ترجمات

مركز كارنغي/ موسكو: ثلاثة ضد واحد ماذا أعطت زيارة بوتين الخارجية الأولى في فترة رئاسته الجديدة؟

 

Parspix/ABACAPRESS.COM/ ТАССالصورة:

كل من الحلفاء الثلاثة ليس راضيًا عن تصرفات الآخر، ومع ذلك فقد أعطى بعضهم البعض الضوءَ الأخضر في سبيل الحفاظ على هذا الحلف، الذي لا يمكن من دونه إبقاء الحالة السورية تحت السيطرة. وحتى الآن، بقي اصطفاف القوى على صورته السابقة: ثلاثتهم ضد الولايات المتحدة الأميركية، والبقية في “البال”.

بعد إعادة انتخابه رئيسًا، لم تكن الزيارة الخارجية الأولى لفلاديمير بوتين إلى أوروبا ولا إلى الصين، بل إلى أنقرة، ليقوم مع رؤساء تركيا وإيران بتحديد استراتيجية العمل اللاحقة في سورية. وفي اليوم نفسه، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقرر من واشنطن إبقاء أو سحب القوات الأميركية من الأراضي السورية. وكان ترامب قد ألمح بوضوح إلى أن بوده تقاسم عبء المسؤولية والتكاليف المالية التي توجبها الحرب على الإرهاب، مع حلفائه الإقليميين.

حول الموضوع ذاته، ولكن بعباراتٍ أُخرى، تحدث الرؤساء الثلاثة في أنقرة. فروسيا، تركيا وإيران ليس بمقدورهم منفردين تمويل إعادة إعمار سورية، وكذلك تحريك التسوية السياسية في هذا البلد. ومن الواضح أن على هذه “الترويكا” التحول إلى شكلٍ آخر. والسؤال الكبير هو: ما هي صيغة التعاون الدولي الممكنة حول سورية؟ فشروط الحل السياسي بالنسبة إلى الترويكا من جهة، مختلفة عن الشروط التي تراها واشنطن وحلفاؤها، من جهة أخرى.

أوقاتٌ عصيبة

كانت النتيجة الرسمية الوحيدة لقمّة أنقرة -عمليًا- هي اتفاق الدول الثلاث على التعاون في تقديم المساعدات الإنسانية والطبية للسوريين. فهل يستحق الأمر اجتماعًا على مستوى الرئاسة؟ أمام عدسات الكاميرات حاول الرؤساء، بكل الوسائل الممكنة، استعراض وحدتهم، وخاصةً في سياق التصدي لمخططات الأميركيين، التي لا يعرفونها بعد، ولكنهم خمنوها فقط، وحاولوا جاهدين إخفاء الخلافات المتبقية خارج القوس.

أثناء القمة، ترددت كلماتٌ عن الحفاظ على سلامة ووحدة الأراضي السورية. وجاء في البيان الختامي أن “الرؤساء رفضوا كافة المحاولات الرامية إلى خلق وقائع جديدة على الأرض، بذريعة محاربة الإرهاب، وعبّروا عن تصميمهم على مواجهة المخططات الانفصالية، الرامية إلى تقويض سلامة ووحدة الأراضي السورية”. وبالأخذ بعين الاعتبار أن موسكو، أنقرة وطهران أضاعوا سنةً كاملة في تقسيم مناطق النفوذ في سورية، بدا كل شيءٍ استعراضيًا زيادةً عن اللزوم، وموجهًا في المقام الأول إلى الولايات المتحدة الأميركية، التي فرضت سيطرتها أيضًا على جزءٍ من سورية دون التوافق بشكلٍ نهائي على قواعد اللعبة مع موسكو وأنقرة. أما بخصوص طهران، فإن واشنطن لا تجري أي حوارٍ معها.

كما توجه الرؤساء الثلاثة إلى المجتمع الدولي بطلب للمساعدة باستعادة سورية اقتصاديًا، مشيرين إلى أنه -باستثناء روسيا، تركيا وإيران- لا أحد يفعل شيئًا هناك. وبهذا الشأن، صرح بوتين في أثناء المؤتمر الصحفي الختامي في أنقرة قائلًا:” نحن نأمل أن العمل على إعادة الاقتصاد في سورية سيتخذ طابعًا شاملًا وواسعًا، بعد استكمال العمليات السياسية”.

وكانت الدول الغربية، وكذلك حلفاؤها من الدول العرب، قد صرحت غير مرة، بأنها لن تشارك في إعمار الاقتصاد السوري، قبل أن يترك الرئيس السوري بشار الأسد منصبه، وأن الاستثمار ممكنٌ فقط في المناطق التي لا تخضع لسيطرة دمشق.

تعتبر “الترويكا” أن مثل هذا الموقف يؤدي إلى تفتت البلاد. وحتى الآن، يبدو التوصل إلى حل وسط ممكنًا فقط في سياق مواعيد وشروط خروج الأسد. أي هل يبقى في فترة الانتقال السياسي، وهل بإمكانه تقديم ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

بداية العام الحالي، أصر المكون الرئيس للمعارضة السورية، والمدعومة من الرياض، على ضرورة خروج الأسد، قبل بدء مرحلة الانتقال السياسي. غير أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قال، في مقابلةٍ مع وسائل الإعلام الأميركية قبل أيام: إن “بشار سيبقى”. غير أنه تم لاحقًا ربط هذا التصريح المثير بجملةٍ من الشروط. وقبل كل شيء، هل بإمكان الرئيس السوري التخلص من التأثير الإيراني. قال الأمير: “أنا أعتقد أن من مصلحته عدم السماح للإيرانيين بالقيام بكل ما يريدون”. كما يتوقع الأمير أن القوات الأميركية “ستبقى في سورية في المدى المتوسط، وربما في المدى البعيد”. إذ تعتبر المملكة السعودية أن بقاء القوات الأميركية يمثل ضمانًا لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة.

جاءت كلمات بن سلمان، عقب تصريح للرئيس الأميركي بأن القوات الأميركية قد تسحب من سورية” بسرعةٍ كبيرة”. كما أن ترامب قال: “إذا كنتم تريدون بقاءنا؛ فعليكم أن تدفعوا”.

بقي الوضع معلقًا عدة أيامٍ، ولكن الولايات المتحدة الأميركية اتخذت قرارًا بإبقاء القوات، مع أن صبر ترامب يوشك على النفاذ، بحسب ما تؤكده وسائل الإعلام الأميركية. وربما، يعود ترامب إلى الموضوع ذاته بعد نصف عامٍ، إذا لم يتغير اصطفاف القوى. وقد علق الرئيس الإيراني على قرار رئيس الولايات المتحدة الأميركية بالقول: “كل يوم وجهٌ جديد، وكل يومٍ كلامٌ جديد. في البداية قالوا إنهم سيخرجون من سورية، ثم قالوا إنهم يريدون المزيد من الأموال من الدول الأخرى للبقاء”.

ولكن كيف يمكن للحلفاء مساعدة الولايات المتحدة الأميركية، ومن منهم بالضبط عليه المساعدة في ذلك؟ هذا هو السؤال الكبير. لن تقوم أي دولة إقليمية بإدخال قواتها إلى سورية. وتستطيع الرياض تعويض الولايات المتحدة الأميركية بجزءٍ من النفقات المالية، وهي بالمناسبة كانت وعدت سابقًا بمضاعفة استثماراتها في الاقتصاد الأميركي ليصل إلى 400 مليار دولار. فهل كان هذا ما قصده ترامب؟

بالإضافة إلى ذلك، تُجري المملكة العربية السعودية، بعيدًا عن الولايات المتحدة الأميركية، حوارًا حول سورية مع موسكو. وحتى الآن، ما زال مصير الأسد هو مصدر التناقضات الرئيسة في المواقف الروسية والسعودية. والآن، انطلاقًا من كلام الأمير، يبدو أن مجالًا جديدًا للمساومة قد ظهر. ومن جديد، هذا المجال الجديد لا يناسب طهران. ومع ذلك لا تريد موسكو التفريط بالتحالف القائم. ولهذا، يبقى اصطفاف القوى على حاله: ثلاثة ضد الولايات المتحدة الأميركية، والبقية “في البال”.

بعد الغوطة وعفرين

جرى اللقاء الأول بين قادة “الترويكا”، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2017. تم خلال الفترة الفاصلة بين اللقاءين تقرير مصير الغوطة (قرب العاصمة دمشق)، وعفرين شمال سورية. وربما، نستطيع القول إن الأشهر الماضية كانت الأكثر دموية من حيث عدد الضحايا في سورية، خلال سنوات النزاع السبع. فقد شهدت هذه الأشهر قصفًا شديدًا من قبل الطائرات الحربية الروسية على الغوطة الشرقية ومحافظة إدلب، وقيام المعارضة السورية بقصف مدينة دمشق، وكذلك العملية العسكرية التركية في الشمال السوري ضد “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي السوري، إضافة إلى اشتداد الصراع على النفوذ قرب نهر الفرات، بين القوات السورية والأكراد المدعومين من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

لو كان اللقاء مقررًا قبل شهر واحد؛ لجرى تحت وقع معارك شرسة. إلا أن غالبية فصائل المعارضة السورية المسلحة كانت مع حلول شهر نيسان/ أبريل قد غادرت الغوطة الشرقية، بعد نجاح المفاوضات التي أجرتها مع العسكريين الروس، والتي أعادت عمليًا غالبية مناطق الغوطة إلى دمشق. كان (جيش الإسلام) حالة استثنائية، حيث لم يستطع أن يقرر: أيستمر في القتال أو يستمر في المفاوضات مع روسيا. وفي الوقت نفسه، يمكن لتركيا أن تتفاخر بانتصارها الذي أنجزته في عفرين، بمساعدة المعارضة السورية المسلحة، ومن ضمنها فصائل أُخرجت في يوم من الأيام من مناطق سورية أُخرى.

الحلفاء الثلاثة ليسوا مسرورين من أداء بعضهم البعض: تركيا رأت في قصف الغوطة الشرقية أمرًا مؤلمًا، في حين لم تكن موسكو راضيةً عن العملية العسكرية التركية ضد الأكراد، وكان الروس والإيرانيون يودون أن تكون عفرين وغيرها من مناطق شمال سورية تحت سيطرة دمشق لا المعارضة المسلحة. ومع ذلك، أعطى كل منهم للآخر الضوء الأخضر، في سبيل الحفاظ على التحالف إذ لا يستطيع أحدهم منفردًا التحكم بالوضع في سورية.

على الرغم من كل شيءٍ، تسرّب التوتر من قمة أنقرة، على الأقل من خلال التصريحات الكلامية. فالتلفزيون ذكر وهو يقتبس عن روحاني قوله إن نشر القوات الأجنبية في عفرين قد يكون مفيدًا، إذا كان لا يخرق وحدة الأراضي السورية، حيث قال الرئيس الإيراني: “يجب أن تنتقل السيطرة على هذه المنطقة إلى الجيش السوري”.

ولكن في المؤتمر الصحفي المشترك، امتنع الرئيس روحاني عن الإدلاء بمثل هذه التصريحات. وكذلك، لم يتطرق الرئيس الروسي إلى موضوع عفرين، في أثناء كلمته أمام الصحفيين. وحده أردوغان لم يستطع التزام الصمت، إذ ذكر بشكلٍ عابر أن من الصعب تحمل رؤية أطفال الغوطة كيف يموتون. ولكنه لم يذكر المتسبب.

على ما يبدو، كان مصير الغوطة وعفرين قد تقرر منذ أول قمة للترويكا. وقد حصلت روسيا في ذلك الحين على مباركة الحلفاء بالدعوة إلى عقد المؤتمر الوطني السوري، حيث وقعت أنقرة وطهران على مقررات المؤتمر الذي عقد نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي.

ولكن دمشق، كما اتضح لاحقًا، لم تعترف بهذا الاتفاق، وهي تعتبر أن صياغة الدستور يجب أن تتم على الأراضي السورية. من جانبٍ آخر، كرر الرؤساء الثلاثة، لمن يصعب إفهامه، أن روسيا، إيران وتركيا يدعمون إطلاق عمل اللجنة الدستورية في القريب العاجل في جنيف، ومصرون على متابعة الحل السياسي، بما في ذلك اعتماد دستورٍ جديد وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة.

غير أنه لا يلاحظ تقدمٌ على هذا المسار، وقد تقوم “الترويكا” بحل مسائل الحل السياسي “على الأرض”، في إطار أستانا، عن طريق المفاوضات والتهديد. ولكن عاجلًا أو آجلًا سيتوجب إيجاد حل وسط مع الولايات المتحدة الأميركية التي تسيطر على الأراضي السورية شرق نهر الفرات.

أما تركيا فتحاول الاتفاق مع واشنطن، حول نقل الفصائل الكردية إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الولايات المتحدة الأميركية. وإذا ما وافقت “الترويكا” على تواجد الولايات المتحدة الأميركية في سورية؛ فسيكون على واشنطن الاعتراف بتواجد بقية القوى في سورية، وبالدرجة الأولى إيران. ومن دون هذا؛ لن يكون هناك توازن.

 

اسم المقالة الأصلية Трое против одного. Что дал первый зарубежный визит нового срока Путина
كاتب المقالة ماريانا بيلينكايا
مكان وتاريخ النشر مركز كارنغي/ موسكو. 6.04.2018
رابط المقالة https://carnegie.ru/commentary/76005
ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق