكم فيها بشكل مباشر وتخضع لسلطتها الإدارية والقانونية، من دون البحث في ظروف كل جريمة قتل فردية ارتكبت في هذه القضية؛ فإن من الواضح أن هذه الجرائم ارتكبت من قبل عناصر أو جنود تربطهم علاقة قانونية بأجهزة النظام السوري، وقد تمّ تنفيذها استنادًا إلى تعليمات وأوامر إدارية واضحة؛ إذ لا يمكن قتل أكثر من عشرة آلاف إنسان، وتوثيق جثثهم بتصويرها وأرشفة هذه الصور، وإعطائها أرقامًا تسلسلية ترمز إلى معلومات الضحية الشخصية والجهة التي كان معتقلًا لديها، ثم إخفاء هذه الجثث في مقابر جماعية سرية، ومنع ذوي الضحايا من الوصول إليها أو معرفة أماكن دفنهم، ثم إجبارهم على التوقيع على وثائق تدعي وفاتهم في ظروف طبيعية، كالإصابة بنوبة قلبية أو التهابات حادة، لا يمكن أن يتم كل هذا دون وجود جهاز إداري متكامل، يعمل ضمن بيئة قانونية محددة، تتضمن التزامات وحقوقًا تعاقدية وأنظمة عمل داخلية تراتبية دقيقة، كما لا يمكن أن لا يكون ارتكاب هذا العدد الهائل والمنظم من الجرائم إلا ضمن خطة أو سياسية عامة منهجية، ولها أهداف معينة.

توفر أركان الجريمة الجنائية الدولية

نصت المادة 30 من النظام الأساسي على أركان جريمة الحرب أو الجريمة ضد الإنسانية، وأقرت جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في دورتها الأولى المنعقدة في نيويورك، خلال الفترة من 3 إلى 10 أيلول/ سبتمبر 2002، الأركانَ الخاصة. حيث حُددت أركان الجرائم، وفق القانون الجنائي الدولي، بنصوص خاصة لكل جرم بشكل منفصل ومستقل، بسبب خطورة هذه الجرائم وبقصد توخي تحقيق العدالة وفق أعلى المعايير التشريعية.

الركن المادي: هو السلوك الإيجابي أو السلبي الذي يعتبر في حالتنا مجموعة من الأعمال الخطيرة، كالهجمات الصاروخية الجوية أو القصف المدفعي الذي تنفذه قوات النظام، والذي يستهدف مجموعة من الأشخاص بسبب موقفهم أو انتمائهم السياسي المختلف، أو أعمال الحصار التي هدفت إلى منع الغذاء والدواء عن الأشخاص الواقعين تحت الحصار، والذين كانوا في معظم الحالات من المدنيين، وهذا ما تم توثيقه بتقارير الأمم المتحدة التي أشارت إلى 18 منطقة في سورية كانت محاصرة، من بينها 15 منطقة تحاصرها قوات النظام.

الركن المعنوي: هو قصد الجاني وانصراف إرادته إلى إحداث نتيجة محددة، ويشترط القانون الدولي هنا توافر القصد الخاص بوجود العلم لدى الجاني بأن سلوكه يؤلف اعتداء جسيمًا على حقوق الإنسان، يستهدف النيل من كرامة أو حياة مجموعة معينة من الناس، بسبب موقفها السياسي أو طبيعتها الدينية أو العرقية وهذا ما ينطبق مع مهاجمة وتدمير المناطق الحاضنة للعارضة الشعبية السياسية من قبل النظام، إذا إن طبيعة الأعمال العسكرية المنفذة وطول مدتها واستهدافها المباشر لمناطق عيش وتجمع المدنيين، إضافة إلى نوعية الأسلحة المستخدمة، وما شهدته المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام من مجازر بحق المدنيين وأعمال سلب ونهب لممتلكاتهم، باشتراك قادة الحملات العسكرية وإشرافهم، كل ذلك لا يدع مجالًا للشك في أن هذه الأعمال كانت تستهدف دائمًا قتل وتشريد وإذلال المدنيين المستهدفين في تلك الهجمات أو الأعمال؛ ما يجعلها بالتالي جرائم حرب، وفق اتفاقيات جنيف أو جرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي.

العلاقة السببية والركن الدولي: أن تكون هذه الجرائم من جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، على اعتبار أن هذا النوع من الجرائم يمس الكرامة الإنسانية عامة لا كرامة شخص أو فرد. إذا فالهجوم أو الاعتداء يجب أن يكون صادرًا عن دولة أجنبية أو عن السلطة حاكمة، أو مجموعة مسلحة في إطار خطة أو منهجية معينة تستهدف مجموعة من السكان أو الأشخاص، بسبب موقفهم السياسي أو انتمائهم الديني أو العرقي، دون أي اعتبار لجنسية المجرمين أو الضحايا والذين غالبًا ما يحملون الجنسية نفسها في الصراعات الداخلية. وافتراضًا، في حال توفر ملف مكتمل الأدلة القانونية، وهو -كما نوهنا سابقًا- ليس مسؤولية السوريين وحدهم وإنما هو مسؤولية قانونية وأخلاقية دولية، فإن الكثير من الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب المرتكبة في الحالة السورية، يمكن أن تكون مكتملة الأركان الجريمة التي حددها نظام روما الأساسي.

لقد بات واضحًا، أن هذه الجرائم كانت في معظمها بحق مدنيين، حيث قامت قوات النظام بإطلاق النار من أسلحتها الخفيفة والثقيلة، باتجاه أماكن معيشتهم أو تجمعهم، قاصدة قتلهم أو قتل بعضهم أو إلحاق الضرر والأذى بهم أو تهجيرهم؛ ما أدى إلى سقوط آلاف السوريين الأبرياء، نتيجة هذه الأعمال. وقد نفذت هذه القوات مهامها الموكلة إليها والصادرة عن قياداتها العسكرية أو السياسية، ضمن خطط معينة أو سياسة عامة، تقوم على مهاجمة التجمعات المدنية، أو بتعذيب المدنيين حتى الموت، ضمن المعتقلات التي تسيطر عليها، وتتحكم فيها كليًا، أو بحصار المدنيين ومنع الطعام والدواء عنهم، وهي كانت تعلم أنها تنفذ أعمالها ضد مدنيين عزل، وكانت تقصد قتلهم أو تعذيبهم أو حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بسبب انتماءاتهم السياسية المعارضة للنظام في معظم الحالات الجرمية، أو بسبب انتماءاتهم الدينية في بعض الحالات، بقصد تشويه طبيعة الصراع، ونقله إلى مستوى حرب أهلية طائفية، وإخراجه من طبيعته الشعبية السياسية. كل ذلك في سياق نزاع داخلي مكتمل الشرائط القانونية، وهذا ما يتطابق مع نصوص القانون الجنائي الدولي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق