تحقيقات وتقارير سياسية

الناجون من سجون الأسد ينشدون العدالة لا الانتقام

 

كم هو مؤلم ومحزن أن تستمع لشهادات حيّة، من ناجين اعتُلقوا وعُذبوا في سجون الأسد الأب والابن سنوات طويلة! وكم هو عظيم أن تستمع لهؤلاء الناجين، وهم ينشدون تحقيق العدالة، رغم كل المآسي والآلام التي عانوها في السجون والمعتقلات على يد جلاديهم، وقد تحمّلوا من العذاب ما لا تتحمله الجبال!

في الحقيقة، عندما استمعتُ لشهادة الصديقين مالك داغستاني ومحمد برو؛ لم أستطع أن أحبس دموعي، فقد بدا كل شيء في شهادتهم محزنًا ومؤلمًا، بالرغم من أنني سبق أن استمعت شخصيًا إلى شهادة محمد برو، وكثير من الشهادات، ممن تسنى لي الدفاع عنهم، أمام المحاكم السورية خلال السنوات السابقة، إلا أنّ الاستماع لها مرة أخرى، على الهواء مباشرة، يحمل تأثيرًا أقوى وأشد، يجعل المشاهد يغوص معهم في ذكرياتهم، عن حياتهم في غياهب السجون والمعتقلات، وتصور مدى حجم الآلام التي عاناها هؤلاء الشجعان الذين صمدوا صمود الجبابرة، وتحدوا التعذيب، وانتصروا على جلاديهم، وقهروا الموت بإصرارهم على الحياة. ومع أن حديثهم كان عفويًا وصادقًا، فإنه كان مركزًا وقويًا ومباشرًا، أخفى خلفه الكثير من الانفعالات التي لم يستطيعوا ضبطها، والتي جعلتنا نشعر وكأنهم خرجوا للتوّ من تلك السجون والمتعقلات التي أمضوا فيها زهرة شبابهم.

اهتز كياني على وقع كلمات مالك داغستاني، وهو يقول: إن “الموت كان حالة نجاة من الحالة التي كنّا فيها، وإن أسهل حالات الموت أن يتحول إلى حلم في سجون الأسد”، يضيف مالك أنه، بعد مغادرته السجن، شعر وكأنه غادر إلى عالم أكثر سعة، لكنه سجن أوسع مما كان فيه، وقبل أن يختم شهادته بالتأكيد على تحقيق العدالة، لخّص مأساة سورية بقوله: “عندما خرجنا، شاهدت بشرًا آخرين في بلدان أخرى، حتى حركة أجسادهم فيها حرّية، وهم يمشون بشكل طبيعي، بينما نحن نمشي متل العسكر منطّلع بالطريق متل العسكر مدجنين، )مدجنة( عملوها لسورية، خلوّنا غير طبيعيين.. نحنا مشوهين ما منعرف حتى الكيفية الطبيعية للعيش البشري”.

على الرغم من أن السيدة فدوى المحمود بدت متماسكة في شهادتها، فإنها لم تستطع حبس الدموع التي انهمرت رغمًا عنها، وهي التي لم تسلم لا من حافظ الأسد ولا من ابنه ولا حتى من شقيقها الذي أشرف بنفسه على اعتقالها وضربها، وبعد اندلاع الثورة السورية، اعتقلت المخابرات السورية ابنها ماهر، وزوجها المعارض السياسي الدكتور عبد العزيز الخير، عندما كانا عائدين من الصين، ورغم كل ذلك، فهي تنشد العدالة أيضًا. ولم تختلف شهادة باسل هيلم التي جاءت هي الأخرى معبرة عن قسوة الاعتقال وهمجيته والأمل بتحقيق العدالة.

لقد كانت الشهادات الحيّة التي استمعت إليها، خلال الأسابيع الماضية، التي بثها “تلفزيون سوريا” تعبيرًا وجدانيًا خالصًا مفعمًا بالإنسانية، بعيدًا من أيّ تكلّف وتصنّع. وحملت شهاداتهم في طياتها صرخة أمل، بأن يحيا أولادنا في وطن دونما خوف من ترهيب أو اعتقال، كما حملت أيضًا نزوعًا قويًا لتحقيق العدالة ورفض الانتقام في مجتمع أنهكه الجلادون، بأمل أن لا تتكرر مستقبلًا تلك المآسي التي عاشوها في الزنازين والمعتقلات. وعلى هذا شدد الناجون بشهاداتهم، يؤكد محمد برو، في شهادته أن السواد الأعظم من الذين خرجوا من السجون لم يكن لديهم أي نزعة نحو الانتقام، ويضيف: “إننا نحن أصحاب رسالة ومسؤولية في هذه الحياة، وهي أن نشكل عاملًا مهمًا، كي لا يحدث ما حدث معنا مرة أخرى، لا لجلينا ولا للأجيال القادمة”، ويعتقد داغستاني -ككثير من السوريين- أن لا حلّ في سورية، ولا إمكانية إعمار أو تسوية أو صلح اجتماعي في سورية إلا بتغيير هذا النظام الحاكم فيها الذي شكل -وما يزال- علّة كل ما حدث ويحدث فيها.

الحلم الذي عبّر عنه معظم الناجين من المعتقلات والسجون يعكس في حقيقته حلم جميع السوريين، بالعيش في وطن دون خوف أو رهبة، وأن يعيش أولادهم دون أن يراقبوا أنفسهم كأجهزة أمن ضابطة لكل حركاتهم وسكناتهم.

أستطيع القول إن معظم من خرج ناجيًا من سجون الأسد وزنازينه، ممن تسنّى لي الالتقاء بهم أو الاستماع إلى شهاداتهم أو قراءتها، قد خرج وقلبه خال من الحقد والانتقام حتى على الجلادين الذين كانوا يسومونهم أقسى أنواع العذاب، خرجوا وهم ينشدون تحقيق العدالة في وطن متعب ومثقل بالخوف والاستبداد، نعم إنهم ينشدون العدالة لجميع السوريين، لاقتناعهم أنه من دون عدالة، لا يمكن أن نبني مجتمعًا صحيًّا قادرًا على التطور والعطاء.

وحتى لا تبقى شهادات الناجين من السجون والمعتقلات طيّ الكتمان أو حبيسة الصدور أو مدفونة في الكتب والروايات، لا بدّ من بذل جهود كبيرة -إعلاميًا وقانونيًا وسياسيًا- لإخراج تلك الشهادات من مخابئها المحبوسة فيها، وإفساح المجال لها أن تتكلم بالصوت والصورة، لأن فيها كمًا هائلًا من الشفاء، وتقديرًا وردّ اعتبار للناجين من سجون الأسد، ويمكن أن تساعد في خلق رأي عام، يمنع من تكرار هذا الإجرام الذي وقع على الشعب السوري سنين طويلة، وهو ما أكده “محمد برو” في شهادته.

كما يمكن أن تشكل تلك الشهادات، مع الدعاوى التي أقيمت في أوروبا ضد مرتكبي جرائم التعذيب في السجون السورية، عبئًا ثقيلًا على أعوان النظام من ضباط الصف الثاني نزولًا حتى الجنود، وتردعهم وتقيّد حركتهم وترسل لهم رسالة، مفادها أن لن يفلت أحد من العقاب، مهما طال الزمن.

الأهم أن تكثيف العمل على تلك الشهادات وتوثيقها بالصوت والصورة، على نحو مهني واحترافي، سيساعدنا أيضًا في عدم نسيان مأساة عشرات الآلاف من المعتقلين الذين ما زالوا في معتقلات الأسد وإبقاء قضيتهم حيّة، وهم الذين يواجهون بصدورهم العارية وحشية الجلادين، ويتمنون الموت في كل لحظة وحين.

لعلّنا نستطيع فعل شيء ينقذهم من هذا الجحيم، أو على الأقل أن نخفف من آلامهم التي لا تتحملها حتى الجبال، وهم الذين ضحّوا بحرّيتهم من أجل أن نحيا.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق