تحقيقات وتقارير سياسية

يوم الأرض من منظور مختلف

 

حال يوم الأرض كحال المناسبات الأخرى التي يحيي ذكراها الإنسان العربي، سواء أكانت المرتبطة بالانكسارات أم المرتبطة بالنضال والتأكيد عليه. استعادة هذه المناسبة، في واقع اليوم المزدحم بجرائم الطاغية في دمشق على مدار الساعة، تجعل من ذكرى النكبة نكبات وكوارث على السوري، ومن يوم الأرض فظائع إبادة في التهجير والتطهير العرقي، بعد أن انتقل التضامن مع الأسرى إلى مذابح جماعية بحق المعتقلين، وتمددت (سايكس بيكو) إلى تقطيع أوصال المدن والقرى والعائلات، وصار يوم الطفولة والمرأة إلى استباحة مخجلة ومثقلة بالعار.

إحياء ذكرى يوم الأرض في الثلاثين من آذار/ مارس كل عام، داخل الخط الأخضر في فلسطين الـ 48، وفي الضفة والقطاع المحتلين، في الأعوام السبعة الأخيرة، ترافق مع حدث ضخم ممثل في كارثة الأرض السورية، فبينما يواصل الفلسطينيون إحياء يوم الأرض، بتأكيدهم على هويتها العربية ومواجهة سياسات التهويد والأسرلة، تتعرض الأرض السورية لحملة تدمير وإبادة لكل ما فوقها من بشر وحجر وأثر، مترافقة مع حملة تغيير ديموغرافي وتطهير عرقي للسوريين من أرضهم.

يعمل النظام السوري، منذ سبعة أعوام، على الاستفادة من عقلية المحتل بالسيطرة على الأرض وتطويرها، فهو ينظر إلى السوريين، في مناطق تمردهم على سياساته، على أنهم مجموعات بشرية مهزومة وراضخة، بالإمكان معها تطبيق مخطط التهجير والتعفيش وسلب الذاكرة، سياسة القمع والقتل والاضطهاد التي مورست على المنكوبين الفلسطينيين، هي ذاتها تُمارس على السوريين، بفارق أن هناك محتلًا إسرائيليًا يمارس الغطرسة ضد شعب آخر، بينما في نسخة الأرض السورية، نظام يستعين بقوة احتلال مزدوجة، لتطبيق فصل السطو على الأرض، بزخم يعطي للأول المبررات القوية لاستئناف الجريمة وتطويرها.

عندما يُعلن النظام المجرم في دمشق، رسميًا، خطته للأرض السورية مستعينًا بقوتي احتلال، ويقرر إعلان حرب اقتلاع وإبادة على السكان، وضرب وجودهم وتجنيد كل عصابات الأرض، لتنفيذ مهمات التهجير والتعفيش والتعذيب والإبادة، ويعلن عن تمسكه بسياسة التغيير الديموغرافي، فإن الذكرى السنوية ليوم الأرض الفلسطينية أو أي مناسبة أخرى، تأتي محاطة بهذه الضخامة من الجرائم والأجواء المشبعة بالفاشية التي تنهمر على السوريين وأرضهم. هناك يتذكر المنكوبون قرى وبلدات تم محوها من على الخريطة ليُحيي من تبقى من أبنائها معنى الانتماء والهوية، هنا يغيب من يروي معاناة الأرض من المحتلين الروس والإيرانيين وغيرهم، عملوا جميعًا على تقزيم مناسبات وتواريخ وشعارات ارتبطت بروزنامة النضال الوطني الفلسطيني، وإحالتها إلى المقارنة بين أثر الجريمة الأولى للمحتل، وآثار الجرائم المتتالية التي خطها الطاغية على الأرض السورية.

في محاولة للاستفادة من حالة الفاشية التي طغت على وضع النظام المجرم في دمشق، تُقرّ سلطات الاحتلال قائمة طويلة من القوانين والإجراءات العنصرية والعدوانية، تخص الأرض والمقدسات والإنسان والتاريخ الفلسطيني، ويتم تمريرها تحت ضجيج فاشية أسدية قدمت خفوتًا مؤقتًا لوحشية المحتل، أخبار الاستيلاء على عشرات آلاف الدونمات، وهدم قرى في النقب، ومشاريع بناء وحدات استيطانية وغيرها من ممارسات الاحتلال، يتم التغطية عليها بفضل مساعي نظام دمشق لتوفير وتائر متسارعة للتهجير والإبادة الشاملة، وضرب بنية السوريين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والديموغرافية، تبرز معها التقاء التصريحات والمواقف العربية والدولية، على انعدام التضامن مع مذبحة السوريين المستمرة، والذي شكل مظهرًا من مظاهر الاستفادة الكبرى للمحتل من وضع نظام الأسد.

لقد دفعت مجموعة من التغيّرات الدولية والإقليمية والعربية، حالة نضال السوريين مع الطاغية والصراع مع المحتل الإسرائيلي، إلى مرحلة جديدة، يمكن تلخيصها في التحرك نحو “تسوية” انتقالية، تفضي بقبول ما نتج عن وحشية المحتل، بالقفز والتغاضي عن سفاح السوريين. لا ينفع في كل ذلك الاحتفاء بالمناسبات وتذكرها، أو إحداث بيئة نضالية وإنسانية بمنظور مختلف، يكون فيها الطاغية هِراوة من هراوى المحتل المغتصب للأرض والإنسان والتاريخ.

 

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق