تحقيقات وتقارير سياسية

قمة أنقرة.. مهمات إقليمية ودولية

 

القمة التي جمعت قادة تركيا وروسيا وإيران، في العاصمة التركية أنقرة، تأتي بعد أن استكمل الأسد وداعموه المجتمعون في أنقرة، عمليةَ تخفيض الوجود البشري والحضري للسوريين في مدنهم وقراهم، فغداة مشهد تدمير الغوطة وتهجير أهلها، وهي المشمولة بـ “خفض التصعيد” مع بقية المناطق الأربعة التي شهدت بدورها حملة إبادة منظمة، قبل أسابيع وأشهر قليلة؛ تدفع التوقعات من خلف هذه القمة إلى أن هناك مخططات قادمة متفق عليها بين القادة المجتمعين، حسب البيان الختامي الذي أكد “أن الدول الثلاث تسعى لتسريع ضمان الهدوء، والتأكيد على عدم وجود خيار عسكري يحسم النزاع”.

موسكو وطهران أبرز الغارقين في الدم السوري، والمنخرطين في العدوان المباشر على الشعب السوري، مع الضامن التركي الباحث عن مصالحه في “محاربة الإرهاب الانفصالي”، نسفوا منذ سبعة أعوام الحلَّ السياسي، فلماذا يعود الحديث اليوم عن الحلول السلمية، بعد أن استكمل الأسد مهماته التدميرية، واستكمل المجتمع الدولي غض الطرف عن جرائم مجرم العصر؟

الجواب معروف لمعظم السوريين، الذين خبروا تلقي براميل وصواريخ النظام، ومرّت على أجسادهم مجازر متكررة، يعرف المجتمع الدولي والمتحدثون “الضامنون لسلام وهدوء سورية”، أن الدعوات هي ليحظى النظام بالتقاط الأنفاس، لمعاودة جريمة أعادها آلاف المرات، على مرأى ومسمع العالم كله، كلّ المبعوثين الدوليين والعرب، محايدين ومنحازين، أكدوا أن بنية النظام القائمة لا يمكن أن يكون طريقها سلمي.

يتضمن البيان الختامي لقمة أنقرة أن الدول الثلاث: روسيا وإيران وتركيا “واثقة من عدم وجود حل عسكري للنزاع في سورية، وأن الحلّ ممكن فقط، من خلال عملية سياسية”، مؤكدًا رفض الرؤساء الثلاثة لـ “كل المحاولات الرامية لخلق واقع ميداني جديد في سورية، تحت ستار مكافحة الإرهاب”.

الواقع الميداني الجديد الذي تحذر منه قمة أنقرة، وقع بالفعل منذ زمن، بفضل عمليات المحتلين أنفسهم، ويقع أثناء انعقاد القمة بتنفيذ وتوقيع مندوبي الاحتلال، أما الحديث عن وحدة “التراب السوري”، فهو من أكثر العبارات والمطالب فظاعة، لما توحي به عن مطالب عودة السوريين موحدين تحت حكم الأسد الطاغية، أو مواجهة النفي والتهجير والتدمير والقتل، وهو ما تحقق خلال سبعة أعوام، بينما نقيض البيانات الدولية والإقليمية يخدم الوقائع المجسدة على الأرض، ومنها أن الدول الثلاث المسماة ضامنة لخفض التصعيد، تدعو -لفظًا- إلى حماية المدنيين السوريين، وتخشى على وحدة التراب السوري، وتعمل على تبني عملية سياسية، هي بواقع الأمر تضمن استمرار وجود السفاح في دمشق، وتضمن قواتها الموجودة على الأرض، خفض عدد الأرواح السورية المتشبثة في أرضها، إما بزهقها أو بتهجيرها وتدمير ممتلكاتها، وهو ما تحقق منذ نسخ أستانا وجنيف والاجتماعات الدولية والاتصالات بالشأن السوري. ولم تطرأ تطورات كبيرة على صعيد خفض التصعيد، أو تنفيذ بند واحد من كل البنود التي ينادي بها المجتمع الدولي أو نفاق ضامني اتفاقات أخرى، باستثناء ما هو متوقع من متابعة النظام لجرائمه.

إلى متى ستبقى قوى الاحتلال المختلفة في سورية أسيرةَ الوهم، بأنها تستطيع الاستمرار في خداع الشعب السوري، وإلى متى سيتجاهل المجتمع الدولي جرائم النظام وداعميه المحتلين، لا بل، إلى متى سيظل يطالب السوريون المجتمعَ الدولي بمعاقبة السفاح؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير هي محور نقاشات ستبقى قائمة بين جموع السوريين في الداخل والخارج.

يتضح اليوم أن معظم التغييرات التي طرأت على العالم العربي، بعد الثورة السورية تحديدًا، هي جملة من التحالفات والتحالفات المضادة، وافتعال الأزمات، وقيادة الثورات المضادة، جُلها تستهدف منع التغيير والحل السياسي الذي يتشدق به قتلة ومحتلون، يجتمعون تارة في أنقرة وموسكو وطهران، وفي عواصم قريبة وبعيدة، يطلقون عليها مهمات إقليمية ودولية، لكن المستهدف فيها هو الشعب السوري مرعب المهمات كلها.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق