تحقيقات وتقارير سياسية

تنظيم عمراني أم تغيير ديموغرافي!

 

يبدو أن التهجير القسري الذي فرضه نظام الأسد بالقوة، بحق سكان الكثير من المدن والبلدات السورية، لم يكن لحظة آنية فرضتها الظروف المتحولة في القضية السورية، بل كان أمرًا مخططًا له بعناية، بهدف إحداث تغييرات ديموغرافية في التركيبة السكانية، في المدن والمناطق التي تعرضت للدمار والتهجير، كما في دمشق وريفها كحيّ القابون جوبر وبرزة وداريّا والمعضمية والغوطة الشرقية، ومناطق في حمص وريفها، وفي إدلب وحلب وريفها وديرالزور والبوكمال وتدمر وغيرها، وهذا ما تفسره كثرة التشريعات القانونية المتعلقة بالتنظيم العمراني والسجلات العقارية، التي صدرت منذ اندلاع الاحتجاجات في آذار/ مارس 2011.

البداية كانت بصدور المرسوم التشريعي رقم 40 تاريخ 20/ 5/ 2012 الخاص بإزالة مخالفات البناء، ثم تلاه صدور المرسوم 66 الصادر بتاريخ 18/ 9/ 2012 الذي قضى بإحداث منطقتين تنظيميتين في نطاق محافظة دمشق، ضمن المصور العام لمدينة دمشق، وقانون التخطيط وعمران المدن رقم 23 تاريخ 8/ 1/ 2015 والمرسوم التشريعي رقم 12 تاريخ 9/ 5/ 2016 القاضي بعد النسخة الرقمية لوقوعات الحقوق العينية المنقولة عن الصحيفة العقارية، في الجهة العامة المنوط بها قانونًا مسك سجلات الملكية العقارية، ذات صفة ثبوتية. والقانون رقم 33 للعام 2017 القاضي بتنظيم آلية العمل في إعادة تكوين الوثائق العقارية المتضرّرة كليًا أو جزئيًا، أو التي ثبت فقدانها نتيجة الحوادث الطارئة، واعتبارها تتمتع بالقوة الثبوتية. والقانون رقم 3 تاريخ 25/ 1/ 2018 الخاص بإزالة أنقاض الأبنية المتضررة، وأخيرًا القانون رقم 10 تاريخ 2/ 4/ 2018 الخاص بإحداث منطقة تنظيمية أو أكثر، ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية في سورية، وهي المحافظة، المدينة، البلدة، البلدية، وفقًا لما حددتها المادة 7 من المرسوم التشريعي رقم 107 الصادر عام 2011.

ما يهم السوريين من تلك الفورة التشريعية هو الوقوف على النتائج التي ستتمخض عن تطبيق القانون رقم 10 والمرسوم 66 لعام 2012. فقد أثار صدورهما انتقادات واسعة بين السوريين، ولا سيما بين ملايين اللاجئين والمهجرين، نظرًا إلى ما قد يشكله تطبيقهما الآن من خطر حقيقي في ضياع ممتلكاتهم التي أفنوا عمرهم في تأمينها.

جاء القانون رقم 10 لعام 2018 معدلًا للمرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012، وشاملًا له في الوقت نفسه، وبدا الأمر غير مفهوم البتة في الإبقاء على المرسوم 66، بالرغم من أن القانون 10 قد عدّل الكثير من مواده، والسؤال المطروح هنا: لماذا لم يتم دمج القانون 10 والمرسوم 66 مع بعضهما بقانون واحد، لتسهيل الرجوع إليه كتلة واحدة بدل هذا التشتت بينهما؟ أم أنّ الأمر مقصود بتركه هكذا متشابكًا وغامضًا؟ فالمادة 5 من القانون 10 نصت على أن “تطبق أحكام المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 وتعديلاته المنصوص عنها في هذا القانون، على المناطق التنظيمية التي يتم إحداثها وفق أحكام المادة 1 من هذا القانون.

فتح القانون رقم 10 الباب واسعًا أمام إحداث مناطق تنظيمية أخرى، في أي مكان في سورية سبق تنظيمه من قبل يقترحه وزير الإدارة المحلية، وهو ما نصت عليه المادة الأولى منه: “يصدر بمرسوم، بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة، إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر، ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية المعرفة بالمرسوم التشريعي رقم 107 لعام 2011 استنادًا إلى دراسات ومخططات عامة وتفصيلية مصدقة، وإلى دراسة جدوى اقتصادية معتمدة”. بينما تعلق المرسوم 66 لعام 2012 فقط بإحداث منطقتين تنظيميتين في دمشق: المنطقة الأولى شملت (تنظيم منطقة جنوب شرق المزة من المنطقتين العقاريتين مزة – كفرسوسة). بينما شملت المنطقة الثانية (تنظيم جنوبي المتحلق الجنوبي من المناطق العقارية مزة – كفرسوسة – قنوات بساتين – داريّا – قدم).

صحيح أن القانون رقم 10 أعطى الحق لأصحاب الحقوق من المالكين وأصحاب الحقوق العينية فيها أصالة أو وصاية أو وكالة ولأقاربهم حتى الدرجة الرابعة، أو ممن لديه وكالة رسمية (كانت في المرسوم 66 لأقارب أصحاب الحقوق في المنطقة التنظيمية من أي درجة كانت) حق التقدم إلى الوحدة الإدارية، خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الإعلان، بطلب يعين فيه محل إقامته المختار ضمن الوحدة الإدارية مرفقًا بالوثائق والمستندات المؤيدة لحقوقه أو صور عنها إن وجدت. وبانتهاء مدة الثلاثين يومًا؛ تسقط المطالبة بأصل الحق، ولا يبقى أمام المتضرر بعدها إلا المطالبة بالتعويض فقط أمام القضاء. إن مثل هذا النص يمكن تطبيقه دون مشاكل في البلاد، عندما تكون في حالة الهدوء والاستقرار، وليس الآن في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها سورية، ولا سيما أن ملايين السوريين قد أرغموا على ترك بيوتهم والكثير منهم لا يستطيع العودة إلى سورية، بسبب الملاحقة الأمنية لإثبات ملكيته خلال 30 يومًا.

الملفت في القانون رقم 10 أنه أجاز تشكيل لجان إدارية غير قضائية، بقرار يصدر من رئيس الوحدة الإدارية الذي قد يكون المحافظ أو رئيس بلدية حسب الحال. بينما المرسوم 66 لعام 2012 حدد طريقة تشكيل اللجان وعدد أعضائها، على أن تكون برئاسة قاض، يشكلها المحافظ من “قاض بمرتبة مستشار يسميه وزير العدل رئيسًا، وخبيرين اثنين في التقييم العقاري يسميهما وزير الإسكان والتنمية العمرانية عضوين، لتقدير قيمة عقارات المنطقة المعنية، وفق وضعها الراهن..” (المادة 7). وهكذا نجد أنفسنا أمام لجان قضائية في هذه المنطقة التنظيمية، ولجان إدارية في منطقة تنظيمية أخرى، وقد ينتج عن ذلك اختلاف في التقدير بين اللجنتين القضائية والإدارية، قد يلحق الأضرار بأصحاب الحقوق.

الغريب في القانون رقم 10 أيضًا أنه أضاف إلى المهام الموكلة إلى اللجان الإدارية مهمة أخرى، لم تكن مدرجة في المرسوم 66، وهي مهمة إجراء مسح اجتماعي للسكان في المنطقة. وهو أمر غريب لم نجد له تفسيرًا ولا الهدف المقصود منه، وهو أمر يثير الريبة والشك.

أما في ما يتعلق بالمرسوم التشريعي رقم 12 لعام 2016، فنجد أنه اختص “بأتمتة السجلات العقارية الورقية، بعد فتح باب الاعتراض عليها من قبل المواطنين، ويتم النظر فيها أمام محكمة بداية محل العقار”، وحدد المرسوم مدة الاعتراض بأربعة أشهر لأي شخص؛ الأمر الذي سيفسح المجال لضعاف النفوس من غير المالكين بالاعتراض على الملكية، والنتيجة أنه سيفتح الباب أمام نقل ملكية بعض العقارات إلى غير مستحقيها فعلًا، في ظل عدم تمكن الكثير من المالكين من الاعتراض خلال فترة الأربعة شهور، والأمر نفسه ينطبق على المرسوم 33 لعام 2017 المختص بإعادة تكوين الوثيقة العقارية المفقودة أو التالفة جزئيًا أو كليًا.

لسنا -بالتأكيد- ضد أية تشريعات أو قوانين من شأنها تطوير كل ما يتعلق بالتنظيم العمراني والعقاري، ولو صدرت تلك التشريعات في ظروف طبيعية وهادئة تعيشها سورية، لا مهجرين أو لاجئين أو نازحين أو معتقلين؛ لكانت محل ترحيب من أكثرية السوريين، ولكانت محل مناقشة هادئة لنصوصها بهدف تحسينها، ولَما أثارت هذه العاصفة من الانتقادات وما زالت، وأخص هنا بالتحديد القانون رقم 10 لعام 2018. فلو أن هذا القانون تحديدًا صدر قبل عشر سنوات من الآن؛ لما أثار أي مشكلة، باستثناء بعض الملاحظات على عدد من المواد التي تحتاج إلى تعديل.

لكن أن يأتي إصدار تلك التشريعات، في ظل هذه الظروف التي تعيشها سورية من تهجير ملايين الناس من بيوتهم، والكثير منهم لا يجرؤون على العودة إلى منازلهم، بسبب الملاحقات الأمنية وتعميم أسمائهم على المراكز الحدودية البرية والبحرية والجوية وعلى الحواجز ودوائر الشرطة، فهذا يثير الشك والريبة.

أقول أكثر من ذلك: حتى إذا كانت هذه التشريعات صحيحة مئة بالمئة، فإن إصدارها وتطبيقها الآن في الوقت الذي ما تزال فيه سورية تعيش أزمة طاحنة، لا يعرف كيف ومتى ستنتهي، عدا أن تعرض البلاد لاحتلالات متعددة من قوى دولية مختلفة، يضاف إليها فوضى انتشار السلاح والمسلحين من كل حدب وصوب، في طول البلاد وعرضها، قد أثار لدى غالبية السوريين علامات استفهام كبيرة وتساؤلات أكبر عن الأهداف الحقيقية والخفية التي أراد تحقيقها من أمَر بسن هذا القانون، تحت يافطة إعادة الإعمار وإعادة تنظيم مناطق العشوائيات، علمًا أن العشوائيات ينظمها القانون 33 للعام 2008.

وأخيرًا، أقول -من باب الحيطة والحذر- لكافة السوريين القاطنين خارج سورية، لأي سبب كان، عليهم ضرورة التواصل مع أقربائهم أو توكيل محامين موثوق بهم، لتقديم مستنداتهم التي تشير إلى حقوقهم عند الحاجة، من أجل الحفاظ، ما أمكن، على حقوقهم من الضياع.

مقالات ذات صلة

إغلاق