تحقيقات وتقارير سياسية

المشهد في الرقة يمضي نحو التعقيد

 

شهدَت مدينة الرقة وريفها أحداثًا أمنية وعسكرية وسياسية، متزامنة ومتعددة الاتجاهات والدلالات، خلال الأيام القليلة الماضية. حيث شهدت مدينة تل أبيض، الإثنين 2 نيسان/ أبريل، وصول أربع عربات عسكرية “ترفع العلم الفرنسي”، وفي اليوم نفسه، شنّ الطيران التركي غارة على مستودعات أسلحة تابعة لميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية، في بلدة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي، حسب ما أفاد ناشطون محليون.

وإذ لا تُعرف الأعداد الحقيقية للعسكريين الفرنسيين على الأراضي السورية، تُشير الأرقام المعلنة للحكومة الفرنسية إلى أنهم 600 عسكري، وأن مهماتهم اقتصرت حتى الآن على العمل العسكري، ضمن التحالف الدولي في الحرب على تنظيم (داعش) ومطاردة فلوله، في مسعى لقتل أو اعتقال عناصر التنظيم من التابعية الفرنسية. إلا أن تطورات الأيام الأخيرة، ومنها استقبال الرئيس الفرنسي ممثلين للميليشيا الكردية في باريس، وظهور قوات يُرجح أنها فرنسية علنًا في تل أبيض، إضافة إلى تموضع هذه القوات في مناطق عين عيسى، ومحيط معمل (لافارج) الفرنسي لإنتاج الإسمنت، يوحي أن ثمة عاملًا اقتصاديًا إضافيًا لهذا التحرك، وأن وجود الفرنسيين في الرقة قد يطول، وقد يكون جزءًا من الكباش الدولي المباشر في شمال سورية، الذي يشمل تركيا والولايات المتحدة وروسيا وإيران وفرنسا.

في هذه الأثناء، تُلح الميليشيات الكردية على إدارات المدارس في منطقة تل أبيض، بإنهاء العام الدراسي الحالي قبل موعد انتهائه الرسمي، بغية تجهيز المدارس للسكن. ويُشير أحد معلمي مدارس المنطقة إلى أن طلب “الميليشيا الكردية الاستعجال بإنهاء العام الدراسي، يأتي ضمن خطة لإسكان نازحي عفرين الأكراد فيها”.

أما داخل مدينة الرقة، وفيما تستمر عودة الأهالي ببطء نظرًا إلى الظروف الأمنية السيئة، واستمرار عمليات السرقة والتعفيش المنظم، والغياب الكلي للخدمات وموارد العيش الأساسية، فقد تعددت الحوادث الأمنية التي تبدو حتى هذه اللحظة غير واضحة المعالم. حيث ألقى مجهول قنبلة يدوية على مجلس عزاء، الإثنين الماضي، قبل أن يلوذ بالفرار، ما أدى إلى إصابة ثلاثة أشخاص. ويوم الثلاثاء، تعرضت سيارة تابعة للواء ثوار الرقة لإطلاق النار من حاجز للميليشيات الكردية التي تحتل المدينة، ما أدى إلى مقتل أحد عناصر اللواء وجرح آخرين، دون أن ترد حتى الآن تفسيرات للحادث، من أي طرف.

في سياق الأوضاع الإنسانية، فإن الأحوال المعيشية السيئة في مدينة الرقة، إضافة إلى أعمال السرقة والتعفيش اليومية، تضع عشرات آلاف النازحين عن بيوتهم وأملاكهم، أمام خيارين أحلاهم مر: إما البقاء في مخيمات اللجوء في الريف الشمالي والغربي، وهي أقرب إلى السجون ومعسكرات الاعتقال منها إلى مخيمات للاجئين، وإما العودة في هذه الظروف دون سند أو دعم، أو حماية من عسف قوات الأمر الواقع وابتزازها للسكان، وتقييدهما لنشاطهم ومحاولاتهم العودة إلى حياتهم الطبيعية. فبعد موجة من السرقات التي طالت الأجهزة الطبية مما نجا من العيادات الخاصة من التدمير، تحولت عصابات السرقة المنظمة إلى نهب الصيدليات، ثم إلى مخازن الحبوب مع استمرار تعفيش بيوت المدنيين. وتُجمع هذه المسروقات في مستودعات الميليشيات الكردية، في السكن الشبابي في الجهة الشرقية من المدينة، ثم تنقل إلى أسواق للتصريف في رأس العين أو منبج أو عين العرب. لكن الأمر لم يتوقف على السرقة، بل أخذ في الآونة الأخيرة منحى سورياليًا، إذ نظمت الميليشيات الكردية حملات لجمع التبرعات، داخل مخيمات النازحين في الطبقة، لدعم أهالي عفرين. الأمر يوغل في السوريالية، عندما يعلم المرء أن ما يدفعه نازحو الرقة من تبرعات هو جزء من مبالغ شحيحة تقدمها منظمات إنسانية دولية، لمن تقطعت بهم السبل نهائيًا واضطروا إلى الإقامة في هذه المخيمات، وأن “الهلال الأحمر الكردي” هو الوسيط الحصري لإيصال هذه المساعدات، وأن المبلغ المقرر لكل عائلة في هذه المخيمات يبلغ 125 دولارًا أميركيًا، يحسم منه ما يُسمى “الهلال الأحمر الكردي”، قبل نشوء مسألة نازحي عفرين، 55 دولارًا، فيتبقى منه 70 دولارًا، والآن على نازحي الرقة أن “يتبرعوا” لنازحي عفرين بشيء مما بقي لهم من حصتهم التي يُسرق أكثر من 40 بالمئة منها.

في سياق متصل، نقل مجلس الرقة المدني، التابع لـ “وحدات حماية الشعب” الكردية، في هذه الأثناء، مكتبَه من بلدة عين عيسى إلى ثانوية “ابن طفيل” في مدينة الرقة، في إشارة في ما يبدو إلى أن الرقة أصبحت جاهزة ومستعدة لاستئناف حياتها. لكن الوقائع الفعلية على الأرض تُشير إلى الاتجاه المعاكس، إذ لا تزال المدينة تفتقد حتى هذه اللحظة مياه الشرب والكهرباء ومعظم السلع الأساسية اللازمة لعودة الحياة، فيما لا تزال فرق إزالة الأنقاض تستخرج جثث المدنيين من تحت أنقاض بيوتهم.

ويُقدر حجم الدمار، الذي لحق بمدينة الرقة، إبّان الحملة العسكرية التي نفذها التحالف الدولي لطرد تنظيم (داعش) منها، ما بين 70 و80 بالمئة، طال كل البنى والمؤسسات الحكومية، إضافة إلى القسم الأكبر من مساكن المدنيين وأملاكهم، الأمر الذي يعني أن المدينة تحتاج إلى توظيفات مالية هائلة، وسنوات من العمل اليومي لإعادة الحياة إليها. إلا أن الظروف السياسية المحيطة بالرقة وبسورية عمومًا، تبدو في هذه المرحلة سائرة باتجاه آخر؛ إذ إن تعقّد المشهد السياسي والعسكري حول الرقة يوحي بأن جولة جدية من الصدامات وخلط الأوراق قادمة قريبًا، وبأن ثمة الكثير مما يجب فعله حتى تتحول عودة السكان وإعادة البناء إلى واقع فعلي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق