أدب وفنون

بلزاك: التكسّب بالأدب

تكشف عبارات كثيرة لـ بلزاك، في كثير من الأحيان، حجبًا كثيفةً حرص على إسدالها فوق حياته؛ ليخفيها عن أعين الناظرين، وما حاول بلزاك إخفاءه من حياته كشف عنه بوضوحٍ في أعماله الأدبية.

فالملهاة البشرية التي ألّفها تنسرب من خلالها ملامح شخصياتٍ، تتقاطع خيوط حياتها مع حياته، إذ تفوح تلك الأعمال برغبته في الوصول إلى المال والشهرة، كثيرًا ما كانت رسائله التي يكتبها إلى أخته تصرّح بهذه الرغبة: “لا أرغب إلا في شيئين: الحب والمجد، وحتى الآن، لم أشبع لا من هذا ولا من ذاك”.

ومن أقواله الشهيرة التي تناقلها النقاد والقراء له: (وراء كل ثروة عظيمة جريمة).

فهل ارتكب بلزاك جريمة أدبيةً بحقِّ نفسه، حين كتب من أجل المال؟ لقد بحث عن طرقٍ كثيرة للكسب وأعياه البحث، ليجد في النهاية أن الأدب يحقّق له الكسب، والمال كان الرمزَ الوحيد للقوّة في مجتمعه حينذاك.

قد يبرر تلك الجريمة، بالنسبة إليه، ديون متراكمة أصبحت الهاجس اليومي، وهذا الهاجس الذي سيطر على بلزاك دفع بودلير إلى السخرية منه، في مقال بعنوان: (كيف للمرء تسديد ديونه؛ وهو لا يفتقر إلى العبقرية).

ومن الطرق التي لجأ إليها بلزاك لتكوين ثروة، أن يعهد إلى أحد زملائه الأقل موهبة كتابة مقالات باسمه، باعتبار أن رأس المال الوحيد الذي يمتلكه اسمه، كما سمح لبعض الناشرين بوضع اسمه على بعض الأعمال -دون أن يسهم في كتابتها- مقابل مبلغ من المال، بما أن كتاباته لا تفي وحدها بالغرض، ولا تساعده في تسديد ديونه، وهذا ما جعل بعض النقاد يتهمونه بالتزوير في الأدب.

هي الديون إذًا؛ وضعت بلزاك في أكثر المواقف غرابة، وأفسحت المجال لديه لفائض أكبر من الخيال يقول: (إنني أستكمل غالبًا أعمالي على ضوء أحد بيوتي التي تحترق).

حين نقرأ (الملهاة البشرية) تصادفنا الكثير من الشخصيات التي تعاني هاجس الدين كـ بلزاك، كما نراه يحشد فيها الكثير من الشخصيات الطموحة، التي عرفت كيف تركب السلم الاجتماعي، وتصعد في المراتب وتنسى أصولها التي لم تعد لائقة بها.

كذلك الشخصيات الانتهازية التي لا تفوّت فرصة سانحة لتحقيق أهدافها، من دون النظر إلى الوسيلة، وهذا ما يؤكد لنا أن محوري المال والنفوذ كانا الشغل الشاغل لـ بلزاك، في معظم أعماله.

كتب في بداياته قصصًا لا تشرّفُ تاريخه الأدبيّ العريق، باعتباره أعظم أدباء فرنسا، حيث كان يسعى إلى أيِّ نوع من الكتابة، سواء أكان قصصًا أم غير ذلك، تدرّ عليه مالًا، وكثيرًا ما لجأ إلى اقتباس الموضوعات من هنا وهناك، وكان عذره السعي إلى كسب حياة مادية مستقلة عن عائلته، وأن يستطيع التخلّص من مساعدات أمّه التي تفضّل أخاه -ابن الزنا- عليه، وقد خلعتْ على هذا الابن غير الشرعيّ كلّ حبِّها ونسيت بلزاك، والغريب في الأمر أن الطفل الذي حظيَ برعاية أمِّه ومحبّتها، أصبح فيما بعد شخصًا تافهًا لا قيمة له، في حين أنّ بلزاك الذي حُرِم من عطف الأمومة وحبّها أصبحَ أكبرَ روائيٍّ في تاريخ فرنسا، وهذا دليلٌ على أنّ الإبداع تعويضٌ عن نقصٍ يعود إلى مرحلة الطفولة الأولى، كما يرى علماء النفس.

ويرى النقاد أنّ كتاباتِ بلزاك، في تلك المرحلة، كانت متعثّرة ومليئة بالارتباك السردي، والحشد الكبير وغير المعقول، للكثيرِ من الشخصيات الثانوية التي لا يفلح أحيانًا في السيطرة عليها، إضافة إلى الحبكة المهزوزة في بعض الأعمال؛ إلا أنّ صبره وعمله الدؤوب ساعده في تجاوز هذه العيوب، ليقدّم فيما بعد روايات أطول وأكثر انسجامًا من ذي قبل، وهذا الميل الذي استحكم فيه للمال، دفعه في كثير من الأحيان إلى الاستعجال وعدم التروّي، ولم يغفر له مؤرخو حياته ونقاد أدبه تلك الهنّة التي وسمَت أدبه بضع سنين، على الرغم من حرصه على تبريرها، بما عُرِف عنه من قوة منطق وقدرة على الإقناع.

استطاع بلزاك -من بعد ذلك- أن يبْرَأ من تلك النقيصة، وأن يصبح ذا ضمير في أدبه، فأصبح معروفًا عنه التأنق في كتاباته وإعادة تصحيحها -بعد إرسالها إلى المطبعة- عدة مرات، حتى ضاق به الناشرون، وقاضاه بعضهم من أجل ما يتحملون من نفقات، جراء تصحيحات وتغييرات لا تنتهي.

واللافت -أيضًا- أن التكسّب بالأدب لم يمنع بلزاك من أن يصبح أعظم مفكر في فرنسا، أسهم أدبه في دكّ صرح الفساد، وكشف عيوب المجتمع وتناقضاته، حيث تعمّق في دراسة العالم الذي قام على أنقاض الخراب الذي خلفته الثورة الفرنسية، مركزًا على القضايا الأخلاقية التي عصفت بالمجتمع الفرنسي المصدوم بإخفاقات الثورة، والتي تحولّت من حلم إلى وحش يلتهم أبناءه.

فعلى الرغم من شعارات الثورة الفرنسية البراقة التي انتشرت في كل العالم؛ فإنها -كغيرها من الثورات- تكشّفت عن مظاهر غير متوقعة حرفتها عن مسارها، وجعلت الطبقة البرجوازية تصعد على أكتافها، لتنشأ نماذج جديدة وقضايا وقوانين جديدة.

على الرغم من سوداوية بلزاك الظاهرة في أعماله، وضعف ثقته بحاضر البشرية ومستقبلها، وأنه لم يكن يرى في الحياة سوى محيط من الوحل، إذا ما وضع الإنسان فيه قدمًا يغوص حتى عنقه؛ فإنه استمر في محاولاته أن يعيش الحياة، ويحقق شهوته المستحكمة فيها للمال والنفوذ والحبِّ، وحياته بحدّ ذاتها وكتاباته، ترجمة واضحة لرغبته في التسلّق الاجتماعيّ الذي فشل فيه.

وبذلك، أصبحَ الضغطُ الخارجيّ لمتاعبه الماديّة يزيد من الحرارة الداخليّة لخياله، ويدفعه إلى الكفاح بأدبه كفاحًا متواصلًا، أثمر في النهاية انتصارًا على ظروفه الشخصية القاسية التي قهرها؛ واستطاع أن يصل إلى أحلامه في الحب والمال.

لكن القدر لم يمهله، فسقط صريعَ المرض، وكان قد اشترى للتوّ بيتًا جميلًا في باريس، وظفر بالزواج من تلك المرأة التي أحبهّا سنوات طويلة خلت.

مات بلزاك، بعد احتضار طويل وصعب لروحه وأحلامه، والمرأةُ التي أحبها وتزوجها لم تصبر على مرضه؛ بل تركته لتغازل شابًا وسيمًا، منتظرة انتقاله إلى الملأ الأعلى.

مقالات ذات صلة

إغلاق