ترجمات

صحيفة فزغلياد: كانت الانتفاضة ضد قوات الولايات المتحدة الأميركية حتمية

الصورة: رودي سعيد/ وكالة رويترز

 

من جديد، تحولت عاصمة الخلافة المزعومة -الرقة- إلى نقطةٍ ساخنة، فقد انتفض العرب السنة ضد الأكراد الذين انتزعوا المدينة من أيدي (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) بدعم الولايات المتحدة الأميركية. فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الحرب السورية؟ وإذا كان الأميركيون يعرفون ذلك، فلماذا دفعوا الأكراد إلى تحرير الرقة، وهم عارفون بهذا المآل؟

أسقطت سورية من منظورها وسائل الإعلام العالمية. فمن جهةٍ، تعتم الحرب الإعلامية، بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، على أهوال ما يجري في البلدان العربية. ومن جهةٍ ثانية، تنظيم (داعش) قد احترق، والأسد ينتصر، وتم تنظيف الغوطة الشرقية من المعارضة والإرهابيين، حيث غادرها أكثر من 10 آلافٍ إلى محافظة إدلب، التي أصبحت الآن قاعدةً للقوى المناهضة للأسد، تضم متشددين قريبين من “القاعدة”.

قلصت القوات الجوية الروسية من نشاطها، ولكنها تستمر كالسابق بالإمساك بالوضع تحت سيطرتها في المناطق المهمة بالنسبة إليها. وفي الوقت نفسه، أنهت تركيا المرحلة الأولى من عمليتها في عفرين. وبينما يعثر السوريون على مقابر جماعية في كل مكان، تدور معارك ضعيفة ومتوسطة في حمص وحلب.

بكلمةٍ مختصرة: دخلت سورية مرحلة ما بعد الحرب، تبدو الحرب معها وكأنها بلغت نهايتها، ولكن السلام الذي طال انتظاره لا يلوح بعد في الأفق. انتهت المعارك الواسعة، ولكن المواجهة الأهلية مستمرة. حتى إن العلماء ابتكروا مفهومًا خاصًا لهذه الحالة: حرب التخريب الإرهابي. وهي قادمةٌ مستقبلًا.

البلاد ممزقة؛ فما يجري في حلب وإدلب، يختلف بقوة عما يشاهده مراسلو قناة (الجزيرة) في الرقة وحماة. وهذا عاملٌ جوهري، يجب أخذه بالحسبان عند تحليل الوضع في سورية، فهي مقسمة إلى مناطق نفوذ، ولكن الأهم أنها مقسمة إلى مناطق حربٍ. ويحاول عشرات اللاعبين الحصول لأنفسهم على قضمةٍ من البلاد التي كانت يومًا ما دولةً مستقرة: واحد في إدلب، وثانٍ في صحراء الرقة، ومؤخرًا في عاصمة ومعقل (تنظيم الدولة الإسلامية) السابق.

يصف القسم المتطور من المجتمع السوري الذي يقطن شاطئ البحر المتوسط، سكانَ الرقة بـ “المتوحشين”. وبالفعل، يبدو وكأن الفلاحين يعيشون في عالمٍ آخر. ومن هذا المنظور، تعدّ سورية دولةً فريدة، وأصبحت جغرافيتها المعقدة أحد الأسباب المهمة لنشوب الحرب الأهلية السورية. ولفهم ذلك، يكفي أن نلقي نظرةً إلى الخارطة: من جهةٍ، نرى شاطئ أهم بحور العالم، مركز التجارة العالمية، حيث هناك اللاذقية وطرطوس، وليس ببعيدٍ منهما دمشق، حيث يقطن سكانٌ علمانيون يشكلون معقل الأسد. ومن جهةٍ ثانية، نرى في المناطق الشرقية صورةً مغايرةً تمامًا، فهناك الصحراء والسكان المتديّنون جدًا: السنّة، الذين تحولوا مع الوقت إلى أصوليين. قبل البارحة، كانت هذه المناطق معقلًا لـ “القاعدة”، والبارحة معقل لـ (داعش). وبما أن هذه التوجهات في سورية لا يمكن أن تلتقي، فقد كان الصدام بينهما حتميًا.

كما أن انتفاضة السكان المحليين في الرقة، حيث يشكل العرب أغلبيةً، ضد سلطات المحافظة الجديدة: “قوات سورية الديمقراطية”، هو أمرٌ حتمي أيضًا. يتألف هذا الجيش المدعوم أميركيًا من الأكراد بنسبة 70 بالمئة، ويشكل العرب 20 بالمئة، في حين تتكون نسبة الـ 10 بالمئة المتبقية من عملاء وكالة الاستخبارات الأميركية والقوات الخاصة الأميركية. ويمكن أن نقول عن هذا الجيش إنه من أقل القوى كفاءةً في سورية الحالية، وكان نتاجًا للحرب الأهلية. ومع ذلك، علينا ألا نبخس “قوات سورية الديمقراطية” حقها، فهي بالذات التي حررت الرقة، وحاربت (داعش) في الصحراء، كونها آلة عسكرية مصلحة أنشأها عملاء الجناح العسكري للبنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

وهكذا، انتفض فقراء العرب (السنّة) في مواجهة الأكراد (الشيوعيين) الذين يرتدون الملابس الأميركية. فما الذي يعنيه ذلك؟

حررت قوات التحالف مدينةَ الرقة من (داعش)، في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، على الأقل هذا ما أعلن. ولكن في واقع الأمر، انسحب مقاتلو (داعش)، ليس في الخريف، إنما في الشتاء. وإذا ما توخينا الدقة، فإن غالبية المقاتلين تركوا المدينة، وانتقلوا إلى الصحارى على الحدود العراقية، حيث لا يسيطر على المنطقة أحد، ويمكن الاختباء هناك لالتقاط الأنفاس.

كان تحرير الرقة، بلا ريب نجاحًا لأولئك الذين حاربوا (داعش). ولكن، وكما يحدث بعد الحروب الأهلية، تبرز قضايا إعادة الإعمار.

الرقة هي محافظة العرب السنّة، الذين لن يقبلوا أبدًا سلطة الأكراد. وقد نوقشت في واشنطن، قبل بداية العملية الأميركية، بشكلٍ جدي، مسألة جدوى استخدام التشكيلات الكردية لتحرير مدينة الرقة. فالفكرة نفسها ليست الأفضل، ولكن بسبب غياب الخيار البديل، ذهب الأميركيون في هذا المسار.

في عام 2014، ساند سكان الرقة تنظيم (داعش)، ولكنهم استكانوا للسلطات الجديدة، بعد أن أدركوا استحالة مقاومة القوى التي تقف وراءها الولايات المتحدة الأميركية. بيد أن ذلك كان هدوءًا مؤقتًا، وهو أمرٌ يفهمه الأميركيون، ولكنهم لا يستطيعون ولا يريدون التنازل ببساطة عن هذه المناطق للأسد، فقد كان هناك الكثير من الكلام والتصريحات، وأصبح من الصعب الآن الاعتراف بأن فكرة إسقاط الأسد كانت فكرةً فاشلة. من جانبهم، لن يعترف العرب أبدًا بالسلطات الجديدة، فهم لا يتحملون الحياة تحت سلطة الأكراد، التي تتعارض مع هويتهم التي تشكلت في ظل الخلافة.

أما بالنسبة إلى الأكراد، فهم لم يكونوا يرغبون أبدًا في التوجه إلى الرقة، فهي لم تكن تلزمهم يومًا ما. ففي هذه المناطق، لا يتوفر أي عاملٍ من العوامل التي يمكن الركون إليها. حيث إن غالبية السكان تكرههم، وتكره الأسد، وتتعاطف مع (داعش). بجرهم الأكراد إلى ما سمي بالمعركة الكبرى، يكون الأميركيون قد زرعوا بذور حربٍ أهليةٍ جديدة والآن، ظهرت أسبابٌ جديدة لتأجيج الكراهية، بين أولئك الذين جاؤوا من محافظة الحسكة، وبين المنحدرين من الصحراء العربية.

ينحدر العرب القاطنون شرق سورية، وجنوب شرقها، من قبائل هاجرت في الزمن الغابر بحثًا عن طقسٍ أفضل. ويعيش هؤلاء في ظل قواعد قبلية يلعب الدين فيها دورًا مهمًا، أما السلطات فللشيوخ، لا للأكراد الشيوعيين. وبالفعل، جاء قرار الاعتماد على “قوات سورية الديمقراطية” لتحرير الرقة إجباريًا، حيث يجب محاربة تنظيم (داعش)، وغالبًا لا يترك التاريخ مجالًا للاختيار. وكانت “المعركة الكبرى” لتحرير الرقة مثالًا على هذا.

حتى الآن، ليس هناك انتفاضة واسعة في الرقة. وعلى الغالب، لن يتمكن العرب من تنظيم انتفاضة كهذي، في القريب، فالموارد تنقصهم وكذلك القوى. غير أن السلطة الكردية في الرقة غير ممكنة بالتعريف. وهذا يشبه سلطة يهودية في الرياض، أو سلطنة الألبان في بلغراد. وفي الوقت الحالي، نحن نشهد بذور المقاومة الأولى.

فكيف إذًا يكون المخرج من هذا الوضع؟ يجب على الولايات المتحدة (وهي الدولة المسؤولة عن قيام هذا الوضع) أن تباشر بإقامة سلطاتٍ مناسبة من السكان المحليين. وهذا هو الأمر الوحيد، الذي يحول دون اندلاع حربٍ أهليةٍ جديدة على الرقة. أما بالنسبة إلى دمشق، فإنها لن تقدم على التفاهم مع السلطات الجديدة في المنطقة، الحل الوسط والإدارة المحلية يمكن أن يهدّئ الصحراء الحارة.

 

اسم المقالة الأصلية Восстание против сил США в Ракке было неизбежным
كاتب المقالة غريغوري أساتريان
مكان وتاريخ النشر صحيفة فزغلياد. 30 آذار 2018
رابط المقالة https://vz.ru/world/2018/3/30/914531.html
ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق