أدب وفنون

كاصد محمد: الترجمة تعري النص من جمالياته وتفضح عوراته

 

يُعرف الشاعر والمترجم العراقي كاصد محمد، كواحدٍ من أبرز الأدباء العرب الشباب المشتغلين في حقل الترجمة من اللغة العربية إلى الإيطالية وبالعكس، وقد صدر له مؤخرًا الترجمة العربية لرواية (شيخوخة) للكاتب الإيطالي إيتالو زڤيڤو، ورواية (الشيطان فوق التلال)، وهي الرواية الثانية من ثلاثية (الصيف الجميل) للشاعر والكاتب تشيزرِه ﭘـاڤـيزِه. كما سيصدر له خلال أيام ترجمته الإيطالية لمجموعة الشاعر السوري نوري الجراح الموسومة بـ (قارب إلى لسبوس).

في هذا الحوار مع (جيرون) يتحدث صاحب (الحياة ليست مقبرة جماعية)، عن اشتغاله على نقل روائعَ من الأدب الإيطالي إلى العربية، ونقله الشعر السوري إلى الإيطالية، كما دار الحديث حول تجربته في نظم الشعر باللغتين العربية والإيطالية.

 

– نبدأ حوارنا معك من حيث انتهيت مؤخرًا، من ترجمتك لرائعة الكاتب الإيطالي إيتالو زڤيڤو الموسومة بـ (شيخوخة)، والتي صدرت حديثًا عن دار ورق للنشر في دبي. ما الذي استفزك لترجمة هذه الرواية؟

= كل روايات زڤـيڤـو، على قلتها، تستفز القارئ. تفاصيلها الدقيقة مثيرة للغاية؛ إذ يستند الكاتب في رواياته إلى التحليل النفسي ويغوص في أعماق النفس الإنسانية. لا يتوانى أبدًا عن فضح النفس وصراعاتها الداخلية، من انكسارات وهزائم وتصورات غريبة وشعور بالذنب وتأنيب للضمير. من عادتنا نحن -البشر- أن نخبئ هذه الصراعات في أعماقنا، أما هو فيفضحها نيابةً عنا. لا أظن أن ثمة ما يستفز أكثر من هذا.

– ماذا عن جديدك في حقل الترجمة؟

= ستصدر، قريبًا، عن منشورات المتوسط، رواية أليساندرو باريكو (المدينة). وأنهيت، للتو، ترجمة (الشيطان فوق التلال)، وهي الرواية الثانية من ثلاثية (الصيف الجميل) للشاعر والكاتب تشيزرِه ﭘـاڤـيزِه. أما من العربية إلى الإيطالية فستصدر، قريبًا جدًا، ترجمتي لمجموعة الشاعر السوري نوري الجراح (قارب إلى لسبوس) الصادرة بالعربية عن منشورات المتوسط- ميلانو 2016، عن دار نشر (لاركولايو) الإيطالية.

– ما هي عدة المترجم برأيك؟

= قد يبدو بدهيًا القول إن أول عُدد المترجم هي معرفة اللغتين. ولأن ليس كل من يعرف لغتين أو أكثر يمكن له أن يعمل في حقل الترجمة؛ لذا فالمعرفة تعني إحاطة واسعة باللغتين، وقدرة على خلق نص متجانس وسلس، بصياغة لغوية حسنة. ويكون عبر صراع مرير مع اللغتين، بالذات اللغة المُترجم إليها، وبحث في القواميس والمعاجم والمراجع. الصبر والتحمل والتأني هي –أيضًا- من عُدد المترجم، وأهم ما يحتاج إليه هو المعرفة الواسعة للثقافتين. فاللغة ليست كلمات مجردة وجامدة، بل هي النبض الحي للثقافة، هي روح يجب أن تستشعرها، لكي تستطيع نقلها بحلة جديدة. ودائمًا ما تشتمل الكلمات على تفاصيل صغيرة ذات معانٍ ثقافية، تعبّر عن العادات والتقاليد، وتحمل بين طياتها عوالم شاسعة. يجب إدراك ذلك جيدًا، ومعرفته بعمق، حتى يكون بالمستطاع نقله إلى لغة أخرى.

اللغة روح الثقافة..

– أنت شاعر ومترجم، ترجمت للعديد من الشعراء الأجانب، ماذا أضاف إليك الانفتاح على ترجمة الشعر؟

= تجاربي متواضعة في ترجمة الشعر العربي إلى الإيطالية. وقد تولد ذلك من رغبتي في نقل المآسي اليومية في العالم العربي، والتي يعنى بها الأدب في مختلف أشكاله، الشعر في مقدمتها؛ ثم رغبة في نقل شيء من ثقافتي إلى الثقافة الإيطالية.

الترجمة في كل أصنافها، من أي لغة كانت، أفادتني كثيرًا، والشعر بنحو خاص. فالترجمة تعري النص من جمالياته اللغوية، وتفضح عوراته كلها. تبين لك إن كانت هناك كلمات فائضة، أو صور مبنية على البلاغة فقط، لذا تراها عارية خالية المعنى. أنا نفسي عادة ما أكتب نصوصي باللغتين، أو أكتبها بلغة وأقرؤها، بيني وبين نفسي، باللغة الأخرى. لقد ساعدني هذا كثيرًا، وعلمني استخدام الكلمات.

– هناك من النقاد من لا يرى حيادًا تامًا للذات الشاعرة في ترجمة الشعر، وتوجيه بوصلة النص المترجَم، ما رأيك؟

= هذا موضوع معقد بعض الشيء. كما قلت، اللغة هي روح الثقافة، وروح الكاتب أيضًا، باعتباره جزءًا من الثقافة. فالشاعر يترك بصمات روحه في نصوصه، وكلما برع أكثر تميزت تلك البصمات عن غيرها؛ لذا عادة ما يرى النقاد شيئًا من روح الشاعر في ترجمته أيضًا. فهل هذا يعني أن الشاعر توهم، ووجه بوصلة النص الأصلي؟ أم أن النقاد توهموا، واختلطت عليهم الأوراق، فرأوا في بعض استخدامات الشاعر تعبيرًا عن بصمة روحه في النص المترجم؟ طبعًا هذا يعتمد أولًا على مدى أمانة المترجم في النقل. مع ذلك، فمن الصعب على المترجم ألا يترك شيئًا من بصمته على النص، باعتبار النص المترجم وليد خليط معقد، هو فكر ولغة وأسلوب الكاتب الأصلي والمترجِم، لكن هذا لا يعني البتة توجيه بوصلة النص. وهل الترجمة سوى وليدة هذا الخليط؟ فالمترجم إنسان، لا آلة.

– أتوقف معك عند مجموعتك الشعرية الأولى باللغة الإيطالية (الحياة ليست مقبرة جماعية)، الصادرة في 2017 عن دار نشر (لاركولايو). حدثنا عن الثيمات الرئيسية التي تُكون الديوان؟

= حقيقة، هذه هي تجربتي الأولى في النشر، وقد لاقت، حتى الآن، إعجاب شريحة لا بأس بها من الشعراء والقراء الإيطاليين، ما فاق تصوري.

تنقسم المجموعة إلى أربعة أجزاء، لكل جزء موضوع معين. تناول الجزء الأول قضايا العراق، والأحداث المأسوية ما بعد 2003. في حين يتركز الجزء الثاني على قضايا الهجرة ومعاناة المهجر. في الجزأين الثالث والرابع أتناول أمورًا خاصة أو حياتية، كالصراعات الداخلية والمشاعر، وتصورات وأفكار عن الحياة والموت.

– أسألك عن اختلاف نظم الشعر العربي عن الإيطالية؟ وكيف تفسر لنا قولك: إن “القصيدة النثرية موحدة بشكل أو بآخر في مختلف ثقافات العالم”؟

= أشير في ذلك إلى الشكل الخارجي للقصيدة. ذات يوم كان الشكل محكومًا بموسيقى حسابية، أي الوزن، وكذلك بالقافية، أما الآن فالموسيقى داخلية، وليس هناك علامات مرئية تميزها. هذا شيء يوحد القصيدة النثرية في العالم. تبقى الاختلافات تتناول المضمون، والتباين الثقافي والحضاري. الانفتاح الواسع -بفضل الإنترنت- أذاب الكثير من الفواصل. انظر، مثلًا، إلى الهايكو، أصل الشعر هو اليابان، لكنه منتشر اليوم في كل أرجاء العالم، بشكل موحد، بنحو ما، وقد قامت كل لغة باحتوائه حسب موسيقاها الخاصة. بفضل هذا الانفتاح أيضًا، وبفعل ضرورات مر بها العالم العربي، أصبحت القصيدة العربية اليوم أكثر عالمية من ذي قبل. كانت الأغراض الشعرية، فيما مضى، تحد من أفق القصيدة، فإذا ما ترجمتها وجدتها هزيلة جدًا. أما اليوم فالشعر العربي غالبًا ما يعالج قضايا إنسانية، وهذا تمامًا ما يضعه في مصاف العالمية.

لماذا نسينا أشرف فياض؟

– أتوقف معك عند ترجمتك لمجموعة الشاعر الفلسطيني أشرف فياض (التعليمات بالداخل) التي نقلتها إلى اللغة الإيطالية، ما الذي دفعك إلى ترجمة أشعاره؟ وكيف تعاطى الجمهور الإيطالي مع قضيته، التي غابت للأسف في الوطن العربي، ليبقى الشاعر وحيدًا في زنزانته بالسعودية؟

= أشعر بأسى كبير ومرارة شديدة، اليوم، أمام هذا الصمت الصارخ الذي يلف جميع المؤسسات الثقافية والإعلامية، والشخصيات الثقافية في العالم العربي، حيال قضية أشرف فياض. انتفض العالم، يوم حُكم عليه بالإعدام، ثم خيم الصمت بعد أن رُفع الحكم. وكأن ثمان سنوات وثمانمئة جلدة بحق إنسان لا ذنب له، سوى أنه حاول التمتع بشيء من الحرية، لا تقتل كرامته، ولا تقتل الشعور بالحرية في داخله. كانت الرغبة في تقديم يد العون والدفاع عن الحرية الشخصية هو أول ما دفعني إلى كتابة مقالة طويلة عن القضية، مع ترجمة لبعض القصائد والبحث في جذورها في القرآن. بل ترجم مترجمون إيطاليون بعض قصائده أيضًا. بعد ذلك قمت، مع الزميلة سناء درغموني، بترجمة الكتاب كاملًا، فكان تعاطف الإيطاليين كبيرًا ومفرحًا. وما زلت إلى اليوم أحمل معي مجموعة أشرف، حيث دُعيت في أرجاء إيطاليا. وقد تحدثت في القضية حين كنت حاضرًا في صالون (تورينو) للكتاب، معرض الكتاب الأكبر في إيطاليا. قبل أيام دعوني إلى روما لتقديم مجموعتي، وسأكون هناك في قادم الأيام، وستكون مجموعة أشرف معي أيضًا. أرجو ألا يبقى العالم العربي في غفلته هذه، فقضية أشرف تخصنا جميعًا، فقد يكون أي منا، ذات يوم، في مكانه.

– بالعودة معك إلى حقل الترجمة، سؤالي عن النص الأحب إليك من الأعمال التي ترجمتها في السنوات الأخيرة؟

= ما زالت قائمة الأعمال التي ترجمتها قصيرة، وليس لدي فرق كبير بين عمل وآخر. لم أترجم حتى الآن إلا الأعمال التي أحببتها. ربما (القرصان الأسود) بقي له طعم خاص، كونه عملي الأول.

– كيف تختار الأعمال الأدبية التي تقوم بتعريبها، ما هي المقاييس والدوافع؟

= أحيانًا، أنا من يختار العمل الأدبي، وأحيانًا أخرى يقترحه الناشر. المعيار الأساس هو انتشار وقبول العمل في لغته الأم، وحصوله على نقد جيد، وكذلك ترجمته إلى لغات أخرى. كل هذا يدل على جودة العمل. أحيانًا الجوائز –أيضًا- تلعب دورًا في الاختيار. على أي حال، أقرأ العمل، وأحاول تخمين مدى قبوله في العالم العربي.

– يقول المترجم السوري خالد الجبيلي: إن “المترجم كاتب ثانٍ للنص”، بينما يرى زملاء آخرون أن “على المترجم أن لا يظهر وأن يبقى في الظل”، فيما يقول المثل الإيطالي “المترجم خائن”، كيف توفق بين هذه الآراء وأين أنت منها؟

= العمل الأدبي المُترجم هو وليد جديد، ينشأ من التزاوج ما بين فكر وخيال الكاتب وفكر وخيال المترجم؛ لذا فهو يحمل بصمات كلا الأبوين: الكاتب والمترجم.

لا شك لديّ في أن المترجم كاتب، فهو شريك فعلي في كتابة النص الجديد. يعيش لحظات ولادة النص المُترجم خطوة فخطوة: الكلمات، الجمل، الأجواء والشخوص، يعيد تشكيل عالم النص من جديد. يفعل ذلك -تمامًا- كما فعله الكاتب من قبله. أما بقاء المترجم في الظل فأظنها مغالطة، لو كان آلة لأمكنه فعل ذلك. النص بأكمله يمر عبر فلتر المترجم: عبر خياله، فكره، عاطفته وأسلوبه، فكيف له ألا يترك شيئًا من روحه فيه؟ ثم لِمَ عليه البقاء في الظل؟ يبصر المترجم النور وهو موصوم بتهمة الخيانة، ويقضي حياته وهو يدافع عن دوره في الأدب، فأي هراء هذا؟ القراء ينعمون بمتعة القراءة بفضل المترجم، والكتّاب تُفتح أمامهم آفاق جديدة بفضله أيضًا، والنقاد تلمع أسماؤهم بفضل ما يوفر لهم من مادة يؤسسون عليها عملهم. كل هذا والمترجم إما مهمل أو خائن، أو عليه أن يبقى في الظل.

حاجة الترجمة إلى عمل جاد ومنهجي..

– حدثنا عن الصعوبات التي تواجه المترجم الأدبي والمعاناة التي يتكبدها في هذا الحقل.

= عمل الترجمة صعب وشاق فوق كل تصور. ولولا حب المترجم وشغفه بهذا العمل؛ لما تمكن من إتمام عمله كما ينبغي، لو كانت المسألة تتعلق بالمال فقط؛ لما وجد إلا قلة قليلة منهم. هناك صعاب كثيرة تواجه المترجم، أظن أن أكثرها تعقيدًا، اليوم، هو خلق توازن ما بين أسلوب الكاتب وأسلوب الترجمة. هذه إحدى الصعاب التي تواجه المترجم العربي على وجه الخصوص. اللغة الإيطالية، مثلًا، كغيرها من اللغات الأوروبية، لغة حيوية ومرنة، تتغير مع الزمن، وتستجيب للتحولات الثقافية والاجتماعية في البلد، وتنهل من اللهجات المحلية. ولأن الأدب مرآة الواقع، فكل هذه التغيرات تشكل جزءًا من الأعمال الأدبية. أما اللغة العربية فلا تستجيب لهذه التغيرات بالقدر ذاته، لذا فمحاولة المترجم التماشي مع أسلوب ولغة الأديب الإيطالي، تشكل إحدى الصعاب في عملية الترجمة، وتتطلب جهدًا مضاعفًا.

– يبقى الأدب طاغيًا على مجمل ما يُترجم من أعمال إلى اللغة العربية، فيما تغيب الأعمال ذات العلاقة بالسياسة والدين والفنون والعلوم، ما هي الأسباب برأيك؟

= أظن أن السبب هو إهمال المؤسسات المعنية. لا يسعنا أن نلوم دور النشر، فهي قبل كل شيء شركات عليها الاهتمام بمسألة الربح والفائدة، فلا تستطيع أن تنشر كتابًا علميًا لا يُقبل على شرائه إلا فئة قليلة. ذات يوم بلغ أجدادنا مستوى لا يبارى في العلم والمعرفة، في القرون الأولى للإسلام، وكان ذلك بفضل مدارس الترجمة التي فتحها واعتنى بها الخلفاء والأمراء بنحو مباشر. أما اليوم فلا أحد يرعى هذا النشاط، فتقتصر دور النشر العربية على ترجمة ما يعود عليها بالفائدة، وتغامر أحيانًا بترجمة بعض النصوص، حبًا للمعرفة.

– أخيرًا، كيف تُقيم ما أنجزته مشروعات الترجمة العربية، سواء في القاهرة أو بيروت أو أبو ظبي وغيرها، خلال السنوات الأخيرة؟ وبالتالي ما هو دور المؤسسات الثقافية العربية الرسمية ودور النشر الخاصة في غياب أي مشروع منهجي ومنظم يمكن له أن يمثل رديفًا ثقافيا متكاملًا؟

= كما قلت، فالفضل في انتشار الترجمة إلى العربية يعود إلى جهود خاصة، إما جهود المترجمين أو دور النشر، أو تعاون مشترك. في حين ليس هناك دور للمؤسسات في هذا الشأن. وضع جائزة للترجمة لا يعني إعطاء هذا المجال حقه أبدًا. نحن بحاجة إلى عمل جاد ومنهجي، ترصد له الأموال ويتعاون فيه المؤسسات ودور النشر والأفراد سويًا.

يُشار إلى أن كاصد محمد شاعر ومترجم عراقي، من مواليد مدينة بابل عام 1979، تخرج في جامعة بغداد في اللغة والأدب الإيطاليين في عام 2006، ثم حصل على الدكتوراه في الأدب المقارن، من جامعة “بولونيا” الإيطالية، في عام 2015.

يكتب وينشر باللغة الإيطالية، ونشر فيها العديد من القصص والقصائد والمقالات، ضمن أنطولوجيات مختلفة وفي مجلات إيطالية ورقية وإلكترونية. وقد حاز على المركز الثالث في مسابقة القصة الإيطالية (إل راكونتو نيل كاسيتو) عام 2012.

أنشأ برفقة كتاب وشعراء إيطاليين وغير إيطاليين مجلة (الآلة الحالمة) التي تعنى بترجمة ونشر الأدب العالمي في إيطاليا. ويعمل حاليًا أستاذًا للغة العربية لغير الناطقين بها، في جامعتي “بولونيا” و”مودنا”.

 

[av_gallery ids=’115272,115273,115274,115275,115276,115271′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق