أدب وفنون

النحات السوري نزار علي بدر يبدع بأحجار جبل صافون ومـن الـحـجـر مـا نـطــق!

في عمر السبع سنوات، بدأ بتشكيل أحلامه الصغيرة بقطع الصلصال الطرية، قبل أن تمر سنوات كثيرة، فيجلس عند سفح جبل صافون بسورية، ناحتًا حجارته الصغيرة، مجسدًا همومه وهواجسه في مئات اللوحات الجميلة، إنه النحات السوري المبدع نزار علي بدر، الذي أبدع في استنطاق الحجر، ليجسد معاناة السوريين وحياتهم وأوجاعهم.

جبل صافون، أو الجبل الأقرع، يبعد عن مدينة اللاذقية 65 كم، أحجاره بألوانها الفريدة وتشكيلاتها الطبيعية، قد تبدو لنا مجرد حجارة عادية، لكنها جذبت نزار، منذ ما يزيد عن ربع قرن؛ فراح يش

كّل منها أعمالًا فنية وتحفًا رائعة، حتى تجاوز عدد أعماله 25 ألف عمل فني، وبالرغم من أنها تساوي ثروة طائلة، فإن نزار يرفض بيعها مطلقًا، حيث يعتبرها إرثًا فنيًا وحضاريًا لسورية، يجب أن تتناقله الأجيال القادمة كتراث حضاري شكلته أنامله، وكتركة أثرية تعوض ما تم نهبه أو تدميره من الأثار السورية.

على شاطئ البحر المتوسط، يجلس نزار مناجيًا أحجار جبل صافون، ومن خلال نحت الأحجار الصغيرة وتشكيلها وتجميعها، في تناسق فني رائع يبدع أروع اللوحات الفنية، هذا الفن يسميه (صفّ الحصى)،وهو غير مكلف إجمالًا، لكنه يحتاج إلى مخيلة واسعة وقدرة على تنفيذ الأشكال بسرعة وبداهة، يُمضي نزار ساعات طويلة في تجميع الحجارة من الجبل ومن على شاطئ البحر، يعتني ويدقق في اختياراته، وما لا يصلح للنحت منها يعيده مرة أخرى إلى البحر حفاظًا عليه للأجيال اللاحقة، لعلها تستثمرها في أعمال أخرى مستقبلًا، وبعد الانتهاء من صف الحصى الصغيرة واكتمال العمل الفني، يقوم بتصويره، ثم بعثرته ليشكل عملًا جديدًا، فيما يكتفي بنشر صور أعماله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي متاحة للجميع، فهو لا يبيعها ولم يرغب يومًا في ذلك، كما أنه في الغالب لا يعطي عناوين لأعماله، بل يتركها لمتابعيه، فهم من يعطونها العناوين، ويؤولون معانيها.

جسد نزار أوجاع السوريين في ظل أزمتهم، لاجئون يحملون ممتلكاتهم وأطفالهم فوق أكتافهم وهم راحلون، والتهجير الجماعي وصور الموت والضياع، وهو نفسه الذي رفض الخروج من سورية، بالرغم من كل ما يحدث فيها من أهوال، بل ظل يمارس موهبته التي يعشقها، مؤكدًا بالقول: “حفنة من ترابك، سورية، تساوي كنوز الدنيا”، وبالرغم من أنه لم يتعلم أو يدرس الفن، فإن إصراره وصموده كان يزداد يومًا بعد يوم، ويزداد مع الأيام إنتاجه الإبداعي الداعم لشعبه وقضيته، ملخصًا المأساة فنيًا، كي تلتفت أنظار العالم إليها. لكن اللوحات الحجرية لنزار بدر ليست كلها قصصًا عن الوجع والمأساة، فموضوعاتها كثيرة ومتنوعة، حيث يشكل بيوتًا وأزهارًا وبشرًا، ويجسد بدقة عالية مشاعر الود والحب والأمل، وتلك منحوتة تظهر دفء العائلة، وأخرى لرجل يقود سيارته، وتلك لأطفال يلعبون، وهذه لفتاة تلهو وسط الزهور وتحت الشمس، إنه عالم كبير مليء بالمشاعر والأحاسيس، شكّله نزار بدر بأحجار صماء، ليخرج لوحات ناطقة، ذاخرة بالمحبة.

منذ اندلاع الحرب السورية، أعماله النحتية جميعها تحمل طابع الحزن والوجع، سواء من خلال الإيحاءات التي يعطيها لكل عمل أو المشاعر التي تبينها رؤوس وحركات شخوص اللوحات، لكن بالرغم من ذلك ما زال يأمل أنه في يومٍ ما سينحت الفرح والحمائم. أما خلفية اللوحات عادة ما تكون محصورة في الألوان الأبيض والأزرق والأحمر. أما الأبيض، فيتيح للمشاهد التمعُّن أكثر في الألوان الطبيعية للأحجار، ولا يكون للخلفية أي دور في تكوين العمل، أما الأزرق فيحاكي زرقة البحر، أما الأحمر فيذخره للموضوعات العصيبة والمأساوية.

الكاتبة الكندية مارغريت رورس خصصت لمنحوتاته، كتابًا كاملًا، وقد صدر في كندا قبل أشهر، حمل عنوان (حصى الطرقات)، يحكي عن رحلة عائلة سورية لجأت إلى الشتات، ورأت الأهوال خلال رحلتها المريرة، كما أنه استطاع إقامة بعض المعارض المتنقلة في عدد من الدول الأوروبية، وذلك لجني المساعدات للاجئين السوريين، دون مقابل مادي يعود عليه، وخلال حفل موسيقي مهيب لتكريم رائد الموسيقى الآلية في العالم “كارل هاوزن”، تم إرفاق لوحات لمنحوتات “نزار بدر” لترافق العزف الموسيقي في الحفل، وفي العام 2014 نظم معرضًا بعنوان (صرخة حجر) لأعمال النحت التقليدية، فهو لم يقطع علاقته بالنحت التقليدي، بالرغم من تفرده وبراعته في فن “صف الحصى”. لكنه دائمًا يرى أن نجاحه هو انتصار للحق والخير على الباطل والشر، وأن هذا النجاح لا ينتظر عليه أي شكر أو جائزة، وقد قال: “أنا فقير ولا هدف ماديًا لي من خلال إبداعاتي، أنا غني بإبداعاتي وانتمائي إلى تراب سورية”.

وسط أهوال الحرب السورية، يعاني نزار من جمع الحجارة ونقلها، لكن سرعان ما تزول المعاناة مع إنجاز العمل. يؤمن نزار بأن أعماله ليست له، بل إنها هدية لكل عاشق لتراب وحجارة سورية، ولنختم ببعضٍ من كلماته: “أنا جبل صافون السوري، أنا ابن لأسلافي الأوغاريتيين، الذين تركوا الجبل أمانة في جيناتي، ولهذا أعمل جاهدًا على إيصال رسالتي إلى الإنسانية، وأعتقد أن رسالتي قد وصلت، ولامست ضمير كل من لم يخلع ثوب إنسانيته”.

 

[av_gallery ids=’114881,114882,114883,114884,114885,114886,114887,114888,114889′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق