هموم ثقافية

معركة الحجاب والسفور

انطلقت حركة تحرير المرأة، في الثقافة العربية الحديثة من مصر، على يدي قاسم أمين (1863-1908)، الكاتب والأديب والمصلح الاجتماعي، وأحد مؤسسي جامعة القاهرة والحركة الوطنية في مصر، ورائد حركة تحرير المرأة. وقد ترددت أصداء هذه الحركة في بلاد الشام والعراق، وكان العراقيون هم الأكثر حماسة لذلك، ويليهم السوريون.

أسفرت تلك الحركة عن نتائج إيجابية مباشرة، على صعيدي التعليم والعمل، وظلت قضايا الحجاب والسفور والاختلاط والمساواة في الحقوق المدنية والسياسية موضع جدل، انخرط فيه المثقفون، الإصلاحيون منهم والمحافظون، حتى خمسينيات القرن العشرين، وغدا السفور والاختلاط والمساواة في الحقوق مقبولًا نسبيًا، لدى الفئات المدنية الميسورة.

كانت قضية تحرير المرأة قضية أساسية من قضايا الإصلاح الاجتماعي، نابعة من وعي عميق بضرورة نهوض المجتمع كله، وتجاوز العادات والتقاليد والأعراف البالية، التي تعوق النهوض. وكان أعلام الإحياء والتجديد الإسلامي سائرين على الطريق ذاته، فعند رفاعة الطهطاوي كانت المرجعية الإسلامية في منظومة القيم حاضرة، عندما كتب كتابه الرائد والفذ (المرشد الأمين إلى تربية البنات والبنين)، ليدرس في المدارس المصرية التي أنشئت لتعليم البنات تعليمًا وطنيًا، بعيدًا عن مدارس الإرساليات التنصيرية.. وهو الكتاب الذي ارتاد فيه الحديث عن “عمل المرأة”، وليس فقط تعليمها.. ورأى فيه أن عمل المرأة سبيل إلى مكارم الأخلاق! وكان الطهطاوي قد دعا إلى تحرير المرأة، في عهد محمد علي، وعمل على نقل خلاصة الحضارة الفرنسية إلى الشعب المصري، وذلك بحكم رئاسته للجنة البعثات العلمية إلى أوروبا، وعلى وجه الخصوص إلى فرنسا. وكانت الدول الأوروبية على العموم قد حققت نقلات نوعية في النظر إلى المرأة، على أنها مساوية للرجل، من حيث المشاركة في العمل والاختلاط معه في ميادين الحياة، إضافة إلى سفورها، الذي لم يبلبل العقول ولم يشكل عائقًا أمام نهوض المجتمع وتقدمه، بل كان شرطًا أساسيًا من شروط النهوض والتقدم. كتب الطهطاوي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز): “إن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهنّ أو سترهنّ، بل منشأ ذلك التربية الجيدة أو الخسيسة”. فالحجاب في رأي الطهطاوي ليس عاصمًا من الانحلال الأخلاقي، كما يدعي الفكر السلفي المعادي للمرأة، الذي كان منتشرًا في ذلك الحين، بأن “المرأة عورة”، و”المرأة شيطان”، وقد دارت حينئذ معركة حاسمة بين مؤيد للسفور ومعارض له، وبقيت آثار تلك المعركة حتى ثورة عام 1919 التي قادها سعد زغلول، فكان جيل الثورة مكملًا ما بدأ به قاسم أمين ورفاعة الطهطاوي، في إصداره لجريدة (السفور) الأسبوعية التي تحاول نزع الحجاب لا عن المرأة فحسب؛ إنما عن الذهنية المجتمعية المحجوبة عن التقدم والفكر الحديث. كتب عبد الحميد حمدي مؤسس الجريدة: “… ليست المرأة وحدها هي المحجبة في مصر، بل نزعاتنا وكفاءاتنا ومعارفنا وأمانينا أيضًا”، فقد حطمت تلك الثورة حجاب العقل قبل حجاب المرأة، وكانت استجابة المجتمع المصري لدعوة السفور استجابة شبه كلية، انحسر معظمها في الطبقة الوسطى من المجتمع، فانضمت النساء إلى التظاهرات الشعبية، وكانت أول امرأة تقود تظاهرة النساء سافرة هي هدى شعراوي، التي ألقت بحجابها في البحر، حين عودتها من المؤتمر النسوي الذي عقد في أوروبا، وهي أول امرأة عربية في ذلك المؤتمر.

فإذا قمنا بعملية ذهنية بسيطة، وأجرينا مقارنة بين ما جرى في مصر قبل مئة عام ونيّف، وما يحصل اليوم في المجتمعات العربية والإسلامية، من إصرار وعزم على تحجيب المرأة وتنقيبها، وعدم اختلاطها بالرجال في بعض المجتمعات، وهذا ما نشاهده جليًا في فصل مدارس الإناث عن الذكور منذ المراحل الأولى من التعليم؛ فما هي النتيجة التي نستخلصها من هذه المقارنة؟

ليس من قبيل المصادفة أن تتردى حالة المجتمعات اليوم في العالمين العربي والإسلامي على السواء، فإن هذا النكوص هو نكوص متعمد، أحدثه الاستبداد السياسي والديني، والمتمثل في تفشي العنف المرئي واللامرئي على أفراد المجتمع سياسيًا واقتصاديًا كـ “تردي الحالة المعاشية والاعتقال العرفي”، وغير ذلك من ممارسات القمع والتنكيل، والعنف الديني الظاهر في الدعوة والتبشير، والاقتتال الطائفي، والجهاد والترغيب في العالم الآخر من أجل “الاستشهاد في سبيل الله”، وهذا ما يُبرز قصور الوعي المجتمعي ويعوقه عن التقدم والحداثة، وليس من قبيل الصدفة أن تُذبح امرأة كما تذبح الشاة، لأنها سافرة بيد رجال الإرهاب والتطرف، أو تُحطم الآثار التاريخية على أنها أصنام، لولا حجاب العقل وجمود الفكر والإصرار على التخلف والهمجية في التعامل مع النساء خصوصًا، ومع الإنسانية بشكل عام.

إن التقدم الحضاري الذي أحرزه الغرب لم يكن ليوجد، لولا وجود المساواة القانونية والاجتماعية والسياسية بين الرجال والنساء، وبالتالي يُتهم الغرب بأنه صانع الكُفر والبغي المتسرب إلى المجتمعات العربية والإسلامية، وهذا ما جاء في مقدمة كتاب الدكتور محمد أحمد إسماعيل المقدم (عودة الحجاب): “… إن أهداف الغرب كانت تقوم -وما تزال- على السيطرة على وسائل الإعلام، وتسليط الأضواء على كُتّاب ومفكرين من نوع خاص، يبنون بالطريقة التي تُبنى بها نجوم التمثيل والرقص والغناء، بالمداومة عن الإعلان عنهم والإشادة بهم… الخ)، ثم يؤكد في جزء “معركة الحجاب والسفور” من الكتاب ذاته: “… إن إثارة ما يسمى بقضايا المرأة لم تكن سوى جزء من مشروع استعماري شامل، لتغيير وجه الحياة في مصر، واقتلاع المجتمع الإسلامي”. وقبل ذلك افتتح أنور الجندي (1917 – 2002) كتابه: (حركة تحرير المرأة في ميزان الإسلام)، بقوله: “استهدفت حركة تحرير المرأة، التي حمل لواءها أتباع النفوذ الاستعماري في العالم الإسلامي، تحقيق مجموعة من الأهداف الخطيرة ترمي إلى هدم الأسرة وتدمير المجتمع، ودفع المرأة إلى أن تكون أداة للأهواء والرغبات، وإخراج المرأة عن مكانتها ورسالتها، وتحطيم القيم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية في شأن العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الأجيال المتتابعة، وبين الشباب والفتيات”.

إذا كانت حرية المرأة، التي هي شرط لحرية الرجل، مؤامرة استعمارية، وإذا كانت مساواة المرأة بالرجل في الحقوق المدنية والسياسية مؤامرة استعمارية؛ فليهنأ الاستبداد، وليطمئنَّ المستبدون والمتطرفون. بئس المجتمع الذي يواجه مشروعًا استعماريًا باضطهاد نسائه وإذلالهن.

مقالات ذات صلة

إغلاق