هموم ثقافية

أرض الألغام

 

في أمسية صيفية، لم يكن لدى صديقي علي الشهابي (أرجو أن يعود إلينا من سجنه سليمًا متهكمًا كما كان)، ما يكفي من الرغبة للمشي في باحة التنفس، فجلس على الدرج الهابط إلى الباحة. جلس يدخن بكسل وهو يتأمل المساجين في الأسفل، في ساعة التنفس. نفوس متعبة تعيش على أمل باهت، بعد أن اجتهدت الدولة كاملة على تصنيعهم كأعداء، وتحويلهم إلى مادة تعتاش عليها المطاحن الأمنية، يائسون ينغمسون في تفاهات يومهم لكي يهربوا من بؤسهم، ومن ثقل الزمن على قلوبهم، يختلفون على تسمية ألوان الخرز، كما يختلفون على تقييم المرحلة التي تمر بها بلادهم. سنوات طويلة على هذا الروتين اليومي الحديدي الذي حاول عليٌّ مرةً، أن يقتل بلادته القاتلة، فخرج إلى الباحة في يوم غزير المطر، خرج حين لا يخرج أحد. كانت الباحة خالية، جلس تحت المطر كما يجلس عجوز تحت شمس الربيع. كان عليّ سعيدًا بتنفسه الانفرادي ذاك الذي لم ينقصه سوى القدرة على التدخين تحت المطر. لكن حديد الروتين كان أقسى من ابتكارات علي.

في تلك الأمسية الصيفية، جلست إلى جوار عليّ الذي كان صامتًا أكثر مما اعتدت عليه، بادلته الصمت بالصمت، لكي أحرضه على الكلام؛ التفت إلي، بعد حين، وقال متهكمًا: “سيأتي يوم لا يكون أمام المُعارض للنظام السوري من قدرة على المعارضة أكثر من أن يقول نعم للرئيس بالحبر، وليس بالدم”. أضحكني ذاك التهكم الرؤيوي، كان ممتعًا وطريفًا، لكنه استقر في ذهني كشيء غير ممتع وغير طريف، إلى جانب نبوءات مقلقة أخرى من أشخاص آخرين، مثل النبوءة المقتدرة لرئيس فرع الأمن السياسي في دمشق الذي وضع يده على شاربيه الحليقين، بينما أنا (شاب عشريني في السنة الثالثة من دراسته الجامعية) مطوي في الدولاب بجانب قدميه، وتنبأ بأنني لن أستلم في حياتي شهادة الطب، ومثل نبوءة صديقي عبد الحكيم الذي قال، في لحظة عجز غامر، بطريقة الغريق الذي يجاهد لإبقاء رأسه فوق الماء، كي يقول جملته اليائسة: إننا لن نخرج من السجن إلا موتى أو مجانين.

في السجن، كلما حاولت أرانب اطمئناني أن تسرح لتلهو في المرج؛ كانت أمثال تلك النبوءات تخرج من أوكارها مثل طيور جارحة. بعد السجن، رحت أقطع الزمن يومًا بيوم، مترقبًا كمن يتحرى الألغام في أرض ملغومة شاسعة. كنت قد تجاوزت لغم عبد الحكيم، خرجت من السجن قبل أن أموت أو أجن. وبقي اللغم المقتدر لرئيس الفرع وعيدًا أخشاه. أما لغم عليّ فقد سمحت له أن ينفجر في وجهي حقًا.

في صيف قائظ بعد السجن، كان على طلاب الجامعة الذكور الموزعين كنباتات ذابلة في خيم التدريب الجامعي، أن يجتمعوا في الساحة لكي يقولوا نعم في استفتاء على رئيس شاب ورث الرئاسة عن أبيه المتوفى. كان يقف على باب غرفة الاقتراع أحد ضباط التدريب الجامعي، وبيده دبوس يخذ به إصبع الطالب الذي عليه أن يضع شيئًا من دمه في دائرة الـ “نعم”. حين جاء دوري تنحيت جانبًا لكي يمر الطالب الذي بعدي، فجاءني الضابط مستفسرًا. قلت له إنني مجرد من الحقوق المدنية، بحكم صادر عن محكمة أمن الدولة العليا، ولا يحق لي التصويت، سيكون هذا مخالفًا للقانون. ارتبك قليلًا وتأملني قليلًا وسرعان ما انتفض قائلًا: “قانون ماذا؟ ما هذه المجرد وغير المجرد يا رجل، أنت ستقول نعم للرئيس، يالله!” ثم رفع الدبوس طالبًا إصبعي، فأخرجت قلمًا من جيبي وأمسكته بيدي بطريقة تقول سأقترع بالحبر.

وجدت نفسي في مفاضلة سريعة بين لغمين، إذا أبطلت مفعول لغم عليّ؛ فسوف ينفجر لغم رئيس الفرع في وجهي دون شك، وإذا تقبلت انفجار لغم علي في وجهي؛ فقد (قد فقط) أتجاوز اللغم الثاني. دخلت الغرفة برأس يتصارع فيه لغمان.

في الغرفة، ارتاب بأمري الضابط الذي يجلس إلى الطاولة والعساكر من حوله. طالبٌ أكبر سنًا من بقية الطلاب بما يزيد عن عقد ونصف من الزمن، ويمسك بيده قلمًا بدلًا من الإصبع الموخوذة. ما كان من الضابط إلا أن سحب ورقة استفتاء ووضعها أمامي على الطاولة واضعًا كفه على دائرة الـ “كلا”، وما كان من “معارضتي” إلا أن تضاءلت إلى حد الرسو في المسافة الفاصلة، بين النعم “الحبرية” والنعم “الدموية”. “عارضتُ” بنعم حبرية وخرجت. ربما ظن ذلك الضابط أنني يمكن أن أختار غيرها. ربما خشي علي، أو خشي على نفسه في أرض الألغام الشاسعة هذه.

مقالات ذات صلة

إغلاق