أدب وفنون

سمير الزبن: الاستبداد أساس كل شر في بلداننا

القوة المدعومة بالترسانة الحربية وأجهزة الأمن وشبكات التجسس على المواطنين، لتكميم أفواه المعارضين، والقضاء على أشكال الحياة المدنية والحراك السلمي. آلة انتهاك الحقوق وهدر الكرامات التي بدأ نظام الأسد بالتأسيس لها، منذ استيلائه على السلطة عام 1970، هو ما يشغل رواية سمير الزبن الجديدة (دفتر الرئيس). الرواية التي تبدأ أحداثها في المغرب عام 2022، على لسان أبناء أحد الموالين الذين غادروا سورية بعد انتصار الثوار في دمشق، وفرار الرئيس إلى اللاذقية ومن ثمة مقتله، واستمرار النزاع المسلح بين الأطراف المتصارعة.

يفترض الراوي أن هزيمة قوات النظام في العاصمة دمشق، سببها الأساس انسحاب الحرس الإيراني الثوري، والقوات الروسية من سورية، بعد حدوث الاضطرابات والقلاقل داخل إيران وروسيا، ويحكي لنا كيف غامر بالدخول إلى الشقة التي كان يختبئ فيها الرئيس قبل فراره إلى اللاذقية، وكيف عثر على حقيبته، ووجد فيها دفتر مذكراته، وسندات خزينة لحاملها بخمسة ملايين دولار، مكنته من المغادرة إلى بيروت، ثم إلى المغرب ليقيم فيها كواحد من المستثمرين، حيث سيحاول نشر المذكرات، لكن أيًا من دور النشر لن يتبناها، ولن ترى النور.

مع ذلك، تتقدم المذكرات في قالب رواية داخل الرواية، تبدأ من الزمن الماضي براوٍ آخر، هو الرئيس نفسه، وبأحداث حقيقية تضع حدًا لما سبقها من الأحداث المتخلية في المستقبل القريب، حيث تسرد حكاية الاستيلاء على الحكم في سورية والتأسيس للسلطة الأحادية الاستبدادية الأمنية من الأب إلى الابن: “أدركتُ أن أبي قد صمم النظام على قاعدة: على المواطن أن يفهم أن حياته كلها مكشوفة أمام الأجهزة الأمنية”… “نشر الشبكة الأمنية في كل مكان، كانت أداته الرئيسية في إدارة البلد والقبض بقوة على مفاصلها وحماية سلطته من كل المخاطر، لذلك كانت المخابرات أكبر جهاز عامل في الدولة”.

تبدأ ذاكرة الرئيس من الطفولة والعلاقة بأفراد العائلة، مرورًا بالدراسة الجامعية في لندن والحب والتهيئة لوراثة السلطة بعد موت الأخ، وصولًا إلى تولي الرئاسة وخطاب القسم والزواج، انتهاء بالاحتجاجات الشعبية وقيام الثورة السورية، واختيار الحل الأمني العسكري لإخمادها: “الصورة التي أرادها أبي أن تترسخ في ذهن الناس في تلك الفترة، هي أنني صاحب اليد النظيفة واليد القوية في محاربة الفساد من أي موقع جاء هذا الفساد، ولن يكون أحد خارج دائرة المحاسبة، حتى عائلة الرئيس”… “عندما انطلقت الاحتجاجات في الدول العربية، بدءًا من تونس، قلتُ كلامًا واضحًا: إن سورية خارج هذا السياق، لأن العلاقة بين القيادة والشعب مختلفة عن الدول الأخرى”.

تحكم مذكرات الرئيس ذهنية المؤامرة الكونية على سورية، وتبرر الانتهاكات الجسيمة بمحاربة الخونة والمتآمرين والإرهابيين، وتنتهي برده على الصحفي الأميركي: “أعرف أن المعركة التي نخوضها هي معركة حاسمة، وأن الزمن عندما يتحول إلى تاريخ، ويأخذ معناه الحقيقي والتقييم الموضوعي في ترتيب الأحداث التاريخية… لا شك بأنه سيذكر فترة حكمي بوصفها الانعطافة الأهم في تاريخ سورية، بل انعطافة في تاريخ العالم أيضا”.

ما الذي دفع المؤلف لوضع فرضية البداية في المستقبل القريب، ومتى بدأ بكتابة الرواية، وماذا عن ظروف إصدارها وجهة النشر التي تحمل اسم دار الحرية؟

يقول سمير الزبن لـ (جيرون):

= الرواية لا تلعب دور العرافة لقراءة تاريخ سورية القادم، اختيار العام 2022 كان اختيارًا تقديريًا لانعطافة الأحداث في سورية، بالمعنى التخيليي الروائي، وليس بالمعنى الاستشرافي العلمي. كما أن لهذا التاريخ وظيفة بنيوية روائية. فحتى يحصل الرجل على مذكرات الرئيس، يجب أن يكون هناك مبرر روائي لحدوث ذلك، وأعتقد أن هذا الشكل من رواية حصول الرجل على دفتر الرئيس مقنع روائيًا، سواء حصل في الواقع أم لا. مسألة أخرى، أعتقد على مستوى التحليل أن الحدث الجلل الذي شهدته سورية في السنوات الأخيرة، سيكون له آثار ارتدادية بشكل أو بآخر، على جميع المشاركين في ذبح السوريين، والنظام نفسه لن ينجو.

ويضيف سمير: بدأت فكرة الرواية مع بداية الأحداث في سورية، كنت طرحت أسئلة على نفسي، كيف ينظر الجلاد إلى نفسه؟ وهل هو بشر مثلنا؟ بدأت الكتابة مع بداية 2015، وانتهيت منها بنهاية 2016. صدرت بشكل إلكتروني حصرًا، وقد فضلت ذلك لصعوبة التعامل مع دور النشر من جهة، وشروطها المجحفة بحق الكاتب. إضافة إلى أن دور النشر تشترط عدم النشر الإلكتروني، وهو ما يُصعب الحصول عليها من قبل القراء الذين تتوجه إليهم الرواية، في ظروف الشتات التي نعيشها. لذلك وجدت أن من الأفضل وصولها إلى أكبر عدد من القراء بأسهل الطرق، بخاصة أن الكتّاب في عالمنا العربي ليس لهم عائد من كتابتهم، فهي تعود كلها إلى دور النشر، وباتت أغلبية دور النشر تطلب المال مقابل نشر الكتاب. ومن تجربتي في الترحال وفي القراءة في السنوات الأخيرة، فقد كانت الأغلبية الساحقة من الكتب التي قرأتها إلكترونية.

– لماذا اخترتَ الموالي والرئيس لاستحضار الماضي واستشراف المستقبل؟

= اخترت الكتابة من موقع الرئيس، لأفهم كيف يفكر رجل وصل إلى هذا الموقع بمحض المصادفة. دائمًا هناك سؤال يُطرح في مثل هكذا أحداث كبيرة، من أي مادة يُصنع القتلة؟ هل هم بشر مثلنا من لحم ودم، أم أنهم بشر يختلفون عن أقرانهم. ما أردت أن أقوله أن القتلة بشر مثلنا، وقد يخرجون من بيننا ومن بيوتنا، وقد يكونون أتفهنا. وهذا الرجل الذي دمّر سورية، ليس شخصية استثنائية، بقدر ما هو شخصية في غاية التفاهة، وهذا النوع من البشر يمكنه أن “يرتكب أعظم الشرور”، كما تقول أرندت. إنها رواية عن “تفاهة الجلاد”.

– ما المصادر التي اعتمدتها في صوغ الحكاية، وما حدود الواقع والخيال في بناء الحبكة والتفاصيل؟

= المصدر الأول للرواية هو عيشي في سورية، من يعيش في سورية، يرى بصمة المخابرات في كل مكان، حتى إنه يشعر ببصمة المخابرات على روحه. لا أعتقد أن أحدًا ما في سورية نجا من المخابرات، سواء باعتقال أو بمراجعة، أو حتى بإقرار بمعلومات ما للتسجيل في جامعة أو للحصول على عمل… الخ. المصادر الأخرى، جاءت من كتب عن النظام الحاكم في سورية، أو من شهادات لأناس كانوا جزءًا من هذه السلطة. وفي الأماكن التي لم أعثر لها على معلومة، أعملت الخيال لسد الفراغ، فمن الصعب الحصول على معلومة في بلد لا يملك الحد الأدنى من الشفافية.

– لماذا ذكرت أسماء الأماكن، وتجنبت ذكر أسماء أي من الشخصيات؟

= ببساطة، لم يكن من المهم ذكر اسم الرئيس أو أي من أزلام السلطة، لأني أعتقد أنهم جميعًا ومن ضمنهم الرئيس كانوا مجرد تروس في ماكينة، صممها الرئيس السابق. وهذه الماكينة، امتلكت حركتها الذاتية. ولا أعتقد أنني أجازف إذا قلت إن سورية بقيت محكومة بجثة الرئيس الراحل إلى اليوم، وأن الرئيس الوريث مجرد ترس في ماكينة صممها غيره، هو فقط قام بالضغط على زر القتل، أنه مجرد نكرة ضغطت زر آلة القتل.

– المذكرات أشارت إلى الدور الذي لعبته السلطة الفلسطينية لحماية النظام السوري، ما موقفك من هذا الدور؟

= أعتقد أن أي دور في الدفاع عن النظام أو حمايته أو الوقوف إلى صفه، هو سقوط أخلاقي، سواء جاء هذا الموقف من سلطات أو من أشخاص.

– هل تعتقد أن ذهنية المؤامرة هي التي أوجدت الدكتاتوريات، أم أن الاستبداد هو من أوجدها، وكيف السبيل للخروج من مأزق هذه الذهنية المولدة للصراعات والعنف؟

= أعتقد أن الاستبداد هو أساس كل شر في بلداننا، إن إعدام الحياة السياسية ومنع الحريات العامة، وعلى رأسها حرية التعبير، جعلت السلطة فاسدة ومُفسدة. وكلما طال زمن الاستبداد؛ تعفنت المجتمعات وتحللت روابطها الداخلية. وكل الخراب الذي شهدته وتشهده المنطقة، نتاج رئيس عن سلطات الاستبداد التي حولت مجتمعاتها إلى مجتمعات معطوبة.

مقالات ذات صلة

إغلاق