هموم ثقافية

عبادة النص أم الفكرة؟

 

هل النص المسرحي كائن مستقل بذاته، يمكن الركون إليه والاعتماد على ما جاء فيه حرفيًا! قد يكون هذا صحيحًا في حالة واحدة فقط، إذا كان النص “مقدسًا“، وما من نص مقدس، أو إذا كانت القراءة محض مطالعة. لكن الأمر مختلف تمامًا لدى المخرج المسرحي وفريق عمله، فما إن يتحول هذا النص إلى مشروع عرض، حتى تتحول مطالعته العابرة إلى هاجس وعملية خلق جديدة له. لذلك، يبدأ البحث عنه ومعرفة الظروف التي أحاطت به (كاتبه، مكانه وزمانه، هويته وأسلوبه). وبما أن الفن المسرحي عمل ثقافي معرفي، فمعرفة النص لا يمكن أن تحدث من خلال مطالعته فقط.

القارئ العادي للنص “قارئ عابر”، ما إن ينتهي منه حتى يركنه جانبًا، دون تبعات، سواء أعجبه أم لا! أما المخرج فيقرؤه باعتباره مشروعًا فنيًا وفكريًا جديدًا، يجب أن يفهمه ويفككه، ثم يعيد تركيبه في هيئة جديدة أيضًا، ولذلك، تجب إعادة خلقه أمام المشاهدين. ثم إن للنص الدرامي خصائص فنية وأدبية معروفة، كالحكاية والحبكة وبناء الحدث والشخصيات والصراع والحوار واللغة… وإذا كانت اللغة هي أساس النص الأدبي؛ فالفعل هو أساس التمثيل (العرض)، وإذا كانت الشخصيات ترتدي الكلمات في الوصف والسرد الأدبي؛ فهي في العرض المسرحي تقف عارية أمامنا فوق الخشبة. كما أن الممثل يستطيع أن يعبّر عن الغضب أو الحب أو الازدراء بإشارة صغيرة (سمة)، قد تكون حركة أو صوتًا أو ضوءًا، عوضًا عن الجُمل، طويلة كانت أو قصيرة…! فهل يتبنى المخرج جميع هذه الخصائص الأدبية، ويكون مخلصًا لها؟ وهل يستطيع ذلك أصلًا؟ ألا تشكّل طبيعة العرض بحد ذاتها إضافة للنص (حياة)؟ ألا يتحدث بلغة مختلفة؟ أليس من واجب المخرج فعل ذلك، وهو ينقل المكتوب على الورق، إلى مرئي على الخشبة؟

لا يستطيع المخرج أن يكون حياديًا إزاء النص، وإذا تبناه كمشروع عرض؛ فلا يمكنه، في كل الأحوال، أن يكون أمينًا له، بل سيكون “خائنًا ومحرّفًا”، بالمعنيين المهني والإبداعي. لذلك، يجب عليه أولًا، معرفة النص، ويمكن اختصار هذه المعرفة في ثلاث دوائر أساسية مترابطة، هي: دائرة كبرى عامة، نتعرف من خلالها على عصر الكاتب وبلده، والحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية السائدة فيه، ودائرة وسطى هي الكاتب نفسه: من هو، كيف عاش/ يعيش، ما آراؤه، فلسفته، طريقة تفكيره، منهجه الفني… كما يجب على المخرج أن يقرأ مؤلفات الكاتب الأخرى ويلمّ بتاريخه الإبداعي… إلخ، ودائرة صغرى هي متن النص الذي ينوي المخرج تحويله إلى عرض مسرحي، وهي الدائرة الأهم بالتأكيد.

مرت سنوات كثيرة، بقي فيها المخرج أسيرًا للنص، أو مؤتمنًا عليه، أو -بتعبير آخر- ظِلّ الكاتب على الخشبة. وكانت مهمته الأساس، التنفيذ الحرفي لما ورد في النص. وقد انسحب ذلك –طبعًا- على عناصر العرض كلها (تنفيذ حرفي للديكور “المكان” والتمثيل والملابس والمكياج والإضاءة…)، وكان الهدف هو عكس ومطابقة الواقع، وخلْق أكبر قدر ممكن من “الصدقية” في ذهن المشاهد، لخلق أكبر تأثير ممكن فيه. فالشجرة يجب أن تبدو شجرة حقيقية، والغرفة يجب أن تكون كاملة وحقيقية، بحجمها وأثاثها ونوافذها وستائرها –تمامًا- كما وصفها الكاتب.

لكن رياح الحداثة التي بدأت تهب في ثلاثينيات القرن الماضي، عبثت أخيرًا بتلك الستائر الفخمة الأنيقة، وجردت تلك الشجرة من أوراقها، محولة المخرج، ومن معه، من مجرد مفسر ومنفذ للنص، إلى مؤلف جديد له، وصاحب رؤية مستقلة عنه، يملك حق الحذف والإضافة والتعديل والمعالجة، بما يتناسب مع مشروعه الفني والفكري: (الدراماتورغية).

لم يحدث هذا التغيير فجأة –طبعًا- بل احتاج إلى أجيال من المسرحيين لتحقيق ذلك، حيث بدأ المسرح يقترب أكثر فأكثر من “شرطية” ميرخولد، و”إيحائية” جان فيلار، و”تعبيرية” بسكاتور، و”تجريبية” كوبو، وغروتوفسكي، و”ملحمية” بريخت، وغيرهم الكثير من المخرجين والكتاب والمفكرين الذين رفدوا الحركة المسرحية الحديثة بتيارات جديدة مختلفة ومتنوعة، متأثرين بالسينما والصورة، والتشكيل، والمدارس الفنية والفلسفية الحديثة، كالرمزية والتعبيرية والعبثية والبنيوية والتفكيكية… حتى بتنا نشاهد عروضًا تخلو تقريبًا من الكلام، ولا أقصد بذلك المسرح الصامت “بانتوميم“، بل المسرح العبثي “بكيت” الذي بات فيه الحوار إشكاليًا، والمسرح التجريبي الذي اعتمد على استبطان اللغة بالأفعال والمشهدية وطبيعة المشاعر الدفينة، محولة مركز الثقل في العرض المسرحي، من الأذن “الإذاعة” إلى العين “البصر والبصيرة“.

وهذا كله أمرٌ بدهي، ففنّ الكتابة ينتهي عندما يضع الكاتب آخر نقطة في نصه، لتبدأ عملية أخرى، مختلفة تمامًا (في شكلها وطبيعتها وجوهرها وعناصرها وشروط تقديمها)، يقودها مبدع آخر، هو المخرج الذي يتحول النص بين يديه إلى محض فكرة وفضاء مفتوح يحلق فيه. فالنص المسرحي –كما هو معروف- مزدوج الحضور (أدب/ مسرح)، والمسرحية تكتب كي تعرض، لذلك، كان من الطبيعي أن تعود الخشبة إلى أصحابها، بعد أن سرقها الأدب قرونًا طويلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق