تحقيقات وتقارير سياسية

في ذكرى مجزرة خان شيخون.. متى المساءلة

عامٌ، على مجزرة الكيميائي في خان شيخون، عام بالتمام والكمال، مضى بكل ما فيه من أوجاع ثقيلة، في قلوب أهالي المدينة المنكوبة وقلوب السوريين، وترك لنا محاولة أن نحصي ردات الفعل الباهتة القادمة من أنحاء العالم.

صور تشبه الموت الأصفر الذي أطبق على الوطن السوري وأهله، إنها صور مجلس الأمن وأوراق اعتماد مبعوثي الدول الكبرى وكلماتهم، وأكوام الخطوط الحمر التي أطلت من أفواه زعماء السياسة العالمية، وبقايا أوراق معاهدات ومواثيق دولية، لها علاقة بالحقوق والمدنية والأخلاق، قضمتها الجرذان في أقبية العالم المتحضر.

في 4 نيسان/ أبريل 2017، أقدم نظام الأسد على قصف مدينة خان شيخون، في الريف الجنوبي لمحافظة إدلب، بالغازات السامة، وقد أسفر ذلك عن مقتل نحو 100 مدنيًا، وإصابة المئات بحالات اختناق. ربما كانت أوامر ذلك الهجوم تحمل بصمات روسيا، لاختبار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتحذيراتها، إن كانت تشبه فقاعات الهواء التي سبق أن صدرت عن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي أعطى كل الوقت والفرص لنظام الأسد خلف خطوطه الحمراء، ولذلك أصبحت الضربة العسكرية لمطار الشعيرات تبدو كأنها تسويق وتلميع سياسي للرئيس ترامب داخل أميركا، كون نتائجها، بالنسبة إلى السوريين، تغاير تصريحات ترامب العاطفية عن الأطفال الذين أثروا فيه، فقد ازدادت الغطرسة من الحلف الروسي الإيراني الأسدي.

أكد تقرير صدر في نهاية 2017 عن لجنة التحقيق الدولية، المعنية باستخدام السلاح الكيميائي بسورية، أن نظام بشار الأسد مسؤول عن أربع هجمات بالسلاح الكيميائي، منها هجوم بغاز السارين على مدينة خان شيخون، أدى إلى مقتل نحو 100 شخص معظمهم أطفال، وإصابة المئات بحالات اختناق، وعلى إثر هذا التقرير الذي وصفته روسيا بأنه عمل “هواة” لاتهامه نظام الأسد؛ رفضت موسكو تمديد عمل اللجنة الدولية.

قال المحامي رستم تمو لـ (جيرون): “للأسف، لم يقم مجلس الأمن بواجباته التي يفترض أن تكون من ضمن آليات عمله وتشكيله، في حفظ الحقوق المدنية والأمن الدولي، وتدعيم قوانين حقوق الإنسان، ومتابعة المواثيق العالمية بهذا الشأن وصونها”، وتابع: “بينما نظام الأسد يرتكب الجرائم ويستخدم الأسلحة المحرمة دوليًا، بقي المجلس معطلًا بسبب (فيتو) روسيا، وعدم الجدية الدولية في إيقاف تلك الجرائم”.

أوضح تمو أن “القوانين التي سبق أن توافق عليها العالم، حول حظر الأسلحة الكيميائية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، هي قوانين جيدة ورادعة، لو تمّ العمل بها، لكنها جُمدت بفعل دولة تُعد فاعلة وأساسية في مجلس الأمن، إذ عوضًا عن تحمل دورها بمنع الجرائم بحق المدنيين، نراها تحمي نظام الأسد وتشاركه الجرائم، من خلال مساهمتها في المحافل الدولية وإنكارها ما يقوم به هذا النظام، وبما تقوم به قواتها فعليًا على الأرض السورية”.

أضاف تمو: “إن تعطيل عمل مجلس الأمن عن القيام بدوره، أدى إلى عدم الثقة به، وخاصة أن هناك تقارير دولية عن ارتكاب نظام الأسد لجريمة خان شيخون وغيرها، وأيضًا تقارير منظمة (هيومن رايتس ووتش) التي تؤكد ذلك، قد وضعها أصحاب القرار الدولي جانبًا، ولم يتعاطوا معها بجدية”، وأشار إلى أن “المفارقة التي تجري في سورية هي أن نظام الحكم الذي من المفترض أن يحمي الشعب، هو من يقتل شعبه، وليست حرب بين دول، وعلى الرغم من ذلك، تقوم روسيا بحمايته لاستمراره في ارتكاب الجريمة، وهذه نادرة في التاريخ.

أشارت تقارير حقوقية إلى وجود إثباتات، بأن نظام الأسد استخدم الغازات السامة للمرة الأولى، في “حي البياضة بحمص، في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2012”.

كذلك حذر أوباما الأسد، في آب/ أغسطس 2012 قائلًا: “إذا بدأنا نرى نقلًا أو استخدامًا لكميات من المواد الكيمياوية؛ فإن ذلك سيغير حساباتي ومعادلتي”.

أفاد تقرير سابق لـ (الشبكة السورية لحقوق الإنسان) أن هناك “33 هجمة كيميائية نفذها النظام، قبل استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية، في آب/ أغسطس 2013، الذي تلاه صدور القرار الدولي 2118 في أيلول/ سبتمبر 2013″، الذي طالب نظام الأسد بتسليم مخزونه الكيميائي، ووثقت الشبكة حصول أكثر من 174 هجومًا، بعد ذلك القرار والزعم الدولي بأنه تم إتلاف مخزون السلاح الكيميائي لدى نظام الأسد، منها هجوم خان شيخون الذي اعتقد السوريون بأن العالم لن يترك الفاعل ينفذ من العقاب، فيما العالم ازداد سوداوية، وترك الأسد يتابع مهمته بالقتل والتدمير والتهجير.

لفت تمو إلى أن غالبًا ما تتم “ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كي لا يفلت الجناة من العقاب، وهذا سيحصل في سورية بالمستقبل، لكن بعد ماذا! بعد أن دفع المجتمع ذلك الثمن الكبير، وهذا ما يحصل دائمًا للأسف، وهناك تجارب في هذا الشأن، وخاصة أن موضوع المساءلة يأخذ وقتًا طويلًا، بسبب التداخلات الدولية، وخضوعه للتوافقات الدولية والمصالح السياسية”.

كان الموت باستخدام السلاح الكيميائي في سورية شاملًا، إذ لم يقبض فقط على أرواح الضحايا وأحلامهم في خان شيخون، وإنما قبض على هيبة دول عديدة بقادتها وأحزابها وجعجعة إعلامها، بداية من عالمنا العربي مرورًا بعاصمة النور الأوروبية باريس ومثيلاتها في القارة الجارة المتفرجة، وصولًا إلى رجال الكاوبوي الهوليودي قرب تمثال الحرية، لتبدأ حقبة حكم جديدة للعالم بعهدة المهرجين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق