ترجمات

صحيفة اللوموند: “هل ستكون المأساة السورية قبر الأمم المتحدة؟”

 

ترى الباحثة ليتيسيا آتلاني-دوول، في مقال لها بصحيفة (اللوموند)، أن عدم احترام قرارات الأمم المتحدة واللجوء إلى الأسلحة الكيمياوية في سورية يضعان نظام الأمن الجماعي موضع شك.

هل ستصير المأساة السورية قبر الأمم المتحدة؟ إذ بعد مأساة حلب، تطرح مأساة الغوطة الشرقية السؤال نفسه مرفقًا باستفهامَين جديدين: الأول حول قدرة المجلس على فرض احترام قرارته الخاصة به؛ والثاني، وهو استفهام ملتهب، حول رقابة الأسلحة الكيمياوية.

في مواجهة الغوطة الشرقية، أظهرَ المجلس أنه لم يعد من الآن فصاعدًا مكبوحًا، بسبب حق النقض لواحد على الأقل من الأعضاء الخمسة الدائمين، كما كان ذلك في حالة حلب. إنه من الآن فصاعدًا عاجز، وشبح انهيار عصبة الأمم يحوم أكثر من أي وقت مضى.

الحقيقة أن المجلس كان لمرة واحدة في 24 شباط/ فبراير، متحدًا في مواجهة مأساة سبق أن أدت إلى مقتل ما بين 350 ألف و500 ألف نسمة. على الأقل كما يظن، بعد أن صوَّت بالإجماع على قرار يطلب وقفًا فوريًّا لإطلاق النار وهدنة إنسانية لثلاثين يومًا على الأقل. سوى أن هذا القرار لم يطبق. فقد تابع النظام هجومه مع قصف بلا تمييز على المناطق الآهلة بالسكان، في حين كان ثمة أكثر من أربعمئة ألف شخص محاصرين فيها.

دول مكبوحة

إذا كان حصار حلب الدموي قد أظهر مجدّدًا، لو تطلب الأمر ذلك، كل الفائدة من اقتراح يناقش بصورة منتظمة حول عدم اللجوء إلى حق النقض، في حالة الأفعال الوحشية الجماعية، فإن حالة الغوطة وسقوطها تطرح مسؤولية الطابع غير الملزم لقرارات مجلس الأمن.

وعلى غرار عصبة الأمم من قبل، لا تتمتع منظمة الأمم المتحدة بجيش خاص بها، ولا تملك الوسائل التي تتيح تنفيذ قرارات المجلس. إذ تتطلب العقوبات كي تكون فعالة، قرارات وأفعال من الدول الأعضاء. ولوم الأمم المتحدة والدعوة إلى إصلاحها لا ينطويان على أي معنى، لأن القفل لا يوجد على مستوى الأمين العام أو الجمعية العامة، ولا على مستوى الوكالات الأممية الميدانية، بل لدى أعضاء المجلس أنفسهم. المطلوب اليوم هو فرض قرارات المجلس في الوقت الذي يرفض تنفيذها الفاعلون الرئيسيون (روسيا، وسورية، وإيران، وتركيا). هذا في حين تبدو عدة دول مكبوحة بالصيغ الإنشائية حول “الخطوط الحمراء”، التي تم مع ذلك تجاوزها بكل سرور منذ سنوات.

بحيث أن صدقية مجلس الأمن وأعضائه هي التي باتت اليوم على المحك. فالغوطة الشرقية تؤلف مدينة حلب الجديدة، موضوع عملية استعادة ذات عنف مذهل، موسومة باستخدام الأسلحة الكيمياوية.

التحقيق الأممي

والحقيقة أن ما يتقرر في الغوطة -أيضًا- ولا نكرر ذلك بما فيه الكفاية، ومنذ أيام عدة، على الساحة الأوروبية، هي مسؤولية مجلس الأمن في ضمان احترام الاتفاقات الدولية حول الأسلحة الكيمياوية.

في آب 2013، تعرضت الغوطة لهجمات كيمياوية. ولم تكن الآلية المشتركة لتحقيق منظمة الأمم المتحدة ومنظمة منع الأسلحة الكيمياوية (ONU-OIAC) موجودة بعدُ؛ بالمقابل، كانت بعثة التحقيق الأممية حول استخدام الأسلحة الكيمياوية قد أكدت استخدامها على نطاق واسع.

كانت الحكومتان الأميركية والفرنسية قد هددتا بالتدخل العسكري، بحجة تجاوز “الخط الأحمر”، إلا أن المجلس كان في النهاية قد تبنى قرارًا يضع آلية لتفكيك مخزون الأسلحة الكيمياوية وللرقابة. وكانت دمشق قد التزمت تحت الرعاية الروسية بتدمير مخزونها قبل منتصف عام 2014، وكانت قد انضمت إلى اتفاقية منع الأسلحة الكيمياوية.

ومع ذلك، لم يتوقف استخدام السلاح الكيمياوي في سورية قط، مع 167 حالة مسجلة لاستخدامه. في عام 2015، وإثر إنشاء هيئة مشتركة من منظمتَين: (منظمة الأمم المتحدة ومنظمة منع الأسلحة الكيمياوية)، للتحقيق وتحديد المسؤوليات في استخدام الأسلحة الكيمياوية في سورية، تم تحديد نظام دمشق بوصفه مسؤولًا عن عدة حالات مسجلة. إلا أن مجلس الأمن فشل عام 2017 في تبني القرار الذي يقترح بعض العقوبات اعتمادًا على نتائج تقرير البعثتين، بسبب حق النقض.

هجوم كيمياوي في بريطانيا العظمى

الأكثر جذرية أيضًا في نهاية عام 2017، أن ولاية هذه الهيئة في التحقيق لم تجدد، بسبب حق النقض الروسي. واليوم في الغوطة إنما تم تحديد آخر حالات الهجمات الكيمياوية وبصورة خاصة خارجها، لكن اختفاء الآلية المشتركة، بين منظمة الأمم المتحدة ومنظمة منع الأسلحة الكيمياوية، لن يسمح لمنظمة الأمم المتحدة بتحديد المسؤوليات. إضافة إلى ذلك، تسمح المماحكات للبعض حول “فتك” الكلور في أن يأملوا في إغراق السجال أكثر في التفاصيل.

بعد قرن من أول صراع عالمي، كان مسرحَ استخدام كثيف للكلور وغاز الخردل، وفي الوقت الذي عرفت فيه أوروبا قبل أيام عدة في بريطانيا العظمى أول هجوم كيمياوي ارتكب على أراضيها، منذ الحرب العالمية الثانية (تسميم سيرغي سكريبال وابنته يوليا)، استخدمت هذه الأسلحة من جديد من قبل النظام السوري، رغم الالتزامات التي أخذها على عاتقه تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة. وعلاوة على ذلك، بات خطر استحواذ فاعلين غير حكوميين عليها واستخدامهم لها ثابتًا.

كما قيل ذلك في مقر مجلس الأمن نفسه، يُقوِّض هذا الوضع استمرار النظام الدولي الخاص بعدم انتشار السلاح الكيمياوي. وتركه يتشقق يعني قبول إضعاف النظام الدولي الخاص بعدم انتشار أسلحة التدمير الكثيفة، الذي بني حجرًا بعد حجر، خلال العقود الأخيرة، والذي يؤلف أساس العمارة الدولية في الأمن، وكذلك أحد مكتسبات التعددية الأممية.

هنا أيضًا، إن من مسؤولية مجلس الأمن ألا يترك هذا الوضع يبتذل، وأن يبقى المسؤولون عن هذه الجرائم بلا عقاب. ذلك لا يمسُّ مستقبل الأمم المتحدة فحسب، هذا الحلم بحلبة متعددة تعددية كانت نتيجة الحرب العالمية الأولى، بل كذلك مستقبل نظامنا في الأمن الجماعي.

المصدر: صحيفة اللوموند   Le Monde

الكاتب: ليتيسيا آتلاني ـ دوولLaëtitia Atlani-Duault

الترجمة: بدرالدين عرودكي

تاريخ النشر: 30 آذار 2018

مقالات ذات صلة

إغلاق