قضايا المجتمع

عن النسخة المزيفة للسعادة.. أي “تحولات” هي المقصودة

 

متجنبة الاعتراف ببعض الفظائع التي يرتكبها النظام بحق شعبه، وانحدار الحياة -على اختلاف مستوياتها- إلى الحضيض. وعوضًا من أن تبرر تصنيف بلادها على مؤشر السعادة العالمي، الذي احتلت فيه المرتبة ما قبل الأخيرة بين 157 دولة، وصنفت ضمن لائحة البلدان العشرة الأكثر تعاسة على مستوى العالم، بحسب معايير السياسة والاقتصاد. وعَدَت مستشارة الديكتاتور الأسد بثينة شعبان، السوريين، في مقابلة تلفزيونية رسمية بُثت قبل أسبوع، بأن السعادة قادمة إليهم، لكن ليس عن طريق معرفة هواجس الشعب، وأكثر القضايا التي تشغل اهتمامه -كما تفعل الأنظمة التي تولي رأي المواطن الأهمية اللازمة- بل عن طريق “التحولات التي يشهدها العالم”، (حيث ستجيب على أسئلة الناس وتسعدهم).

في معرض التهكم على ما ورد، كتب (م. ع) في (فيس بوك) معلقًا: “إذا كان الأمر كذلك؛ فمن حقّنا أن نتساءل: كيف يمكن لهذه التحولات العالمية أن تعيد ترتيب المشهد الداخلي السوري، وتعيد إلينا السعادة، مع أننا لم نعرف طعمها منذ سنين!”. وكتب آخر تحت اسم مستعار “محكوم بالأمل”: “إذا أفضت التحولات المقصودة إلى أن ترتفع الأعلام الروسية والإيرانية والأميركية، ومؤخرًا التركية، بشكل دائم فوق مساحة تعادل نصف مساحة البلاد، أو أكثر؛ فهل هذه هي السعادة التي تَعِدنا بها”. كما علّق “سوري مشاكس” قائلًا: “أعتقد أن مستشارة الأسد تراهن على التحولات، التي تصب في مصلحة النظام، وتدعم بقاء الأسد في السلطة، كانقلاب مفترض في الموقفين الأوروبي والأميركي، مثلًا، على غرار المواقف الأخيرة لبعض الحكام العرب”.

في بلد يعيش جحيم حرب، مضى عليها نحو سبع سنوات، سقط فيها ما يزيد عن نصف مليون قتيل مدني، وفرّ من لهيبها أكثر من سبعة ملايين لاجئ نحو دول الجوار، ومع وجود مليون جريح ومعاق، إضافة إلى حاجة 14 مليون مواطن لمساعدة إنسانية، وعدم قدرة 84 بالمئة منهم على تأمين الغذاء، ولو بشكل جزئي، منهم 16 بالمئة، ينامون من دون وجبة طعام، 10 أيام في الشھر. في بلد كهذا، لا تبدو كلمة “السعادة” مثيرة للاهتمام، كما أنها، بحسابات العقل، بعيدة جدًا منه، أو صعبة المنال، على أقل تقدير.

عمومًا، يتطلع نظام الأسد، إلى بث جرعة تفاؤل عبر ذاكرة انتقائية. فهو -كالعادة- يتجاهل قضايا الداخل وأزماته العاصفة، ويحاول -منذ فترة حكم الأب- تجنب الحديث عن سياسات ترسم حياة الناس ومعيشتهم، وعلاقتهم بالدولة، أو بنظامه المسيطر على المدى الطويل.

اتسم الشأن المحلي بأحادية مفرطة، بخلاف ما كان يُطرح من شعارات شعبوية، روّج لها “البعث”، سواء أثناء فترة صعوده السلطوي، أو عقب انسحابه لاحقًا لصالح حكم العائلة، كحكم الشعب لنفسه، أو ممارسة الديمقراطية الشعبية، أو الإدارة بشكل أكثر انفتاحًا، وفق أسلوب الإدارة المحلية.

لم تسمح الديكتاتورية التي حكمت سورية، طوال أربعة عقود، بأن يتحدث المواطن بلغة السياسة أو الاقتصاد، ويشارك في صنع القرار الوطني، أو أن يستخدم حقه في رسم مستقبله، ومستقبل عائلته، ومستقبل مجتمعه. واقتصرت التشاركية التي كان يجري الحديث عنها، على قيادات وعناصر حزب البعث، إلى جانب المتنفذين، ورجال السلطة. لا أكثر.

تعدّ الحرية، والحريات الاجتماعية الممنوحة للأفراد، والتشاركية، وسلامة العلاقة بين المواطن والدولة، ضمن مؤشرات السعادة، بحسب الأمم المتحدة. كما تضاف إلى تصنيفها، مؤشرات أخرى لا تقل أهمية: سويّة الحياة، ومستوى النمو، ومعدل انتشار الفساد، ومدى مكافحته، وحصة الفرد من الناتج الإجمالي المحلي، وحالة السكان النفسية، ومعدل الصحة العامة، إضافة إلى جودة التنمية البشرية، والتنمية المستدامة، والرفاه الاجتماعي.

اليوم، بإمكان نظام الأسد أن يعوّل على حليفيه الرئيسيين: روسيا وإيران، في إطالة عمره لفترة محدودة. لكن تعويله على تحولات عالمية “مفترضة”، لإدخال السعادة إلى دولة هشة، ومجتمع محطم، ومنقسم، تقوده اصطفافات سياسية وطائفية وعشائرية، فمن المرجح أنها إشارة واضحة، تكشف ضعف النظام، وانهيار نفوذه.

ينطلي الأمر على كثير ممن يؤيدون الأسد، ويدينون له بالولاء، عندما تتحدث الرواية الرسمية، عن التنمية، وارتفاع معدل النمو الاقتصادي، في الفترة بين عامي 2009/2004، كمرجع، ونمو حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.3 بالمئة، في إشارة إلى الارتياح والتفاؤل المعيشي. غير أن المفاجأة هي أن نمو الإنفاق الحقيقي للعائلة السورية، خلال الفترة ذاتها، بحسب مسح دخل ونفقات الأسرة الذي نفذته مؤسسة حكومية، لم يتجاوز 2.1 بالمئة فقط. وهذا يعني أن النمو الذي يصفق النظام له، كمؤشر إيجابي، لم يشعر به أحد، وقد كان مجرد نمو وهمي، لا وجود له إلا ضمن نشرات الأخبار.

في ظل الديكتاتوريات، لا يمثل انتشار النسخ المزيفة والمزورة، للسعادة، حالة استثنائية. فقد كانت وما زالت وسيلة للتأثير في الرأي العام، وإيهامه بإنجازات نظام فئوي، أقلوي، يبحث عن شرعية سياسية تبرر احتكاره السلطة.

إن مفارقة على هذا الصعيد تُميط اللثام عنها نتائج البحث المسحي، الذي أجراه معهد (غالوب) لاستطلاعات الرأي، وغطى الفترة الزمنية ذاتها: 2009/2004. ومن المدهش، أن ترتيب الشعوب السعيدة -بحسب معايير ومؤشرات السعادة- قد كشف أن الشعب الفلسطيني، داخل الأراضي المحتلة، كان أكثر سعادة، من الشعب السوري، بأربع درجات. ففيما احتلت فلسطين الدرجة 96، حازت سورية على المرتبة 100.

في فترة لاحقة، غرقت البلاد بالفساد، وسادت الاحتكارات الاقتصادية، وبحلول عام 2010، اتسعت الفجوة إلى حد بعيد. لقد أدى التطور السلبي في هذا الجانب إلى تقويض ثقة المواطنين بمؤسساتهم العامة/ الرسمية. وينقل البنك الدولي نتائج دراسة استقصائية، أجرتها مؤسسة دولية، بين عامي 2010/2009، تشير إلى أن نسبة السوريين الذين عبّروا عن ثقتهم بمؤسسات الدولة، مثل الشرطة والقضاء، بلغت 48 بالمئة فقط. فيما أجرت شبكة الأمم المتحدة لحلول التنمية المستدامة، إحصاءات مسحية، حول السعادة، بين عامي 2010/2012، نالت سورية فيها المرتبة 148، وهي المرتبة التي تذيل قائمة أكثر الدول تعاسة في العالم. كما أعلنت مؤسسة (غالوب)، عقب استبيان شارك فيه 133 ألف شخص حول العالم، في عام 2014، أن السوريين والأفغان، هم أكثر الشعوب تعاسة على الإطلاق.

من الصعب على أناس، عمل نظام الأسد المستبد على تحطيمهم، وأطاحت حربه بأحلامهم، أن يتحدثوا اليوم عن التفاؤل، وهم يعيشون داخل جحيم، لا مثيل له في تاريخ الأمم الحديث.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق