أدب وفنون

“المحب ليس لديه وازع”

 

بطل رواية (سماهاني) للكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن، لم يكن بطلًا أسطوريًا، أو يحتمل معنى البطولة بمفهومه الجمعي لا اللغوي. هو ليس ثائرًا ولا متمردًا، إنه العبد المخصيّ منذ طفولته، خصاء عضويًا وصوتيًا، وقدِّر عليه أن يكون بجانب الأميرة التي اعتبرته رفيق طفولتها، ببراءة لم يُدنِّسها الذهن السلطوي بعد، وحين توفيت خادمتها، صار خادمها اللصيق الذي يشاركها حياتها كلّها، من الهواء الذي تتنفّسه حتى حمّامها، كيف لا وهو الذي لا لبسَ في كونه عاطلًا عن العمل الذكوري!

تنسج الرواية زمانها ومكانها على جدران العبودية في عصر السّادة، بتفاصيل دقيقة كل الدّقة نسبةً إلى السرد، وتتأرجح بين الخيال والواقع نسبةً للتاريخ، فهي المخلصة للدائرة التي اختارها الكاتب لتكون بؤرةً للحدث (القصر الملكي) المتخيّل، لتشتغل الأحداث متحركةً وثابتةً، باستسلام تام لهذه الحلقة، فتملؤها حتى بؤرة الحدث الذي يشكّل حدقة الرواية.

ما بين السلطان والرعيّة والنخاسة التي تبيع ذوي البشرة السوداء مخصيين لأصحابهم الجدد، ليقوموا بكل ما يريده سيّدهم دون أدنى تردد، بحكم العقوبات التي قد تصيبهم إن تمنّعوا، أو حتى إن كانوا مسالمين، لكن خاضعين لساديّة المالك.

ما بين الحب والحرية، ترتفع وتيرة الرواية، الحب الذي ينقصه اكتمال الجسد، وتفيض من الرغبة لتخلق فيه نشوةً تفوق اكتماله، الحريّة المنقوصة التي جاءت تحت مدافع أجنبي لا يعنيه الرقّ بقدر ما يعنيه استملاك أماكن الثروات والجمال، والتي تعتبر ثورة العبيد يدًا أخرى تساعده في خلق الجو المناسب، للسيطرة في ظلّ الفوضى والعبث، تلك الحريّة التي كانت ضياعًا في إحدى زواياها، حيث لا ملاذ لهؤلاء العبيد الطالعين من سقف الخدم إلى الفراغ، وحيث الثأر الذي راكمه الطغاة (السلاطين) في قلوبهم يتحوّل إلى حالات انتقام لا بشرية.

“ارتاحَ المسبيبون الأسرى من قول: سيّدي، فالحرّ سيّد نفسه. استراحوا من قول: نعم. فالحرّ لا يقول نعم إلا بإرادة أجنحته”.

عنوان الرواية (سماهاني)، وهي تعني باللغة السواحيلية (سامحني)، وقد وردت هذه الكلمة في الرواية ثلاث مرات: الأولى كانت على لسان الأميرة موجهة إلى سندس، والثانية على لسان الملقّب بـ (الكلب) الذي اغتصب الأميرة حتى موتها، كردة فعل على اغتصاب أمه التي كانت بمثل نقائها، والثالثة على لسان سندس الذي عاد للاطمئنان على الأميرة، ليجدها ميتةً وهي متكئة على صخرة بفعل الاغتصاب.

وعبر الرواية، تظهر شخصية الغجرية الراقصة (أوهورو) التي تفتن بعريها كل من يراها، وتوهم الرجال بأن هناك جنًا يسكنها، سينتهي بمن يلمسها إلى القبر، لذا فهي الوحيدة التي كانت المشتهى المستحيل، غير الخائفة من سطوة السلطان ورجاله، وهي التي استطاعت أن تجعل من كهفها ملاذًا للمتمردين والمشردين والمنكوبين والمسحوقين والمخصيين والعبيد.

إنها رمز للثورة الحقيقية، المرأة العصية على التدجين، والتي نشأت في أسرة متعددة الثقافات، استطاعت بذكائها الحاد أن تحمي نفسها ومن يدخل دارها من الموت: “علينا أن نصلح أمة.. شعبًا حرًّا طليقًا، كما كنّا منذ أن خلقنا الرب… وهذا طريقٌ طويلٌ، ولكن كل الطرق الطويلة تبدأ بالمشيئة، بالإصرار… وعندما تضع رجلك على الدرب، فقد وصلت”.

كما تناولت الرواية جانب الضلال الذي تمثله الشخصيات الروحية، وكيف أنها بالإجمال لم تكن إلا توطئة أخرى للساسة وأتباعهم، وكيف أن رجلًا حكيمًا أعمى استطاع أن ينقذ سندس والأميرة من هلوسة الخرافات التي عادةً ما تكون طريقةً للطاعة العمياء والاستسلام التام وتغييب العقل.

“لا يرجو الإنسان عدلًا من الكون، عليه أن يحقق العدل بنفسه، عليه أن يبحث عمّا يخصّه بنفسه، وعندما يجده، عليه أن يؤمن بما وجد، وأن يحقق إيمانه بالعمل دون تردد، فالحياة لا تنتظر”.

الجدير بالذكر أن عبد العزيز بركة روائي سوداني من مواليد مدينة (كسلا)، شرق السودان 1963، نشأ وترعرع في مدينة كسلا، وذكر البعض أنه عاش في مدينة خشم القربة بالقرب من مدينة القضارف، تفرد في حسه الراقي جدًا، في كتابة الروايات التي يظنها البعض أنها خادشة للحياء، لما فيها من مواقف جنسية؛ لذا تمت مصادرتها جميعها، حسب ما أصدر المجلس الاتحادي للمصنفات الأدبية والفنية في الخرطوم، وصدر له عدة مؤلفات منها: (ثلاثية البلاد الكبيرة)، وهي مكونة من “الطواحين، رماد الماء، زوج امرأة الرصاص”، و(على هامش الأرصفة) مجموعة قصصية، و(امرأة من كمبو كديس) مجموعة قصصية، والروايتان الرائعتان اللتان أصبحتا من العلامات الفارقة في تاريخ الرواية العربية: (الجنقو مسامير الأرض)، و(مسيح دارفور)، وغيرها.

عمل عبد العزيز بركة كاتبًا في كثير من الدوريات والمجلات والجرائد المحلية والعربية والعالمية، وهو عضو في نادي القصة السوداني، وعضو في اتحاد الكتاب السودانيين، شارك في بعض الفعاليات العربية والعالمية كـ مهرجان الجنادرية بالمملكة العربية السعودية، ومهرجان القصة القصيرة الثاني بعَمَّان، وورشة كتاب تحت الحرب ببروكسل، وفعالية الفنون بوابة للسياسة في فيينا- النمسا، وفيها قرر المعهد العالي الفني بمدينة سالفدن سالسبورج النمسا تدريسَ روايته (مخيلة الخندريس) للطلاب والطالبات، وقد ترجمت الدكتورة إشراقة مصطفى هذه الرواية إلى اللغة الألمانية، وقام بنشرها المركز الأفريقي الآسيوي بفيينا عام 2011، وحصل على جائزة (الطيب صالح) للرواية، على روايته (الجنقو مسامير الأرض)، عام 2009.

مقالات ذات صلة

إغلاق