ترجمات

واشنطن بوست: هل تثق بأميركا؟

عناصر من النظام السوري يقفون وسط الدمار في جوبر الذي كان يسيطر عليه المتمردون سابقًا في الغوطة الشرقية. (لؤي بشارة/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي)

كتجربةٍ عاطفية واستراتيجية كبرى، حاول أن تتخيل نفسك سوريًا مؤيدًا لأميركا.

ربما رأيتَ اثنين من أطفالك قُتلوا عندما هاجمت دبابة منزلك، ربما تم تسوية شارعك بواسطة البراميل المتفجرة، ربما كان حيّك محاصرًا ويتعرض لتجويع ببطء بقصد الاستسلام، ربما شاهدت ابنتك ضمن طابور من بين ضحايا الاغتصاب التي يختارها الجنود لهذا اليوم.

أثناء زيارتي للشرق الأوسط، على مدى السنوات القليلة الماضية، التقيت باللاجئين السوريين الذين أخبروني بكل هذه القصص. أعرب الكثير منهم عن نيته العودة إلى ديارهم، ومحاربة نظام بشار الأسد. أتخيل أن بعضهم فعل ذلك. في حزيران/ يونيو 2013، أعلنت إدارة أوباما أنها ستقدم دعمًا عسكريًا مباشرًا لقوات المعارضة المنحازة لأميركا. مسؤولٌ في الأمم المتحدة يتعامل مع اللاجئين، أراني مخططًا يشير إلى ارتفاع كبير في العائدين إلى سورية، وهم أناس يُتوقع أن يكونوا مسلحين للقتال ضد الأسد.

كان وهمًا قاسيًا. كانت الجهود الأميركية لتسليح المتمردين بشكلٍ عام مزحة. لكن الدعم من المملكة العربية السعودية، ودول الخليج الأخرى للقوات الجهادية في سورية كان خطيرًا للغاية، كما كان دعم إيران لوكلائها، الذي منع نظام الأسد من الانهيار.

كانت السياسة الأميركية في سورية، منذ اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011 قصةً من الارتباك والتردد والخيانة. قدم فريدريك هوف، المستشار الخاص للرئيس باراك أوباما للمرحلة الانتقالية في سورية، مؤخرًا جزءًا مهمًا من السجل التاريخي. في مقال على مدونة في موقع المجلس الأطلسي، وصف سياسة عهد أوباما تجاه سورية، بـ “سلسلة من التزاماتٍ كاذبة وخطوط حمراء لا قيمة لها”. ويكتب هوف: إن أوباما “سيتعامل مع المعارضة الداخلية”، عن طريق إيصال المسؤولين من خلال أسوأ سيناريوهات متعددة، افتراضية لما قد يحدث في أعقاب أي محاولة أميركية، مهما كانت متواضعة، لتعقيد قتل النظام الجماعي”. في نهاية المطاف؛ أصبح من الواضح لـ هوف أن السبب الحقيقي لهذا التردد هو “الرغبة الملحة في تأمين صفقةٍ نووية مع إيران، ولو كانت تعني التضحية بالأطفال السوريين وأهلهم”.

كان الصراع السوري، وفق وصف أوباما، “حربًا أهلية للآخرين”. هذا هو أحد المجالات/ المواضيع للسياسة الخارجية المستمرة في ما بين أوباما والرئيس ترامب. في تموز/ يوليو عام 2017، أنهت إدارة ترامب عملية الاستخبارات المركزية السرية، بتسليح المتمردين المناهضين للأسد. “هذا قرار عظيم”، كما أشار أحد المسؤولين في الكواليس. “لقد فاز بوتين في سورية”. الآن جمد الرئيس أكثر من 200 مليون دولار مخصصةً لإعادة الإعمار في سورية، وأعلن -على ما يبدو ضد نصيحة جيشه- “سنخرج من سورية في وقتٍ قريب جدًا”. وهذا يعني انسحاب نحو 2000 جندي أميركي. يقول ترامب: “دعوا الآخرون يهتمون بها الآن”.

فقط لكي أكون واضحًا، “الآخرون” هم الروس والإيرانيون و”حزب الله” الإرهابيون وفصائل نظام الأسد. قد يجلب انتصار الأسد في النهاية ما أطلق عليه الرئيس جون كينيدي “سلام المقابر [و] أمن العبيد”. لكن النتيجة الفورية لأي انسحابٍ أميركي ستكون تصعيدًا كبيرًا للصراع في شرق سورية. كما أنه سيرفع الحماية عن حلفائنا القلائل الباقين على الأرض، مكافئةً لإيمانهم بصفعة عند الفراق.

لقد خلّفت سنوات من القرارات السيئة -واللاقرارات- مشكلةً سيئة في سورية. لكن القوات الأميركية مهمة بطريقة ما، وانسحابهم في هذه المرحلة سيكون تصرفًا من الحماقة الاستراتيجية: سيترك روسيا كوسيط قوي بلا منازع في قلب الشرق الأوسط، وسيتخلى عن حقول النفط الواقعة تحت سيطرة القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة، وسوف يكافئ بحث إيران عن الهيمنة الإقليمية. هل يدرك ترامب عدم الانسجام أو التماسك في الاعتراض على رخاوة الاتفاق النووي الإيراني، بينما يقترح تسليم سورية إلى إيران؟

ثم هناك الكابوس الإنساني الساطع. ربما يكون هناك 3 ملايين طفل لاجئ سوري في المخيمات والمجتمعات، وبعضهم مصاب بالرضّات النفسية بسبب العنف، وبعضهم تعرضوا للمضايقات والتحرش كغرباء، وبعضهم أُجبر على العمل، وبعضهم عرضةٌ للتطرف، كما أن نحو 40 في المئة خارج المدرسة. لامبالاتنا هي سببٌ لأجيالٍ من الاستياء والغضب.

الانتصار النهائي لإيران وروسيا والأسد سيرسل عددًا من الرسائل الواضحة: أن القتل الجماعي مفيد، وأن استخدام الأسلحة الكيميائية مفيد، وأن التجويع القسري للمدنيين مفيد. ويمكن تجاهل قواعد الحرب التي تضعها الولايات المتحدة، وإداناتها من دون عقاب.

لقد أرسلت الخيانة البطيئة لسورية رسالةً إلى كل لاجئ التقيتُ به، وإلى كلِّ صديقٍ محتمل لبلدنا: قد يكون من الخطورة أن تثق في أميركا.

 

اسم المقالة الأصلي Would you trust America?
الكاتب مايكل جيرسون، Michael Gerson
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست، The Washington Post، 2/4
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/opinions/would-you-trust-america/2018/04/02/5fc5b854-369e-11e8-8fd2-49fe3c675a89_story.html?utm_term=.717f8968f19d
عدد الكلمات 653
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق