هموم ثقافية

أدب المرافق العامة “أذنا الأمير تشبهان أذني الحمار”

 

عند دراسة المشهد الأدبي الحديث، لا بدّ من النظر في ظاهرة أدب المرافق العامة، تلك الظاهرة التي اتخذت من مقاعد الحدائق، وحيطان الشوارع، وأبواب المراحيض العامة، دفاترَ ومدوناتٍ ربما –مع التأكيد على لفظة ربما- كانت هي الشرارة التي نتج عنها اختراع أو تأسيس مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتحديد (فيسبوك) و(تويتر)، حيث حوّل ذلك النزوع التعبير عن الآراء، بعيدًا عن عين الرقابة التي كانت الحائل بين الرأي المنطوق والرأي المسكوت عنه، بين المجاملة والمصارحة، بين التماسك المجتمعي، والتفتت الذي يبحث عن متنفس، ليظهر كبقعة زيت على وجه الماء.

تلك المدونات التي يطلقون عليها من باب التهكم اسم “دفاتر المجانين” كانت المتنفس لعاشق يخاف الاعتراف باسم حبيبته، فراح يخطّه على المقاعد وحيطان المدارس، أو خجول مراهق مكبوت راح يرسم الأعضاء التناسلية على حيطان المراحيض العامة وأبوابها، أو خائف تأكد أن آذان هذه الحيطان لن تميّز صوته أبدًا، ولن تفضحه، كما البئر والماء والأعشاب التي فضحت الحلاق الذي صرخ ذات يوم: “أذنا الأمير تشبهان أذني الحمار”.

“هنا يتساوى الوزير والفقير”، على هذه العبارة التي قرأها القاص السوري إبراهيم الخليف، علّق قائلّا: “الغريب أن الذي كتب هذه العبارة على باب (مرحاض عام) كان يبحث عن أي قاسم مشترك، بينه وبين من كان يمثل السلطة”، بينه وبين أسياده من أصحاب القرار الذين لا يتجرأ على الإفصاح عن رغبته، في أن يراهم يشابهونه، ولو في حدث حياتي يومي.

وقد حلت مواقع التواصل الاجتماعي محلّ “دفاتر المجانين”، وراح كل من استطاع سبيلًا إلى إنشاء صفحة، يُدلي دلوه في كل شاردة وواردة، بدءًا من الحدث اليومي الصغير، وصولًا إلى أهم الأحداث العالمية، فلا يكاد يمر حدث دون اجتراره، بكل ما أوتي البشر من أساليب تعبير، وربما كان التهكم هو الأسلوب الأكثر انتشارًا، والأشد جذبًا للتفاعل، كما صارت هذه المواقع مكانًا مناسبًا لعرض الجداريات التي لم يتوقف “الرجل البخاخ” عن إنتاجها، من قبيل “عائدون”، “الله يجمع غسيلنا بغسالة وحدة”، “بس طمني عليك وكمل غيابك”، “من هنا مر الجيش”… إلخ، وللعبارة الأخيرة تحديدًا وقع قاس لما يرافقها من آثار الدمار، وصور البلد التي أحرقها رجالها.

مرة، انتشرت صورة لباب كُتب عليه: “الرجاء عدم خلع الباب”، وبالفعل بقي الباب واقفًا، بينما البيت بمجمله صار أثرًا بعد عين.

وأزعم أن كل من استخدم المراحيض العامة لا ينسى العبارات التي تحمل -أحيانًا- حمولة فلسفية، أو حكمة، أو حتى نصًا ممّا يصح أن نطلق عليه قصيدةً، بالقياس مع ما يتم ترويجه على أنه أدب على حيطان الفيس وأخواته.

فهل حقًا نستطيع اعتبار الكتابة على حيطان المراحيض، والشوارع أدبًا؟ ثم أليس هذا التدوين المهمّش -إن لم يكن أدبًا- تعبيرًا بالخفاء عمّا يخالج نفس كاتبيه، من أفكار لم يجدوا من ينصت إليهم، أو ربما لم يجدوا من يثقون بالحديث أمامهم، بما يجول في خواطرهم من تساؤلات؟ وبالمقابل ألم تُنتج عبارةٌ على حائط مدرسة في درعا ثورةً؟ وألم تَنتج عن تلك العبارة حربٌ، راح ضحيتها من الأرواح ما تقشعر الأبدان لذكر عددها الذي ما يزال في ازدياد؟

مقالات ذات صلة

إغلاق