قضايا المجتمع

مأساة النزوح الداخلي وخارطة المخيمات في سورية

 

تصدرت سورية قائمة البلدان التي تشهد نزوحًا داخليًا، مع وصول عدد اللاجئين والنازحين إلى 13 مليون شخص. وكان الجزء الأكبر من الاهتمام الدولي يركز على الملايين من الناس الذين خاطروا بحياتهم من أجل اللجوء إلى أوروبا، ومع ذلك، فإن الدول المجاورة حدّت بشكل كبير تدفق اللاجئين إليها، أو أغلقت حدودها كاملة في وجههم. ونتيجة لذلك، فإن مئات الآلاف من النازحين المحاصرين داخل البلاد، أو الموجودين في مخيمات حدودية، يعيشون ظروفًا إنسانية سيئة. وينتقل النازحون داخليًا، في كثير من الأحيان، عدة مرات أثناء نزوحهم، وتخلق هذه الأنماط المتنوعة والديناميكية تحديات كبيرة أمام متابعة تحركاتهم، ونتيجة لذلك أيضًا، تستند الأرقام حول أعـداد النازحين إلى تقديرات تصل إلى 8 ملايين نازح داخلي.

النازحون في المناطق الشمالية الغربية

تتوزع المخيمات في ريف إدلب، في مخيمات مثل مخيمات طريق الدانا – أطمة (مخيمات قاح) شمالي محافظة إدلب. وهي عبارة عن مجموعة كبيرة جدًا من المخيمات والتجمعات التي يقطن فيها النازحون داخليًا. وتقع على الطريق الواصل بين منطقتي الدانا وأطمة شمال محافظة حلب، حيث يتموضع على حافتي الطريق ما يقارب 64 مخيمًا، ويبلغ عدد النازحين فيها أكثر من 68 ألف نازح، معظمهم من نازحي ريف حماة الشمالي وريف إدلب الشمالي والجنوبي وجبل الزاوية وخان شيخون. وفي مخيمات أطمة يبلغ عدد المخيمات 23 مخيمًا، منها (الجزيرة والعربية وأورينت والزهور وأبو الليث والزيتون والمهاجرين والوسيم والإحسان والفداء والبيان والخليل).

وهناك تجمّع مخيمات جبل الزاوية، قرب معسكر الحامدية الواقع غرب معرّة النعمان – جنوب قرية كفرومة، أهمها مخيم الفاروق ومخيم سرجيل، حيث يقع المخيم في منطقة سرجيلا الأثرية الواقعة شرق قرية البارة ومخيم الخربة، وهو عبارة عن عدد من الخيم وبعض البيوت المبنية من الطين، وبعض البيوت الأخرى المصنوعة من (البلوك)، وبعض النازحين يعيشون ضمن الغرف الأثرية نفسها. أما نازحو بلدة كنصفرة، فهم يعيشون في الكهوف المنتشرة في البلدة، ومعظم النازحون الموجودون في كنصفرة من مناطق مختلفة مثل خان شيخون والمعرّة، والعديد من المناطق الأخرى مثل حلب وحماة وحمص.

وقد أدى تصعيد المعارك وفشل مناطق “خفض التصعيد” إلى ازدياد كبير في عدد النازحين في المنطقة الشمالية الغربية، حيث أعلنت الأمم المتحدة أن تصعيد المعارك في شمال غرب سورية أدى إلى نزوح جديد لأكثر من مئتي ألف شخص. ويعيش النازحون في وطنهم أوضاعًا تشبه العقاب الجماعي، فالطعام شحيح، والخدمات الطبية شبه معدومة. وقد أكدت (هيومن رايتس ووتش) أن قوات الجيش التركي تقوم بإطلاق النار على المدنيين النازحين الذين يتوجهون إلى الحدود التركية، كما أنهم يتعرضون للتعذيب من قبل قوات حرس الحدود التركية، بهدف إجبارهم على العودة إلى سورية.

النزوح من عفرين

نزح نحو 200 ألف شخص من منطقة عفرين، هربًا من المعارك بين القوات التي تقودها تركيا والفصائل الكردية المسلحة التي تسيطر على المنطقة. ومن منطقة عفرين الشمالية، نزح ما يقدر بنحو 104 آلاف شخص من ديارهم، بسبب التصعيد الأخير في القتال من قبل تركيا. وهناك نحو 75 ألف لاجئ في تل رفعت، في حين سعى 29 ألف آخرون إلى الأمان، في نبّل والزهراء والقرى المحيطة في ريف حلب الشمالي.

النزوح من الغوطة الشرقية وحي القدم في جنوب سورية إلى الشمال

غادر في آذار 2018 مئات المدنيين والمقاتلين مدينة حرستا وسقبا وبلدات زملكا وعربين وعين ترما وجوبر في الغوطة الشرقية، إلى إدلب، في هجرة قسرية بمقتضى اتفاق “بضمانة” روسيا. وقالت المصادر إن نحو 15،000 شخص -بينهم مقاتلون- خرجوا على متن مئات الحافلات انطلقت نحو محافظة إدلب. ومن المتوقع أن يتم تهجير 25،000 شخص من دوما إلى جرابلس على الحدود التركية. كما نزح من حي القدم جنوب العاصمة دمشق نحو 2000 شخص من المعارضة وأهاليهم ضمن اتفاق بين الطرفين باتجاه مناطق الشمال السوري.

ويأتي تهجير أهالي القدم والغوطة، في إطار سياسة (التهجير) التي يتبعها النظام، عبر سياسة تجويع السكان من خلال الحصار، ومن ثم فرض تسويات تنتهي بتهجير الرافضين، وتجنيد الشبان، ومن أبرز المناطق التي هجّر النظام أهلها (حلب، وحمص، وداريا، والزبداني والغوطة) وكل هؤلاء النازحين يتوجهون إلى إدلب ومناطق الشمال الشرقي لسورية.

النازحون من الشمال الغربي

لا يزال العديد من النازحين السوريين من الرقة والمناطق المحيطة بها، يعيشون ظروفًا مزرية بعيدًا عن منازلهم في مراكز إيواء مؤقتة، وقد نزحوا مرات عديدة، وقاسوا مرارة النزوح والحرمان والبؤس. وقد نزح الآلاف إلى مخيمات العريشة ومبروكة وعين عيسى والهول والسد. وافتتح مخيم في منطقة (أبو خشب) يقطن فيه مئات العائلات من مدن البوكمال، والميادين، والرقة. وأشارت إدارة المخيم إلى أن المنظمات الإنسانية تتقاعس عن تقديم الدعم لهم، في ظل ما يعانيه المخيم من نقص في المقومات والخيم، المشكلة التي تجعل النازحين يمضون أوقاتهم، في بناء جدران تحميهم من المطر والهواء.

كما افتتح مخيم الكرامة جنوب غرب مدينة الحسكة، بعد اشتداد المعارك في محيط مدينة الرقة وممارسة مرتزقة (داعش) البطش والإرهاب بحق المدنيين. ويستقر حاليًا في المخيم نحو 10 آلاف نازح. وفي مخيم روج ومخيم نوروز، يعيش النازحون وسط ظروف معيشية صعبة وغير إنسانية.

وقد دشن ناشطون حملة تحت وسم #مخيمات_الموت”، بهدف إيصال معاناة النازحين في المخيمات الخاضعة لسيطرة (قوات سورية الديمقراطية). وأكد الناطق الرسمي باسم “المجلس الأعلى للعشائر والقبائل السورية”، أن الحملة معنية بتسليط الضوء على معاناة سكان مخيمات ريف الحسكة، منها (الهول، والسد، ورجم الصليبي، وأبو خشب، ومبروكة، والمالكية)، مبينًا أن “جميعها مخيمات عشوائية تفتقر لأدنى مقومات الحياة”.

النازحون في جنوب سورية

في ريف حوران الغربي الآلاف من النازحين، وبخاصة في نوى وتسيل. ويتوزع النازحون على عدة مناطق أكبرها معسكر الطلائع في زيزون، وإحدى المدارس بتل شهاب، إضافة إلى الغرف الموجودة في المشاتل الزراعية وبعض الخشش القديمة، وعدد آخر لا يزالون ضيوف في بيوت أهالي تل شهاب والقرى المجاورة.

وفي ريف درعا، تتزايد كل يوم أعداد النازحين حيث العائلات النازحة ما زالت تسكن في معسكرات النزوح والمخيمات العشوائية، الموزعة في عدد من مناطق الجنوب السوري، لا سيما في معسكر الطلائع في زيزون، وفي بعض المناطق الحدودية مع الأردن، وذلك في خيم ومساكن تفتقر إلى أبسط مقومات السكن الإنساني.

ويتجمّع مهجرون من مناطق مختلفة من سورية في ريف محافظة القنيطرة، في خيم مهترئة وقديمة، وقد اتخذ اللاجئون مناطق قريبة من الشريط الشائك مع الجولان المحتل مكانًا لمخيماتهم، لعدم وصول القصف إلى تلك المناطق.

مخيم الركبان

في جنوب سورية، حيث أغلقت الأردن الحدود مع سورية، يعيش نحو 75 ألف نازح في مخيم الركبان الذي تم إنشاؤه في المنطقة الحدودية من الجهة السورية للنازحين السوريين على طول 7 (كم) بين سورية والأردن. ويعيش النازحون معاناة مريرة، منذ أعوام عدة، جراء ما تعانيه المخيم من إهمال ونقص في المساعدات في بقعة صحراوية تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، أجبرتهم الحروب والقصف والموت الذي لاحقهم في مناطق عدة على اللجوء إلى هذه المنطقة، لتكون الملاذ الأخير لهم بعد أن أغلقت في وجههم الحدود. وقالت منظمة (هيومن رايتس ووتش): إن آلاف السوريين يعيشون مهملين في الصحراء، لرفض بلد تلو الآخر تحمل مسؤولية سلامتهم، حيث يعيشون في خيام متنقلة وأكواخ طينية في ظروف سيئة.

النازحون في مناطق النظام

يتمركز العدد الأكبر للنازحين في أربع محافظات رئيسة، هي دمشق واللاذقية وطرطوس والسويداء، وتستقبل الأرياف النسبة الأكبر من النازحين. وقد تصدرت قائمة النزوح منطقة ريف دمشق، حيث تجاوز عدد النازحين عتبة 2.5 مليون نسمة، معظمهم من أحياء العاصمة الجنوبية التي كان لها النسبة الأعلى في النزوح، بسبب الدمار الواسع الذي طال تلك الأحياء، ومن مدينة داريا والغوطة الشرقية، في كل من دوما وحرستا وجوبر والقابون وبرزة على نحو خاص(قبل أن يُفرض عليهم نزوح جديد)، والتي تعتبر مناطق شبه خالية نتيجة محاصرتها من قبل قوات النظام واستهدافها بشكل مباشر.

بلغ عدد مراكز الإيواء الجماعية نحو 3450 مركزًا، معظمها مدارس ومستودعات ومبان بلدية. في مراكز الإيواء تعطى كل عائلة مهجرة غرفة واحدة، مع وجود حمام ومطبخ مشترك لجميع العائلات، وتنتج مشكلات كثيرة من السكن المشترك تراوح بين مشاكل الأطفال النفسية إلى التحرش الجنسي بالنساء.

النازحون من الغوطة في مناطق النظام

أعلنت الأمم المتحدة عن نزوح جماعي لنحو 150 ألف مدني، من الغوطة الشرقية، بسبب المعارك الجارية فيها، إلى مراكز إيواء بريف دمشق. ووصف ممثل الأمم المتحدة في سورية علي الزعتري أوضاع مراكز الإيواء “بالمأساوية.” وأوضح أن المراكز “غير مهيأة لاستقبال المدنيين”، وشدد على وجوب “معالجة هذه الأزمة بطريقة مختلفة”.

وتوزع النازحون على مراكز إيواء في حرجلة والدوير وعدرا والنشابية، ويقول أحد الصحافيين: “إن الدخول إلى أحد تلك المراكز يحتاج إلى عدد كبير من الموافقات من هنا وهناك، وعادة ما يكون دخول الإعلام إلى تلك النقاط مبرمجًا ومرافِقًا للزيارات التفقدية للمسؤولين، لتبقى أسرار تلك النقاط بعيدة عن عيون الإعلام”.

الأوضاع الاجتماعية للنازحين

النازحون داخليًا هم غالبًا بين المجموعات الأكثر ضعفًا، والتي هي بأمس الحاجة إلى الحماية والمساعدة، ففي أغلب الحالات يفتقر هؤلاء إلى المأوى ويتوزعون بمخيمات كبيرة ومزدحمة ما يشكل تهديدًا لهم على الصعيد الصحي، حيث تنتشر الأمراض بشكل سريع، إضافة إلى النقص الغذائي الذي يتعرضون له، والنقص الحاد في مستلزمات الحياة الأساسية من ملبس ومأكل وسكن لائق وتعليم وطبابة.

إلى ذلك 82 في المئة من أماكن تجمّع النازحين تعتمد كليًا على المساعدات الإنسانية، لتلبية حاجاتها الأساسية من مياه، فيما 85 في المئة من سكانها غير قادرين على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية الشهرية، من دون مساعدة. حيث يعاني سكان المخيمات حالة من البطالة طويلة الأمد، نتيجة انعدام فرص العمل وعدم امتلاكهم المال.

العدد الأكبر من المخيمات ومراكز الإيواء لا تشرف عليه أيّ منظمة إنسانية رسمية، بل يُدار محليًا، وفقًا للولاءات القبلية أو التبعية للفصائل المعارضة المسيطرة في المنطقة أو للنظام في مناطق سيطرته. وغالبًا ما تتدخل الجهة المسيطرة على منطقة المخيم، لفرض إدارات محددة موالية لها، وهو ما يتسبب في مشكلات اجتماعية كثيرة داخل المخيم، ولا سيّما عدم التكيّف. وهذا الأمر يدفع آلاف العائلات إلى التنقل بين مخيم وآخر، بحكم التجمعات المناطقية والعشائرية والولاءات والقوانين غير المعلنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق