ترجمات

صحيفة اللوموند: سورية، وماذا بعد الصواريخ..

حتى إذا كانت الصواريخ التي وعد دونالد ترامب بإطلاقها على سورية “جميلة، وجديدة، وذكية”، كما وصفها يوم الأربعاء 11 نيسان/ أبريل؛ فإن ذلك لن يغير شيئًا في هذا الواقع: ليس للولايات المتحدة سياسة سورية. إذ إن مستقبل هذا البلد الصغير في الشرق الأوسط لا يهمها إلا بصورة هامشية. يسير دونالد ترامب من هذه الناحية على إثر خطى باراك أوباما. صحيح أن الصراع السوري هو أحد العناصر المهمة في العلاقة بين واشنطن وموسكو، إلا أن ثمة سببًا صالحًا لذلك: إمكانية مواجهة مباشرة بين القوات التي نشرها البلدان في سورية. فللأسلحة حين تتكلم منطقها الخاص الذي يمكن أن يجرّ الخصوم إلى أبعد مما كانوا يتمنون. لا شك، أيضًا أن الرئيس الجمهوري يبدو أكثر حساسية إزاء السلاح الكيمياوي من سلفه الديمقراطي. سبق، قبل عام، أن أمَرَ ترامب بعمليات حربية انتقامية، بعد أن قصف طائرات بشار الأسد بالغاز أحد أحياء مدينة في شمال سورية. وغداة هجوم كيمياوي ثانٍ، يوم السبت 7 نيسان/ أبريل، بدوما في ضواحي دمشق، اتهم ترامب، بصورة غير مباشرة، روسيا. وللمرة الأولى، توجّه يوم الأربعاء إلى بوتين مباشرة: “لا ينبغي لك أن تشارك حيوانًا يقتلُ بالغازات”. إلا أن ردَّة الفعل إزاء استخدام نمط ما من السلاح لا يصنع سياسة سورية.

مصالح متناقضة

ليس للولايات المتحدة في سورية غير أهداف محددة: منذ عام 2014، النضال ضد جهاديي (تنظيم الدولة الإسلامية)، ومنذ 2016، ضد استخدام السلاح الكيمياوي. لكن مستقبل الشعب السوري، ووقف المعارك بالتفاوض، والمشاركة في حلٍّ سياسي بدمشق، والحوار مع موسكو حول الفوضى الإقليمية، لا شيء من كل ذلك يؤلف جزءًا من سياسة أميركية متماسكة في الشرق الأوسط. إذ لا وجود لمثل هذه المقاربة.

قال الرئيس، في يوم 29 آذار/ مارس: “سوف نخرج عما قريب من سورية، وبسرعة شديدة. سوف نترك الآخرين (شعوبًا أخرى) يهتمون بها”. وفي اليوم نفسه، يقول البنتاغون العكس: قواتنا هي هناك “من أجل أن تبقى فيها”. والمقصود 2000 جندي أميركي أرسلوا لدعم التحالف الكردي-العربي الذي طرد (تنظيم الدولة الإسلامية) من مدينة الرقة، آخر معقل عمراني للجهاديين. إذن، انسحاب، أو لا انسحاب: لا شيء قد تقرر. كذلك، فإن كبار مسؤولي السياسة الخارجية الأميركية الجدد: وزير الخارجية مايكل بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، ليس لديهما سياسة سورية أيضًا. ما يهمهما في سورية، هو إيران، لا السوريين. يريد بولتون وبومبيو وقف التقدم الإيراني في العالم العربي. لكن رئيسهما يشبه أوباما: فلولا إخلاصه الثابت لـ “إسرائيل” وللعربية السعودية، لكان ترامب حذرًا من الشرق الأوسط. إذ إنه ليس مقتنعًا بأن المنطقة تؤلف -بالنسبة إلى أميركا- أهمية استراتيجية كبرى. فقضية ترامب الكبرى، على الصعيد الدولي، هي آسيا، وبصورة أدق الصين. والمعركة التجارية مع بكين هي الاستمرار الترامبي لتمحور الدبلوماسية الأميركية حول آسيا. لكن المشكلة أن الروس -وهم الذين حققوا مع الإيرانيين “انتصار” بشار الأسد على المعارضة المسلحة- ليس لهم أيضًا سياسة سورية. وبصورة أدق، إنهم يودون جيدًا تنظيم شكل من الحوار بين الأطراف السورية. لكنهم لا يتوصلون إلى ذلك. إذ إن النظام يعرقل جهودهم. إنهم سجناء بشار الأسد. إنهم أسرى مجموعة متشابكة من صراعات إثنية وإقليمية تمزق سورية. فلاديمير بوتين -الاستراتيجي الكبير الشهير، حسب عناوين الصفحات الأولى في الصحف الغربية- يسير بحذر، وفق مصالح شركائه الإقليميين، على غرار ناقلة تعبر في مياه ملغومة. ومع ذلك، فإن الصورة المعلنة يوم الأربعاء في أنقرة، عن “الاتفاق الثلاثي” الجديد المعنيّ بسورية تريد أن تكون مطمئنة. كان بوتين، وهو محاطٌ بنظيرَيه: الإيراني حسن روحاني والتركي رجب طيب أردوغان، عرّابي سورية الجدد، وكانوا من أجل صورة العائلة التاريخية، يبتسمون للكاميرا.

هل نجرؤ على ملاحظة أنه لم يكن في قمة أنقرة هذه، المكرسة لمستقبل سورية، أي سوري؟ الصعوبة مع هذا الثلاثي هي أنه مكون من أناس لهم مطامح سورية شديدة التباين، إن لم تكن شديدة التناقض.

فالروسي، وهو حليف بشار الأسد الذي دعاه لنجدته بصورة شرعية، يريد المحافظة على سورية كنقطة ارتكاز تقليدية لسياسته العربية، الضامنة لعودة موسكو إلى المسرح الاستراتيجي الإقليمي. والتركي عدو بشار الأسد: إذ إن أردوغان يكره الرئيس السوري وعمل زمنًا طويلًا على الإطاحة به. وفي الوقت الذي يغطي فيه الكرملين بشار الأسد، تتهم أنقرة هذا الأسبوع مباشرة نظامَ دمشق بأنه مسؤول عن الهجوم الكيمياوي ضد دوما. لا يهتم أردوغان بسورية إلا في الحرب التي يقودها ضد الأكراد. أما إيران فهي تريد أن تمد منطقة نفوذها في العالم العربي إلى سورية التي تمثل ميزتيْن في نظر طهران؛ فهي مدخل إلى البحر المتوسط وإمكانية موقع تواجد عسكري دائم. إلا أن سورية هي خطٌّ أحمر في نظر “إسرائيل”، عدوّ إيران المعلن، والتي قادت مرة أخرى هجومًا يوم الإثنين ضد قاعدة إيرانية في سورية.

مع مثل هؤلاء الحلفاء، سيصعب على روسيا تحديد سياسة متماسكة. بالصواريخ أو من دونها، لا تهتم الولايات المتحدة بمستقبل السوريين إلا قليلًا. أما الأوربيون فلا وزن لهم. في معسكرات اللاجئين خارج سورية، وفي أطلالها بالداخل، يتهيَّأ ولا شك جيلٌ جديدٌ من الجهاديين. يخفي حطام المواجهة بين بوتين وترامب هذه الحقيقة: لا أحد بعدُ قد “كَسِبَ حروب سورية”.

……………………………………

المصدر: صحيفة اللوموند   Le Monde

الكاتب: آلان فراشون    Alain Frachon

الترجمة: بدرالدين عرودكي

تاريخ النشر: 12 نيسان 2018

مقالات ذات صلة

إغلاق