مقالات الرأي

“الإمبريانية” العالمية وسورية

 

لا يوجد مصدر يُعلمنا على نحو دقيق متى بدأت المؤامرة الإمبريالية على سورية، وتاريخ هذه المؤامرة، لكن، بشكل شخصي، أستطيع تذكّر ما عشته من فصول تلك المؤامرة الإمبريالية التي كانت ترتقي إلى مرحلة الحرب أحيانًا.

تصادفت ولادتي عام 1966 مع حركة شباط/ فبراير، في منفى داخلي وليس في مدينتي، حيث تعرض والدي لنقل تعسّفي نتيجةً لموقفه من حركة 23 شباط/ فبراير، فرأيت النور في مدينة (جاسم)، أقول هذا لأخبركم عن حياتي التي أمضيت نصف قرن منها في مقارعة “الإمبريانية”، كما كان يحلو لجدتي أن تنطقها، وأول الصدف التي رافقتني أو رافقتها بقية حياتي هي انحدار قيمة الليرة المستمر، ففي عام 1966، قررت الحكومة بخطوة مباركة في حربها على “الإمبريانية” أن تدمج البنوك التي أممتها عام 1963 بعد ثورة آذار/ مارس المجيدة (التي ينعم بثمارها الشعب السوري اليوم)، وهذا الدمج تم استكماله بتأسيس سلسلة من البنوك (المخلوفية): البنك العقاري والمصرف الزراعي وصندوق التسليف الشعبي والبنك الصناعي والمصرف الزراعي والبنك التجاري (وهنا أشير إلى جهلي بأنني لا أعرف لماذا تمّت تسمية بنك ومصرف وصندوق، علمًا بأن المال كله للقيادة الحكيمة)، حينئذ: عام 1966، كان يعرف صرف الليرة مقابل الدولار: الدولار الإمبريالي = 2.19 ليرة اشتراكية، كان راتب والدي حينذاك كمدرّس يُقارب ثمانين ليرة، وقد استطاع تلك الأيام أن يبني منزلًا حجريًا جديدًا، بدلًا من المنزل القديم الذي استولت عليه دائرة الآثار دون أي تعويض، وكان ذلك أول إنجاز لثورة آذار/ مارس، وحركة 23 شباط/ فبراير. في هذه الظروف الاشتراكية المضيئة والقاهرة للإمبريالية، كانت ولادتي كمقاتل شرس في صفوف الجيوش الاشتراكية اللينينية الماركسية الماوتسية الغيفارية.

الصدفة الثانية في حياتي كانت دخولي المدرسة مع قيام الحركة التصحيحية المجيدة (بعضهم يفضّل وصفها بالمباركة)، إذ أدى موقف والدي من الحركة إلى اعتقاله مرة جديدة مع مجموعة من رفاقه، وتمت إحالتهم إلى المحكمة التي ترأسها في ذلك الحين المناضل فهمي اليوسفي ابن معرة النعمان، ووصلت الأحكام إلى سجن البعض خمسة عشر عامًا، والدي كان محظوظًا للمرة الأولى والأخيرة في حياته كون المحقق كان صديقًا لأبناء عمه، وكان قد زار بيتنا وتناول “منسف المليحي” قبل شهور من الواقعة، فلم يُسجّل المحقق أقوالًا تدينه ليخرج والدي من التحقيق إلى المنزل، ويومها قال لوالدتي: لقد حكم سورية رجل سيُغرق سورية بالدماء، ولم يلبث والدي أسابيع قليلة حتى رحل في ريعان شبابه، على إثر احتشاء عضلة قلبية، كأول إنجاز حصلت عليه من إنجازات الحركة المجيدة المباركة والتي كانت محطة مهمة من محطات الحرب على “الإمبريانية” والتصدي للمؤامرة الكونية لتشكل عقبة كأداء في وجهة الصهيونية العالمية.

هامش أول: فهمي اليوسفي

ولد فهمي اليوسفي عام 1932 في معرة النعمان، وفي جامعة دمشق كان تخرجه من كلية الحقوق عام 1964، ليصبح محافظًا لطرطوس عام 1968، ومن ثمّ لحماة عام 1970، وليكون عضوًا في القيادة القطرية المؤقتة 1970، وفي القيادة القطرية الدائمة عام 1971، ثم في القيادة القومية، ورئيسًا لمكتب الفلاحين، وعضوًا في مجلس الشعب بصفة نائب، ثم رئيسًا للمجلس عام 1971 حتى 1975. وفي سنة 1976 عيّن نائبًا لرئيس مجلس الوزراء لشؤون الخدمات، وبقي كذلك حتى عام 1980، ليتقاعد عن العمل السياسي ويلتفت إلى العمل القانوني.

في مقابلة صحفية أجرتها معه جريدة “نضال الفلاحين” الصادرة في دمشق، يقول اليوسفي عن المرحلة التي سبقت ثورة آذار: “أنا ابن الريف، ولن أنسى تلك الصور التي شاهدتها في الريف، وعندما أتذكر تلك الصور أشعر بأني أعيش تلك المآسي التي عاشها ريفنا”. ويضيف الراحل في تلك المقابلة: “بعد خروج الاستعمار من بلدنا؛ بدأ نضال جديد، نضال ضد عقلية برجوازية إقطاعية، نضال ضد المتنفذين الذين يملكون زمام السلطة وزمام استغلال الفلاحين، نضال عنيف، كان شهداء عديدون، نضال لم ينقطع إلا بعد أن فجّر الحزب ثورة الثامن من آذار”. (انتهى الهامش).

الصدفة الثالثة في حياتي كانت زيارة “القائد الملهم التاريخي” لكوريا الشمالية، في أيلول/ سبتمبر عام 1974 والتي استلهم منها “سيادته” فكرة “طلائع البعث”، فكانت الصدفة مرة جديدة أني كنت مع أول دفعة في معسكرات الطلائع، وأول ما تدربنا عليه كان التصفيق، كنّا فرحين بالصفقة الطلائعية لدرجة أننا كنّا نصفق ونحن في الطريق أو الحمام، بل حتى ونحن نيام، وقد رافق هذه المنظمة لمدة تزيد عن ربع قرن واسمه الرفيق الطليعي “جدو” أحمد أبو موسى، ليورثنا في فترة لاحقة للمناضل التاريخي سعيد حمادي، حين انتقلنا من الطليعي إلى الشبيبي، وأهم سلاح تدربنا عليه في هذه المرحلة لمواجهة “الإمبريانية” العالمية هو الهتاف للقائد والتصفيق.

مطلع الثمانينيات، ومع اشتداد عودي واكتسابي “مهارات خاصة” من المرحلة السابقة، انتقلت إلى الوارث الجديد الرفيق الشبيبي سعيد حمادي، الذي كان بشخصه إنجازًا فريدًا من إنجازات الحركة التصحيحية، فقد كان في كل مرة يلقي فيها كلمة ينقل لنا فيها تحيات القائد الخالد الذي ما إن يتم ذكر اسمه حتى تلتهب أيدينا بالتصفيق، كمهارة مكتسبة من مرحلة الطليعي، هذه المرحلة كانت مليئة بالصدف، وأهمها الحرب على ذراع “الإمبريانية” المتمثل بالإخوان المسلمين، حيث قامت القيادة الحكيمة بمحاصرة مدينة حماة وتصفية بعض “الإمبريانيين”، وبحجتهم تم قتل واعتقال الآلاف من الأبرياء من “الإمبريانية”، ومنهم القوميون “الإمبريانيون”، والشيوعيين “الإمبريانيون”، والاشتراكيون “الإمبريانيون”، وكل من هو ليس بعثي، لأن البعث حينها كان حاصلًا على وكالة حصرية بمكافحة “الإمبريانية”، يومها كنت مع الرفاق في شوارع قريتنا، نتناوب على حراسة المدينة من هجوم مفاجئ من طرف الإخوان الإمبرياليين، وكان لهذه الفترة الكثير من الذكريات، حيث كنا نقوم بإزعاج الأهالي الإمبرياليين، بالاتصالات الهاتفية الليلية من هاتف شعبة الحزب القائد، ولكن الأجمل هو انتظار الخامسة صباحًا، كي نذهب إلى فرن القرية ونطلب منه صناعة المناقيش للإفطار مجانًا، أمر رائع أن تحمل البندقية في عمر الثامنة عشرة، وتشعر بأنك المسيطر على مقاليد السلطة، حيث تستطيع إيقاف أي سيارة في الشارع وتفتيشها تفتيشًا دقيقًا بحثًا عن أي شيء يشير إلى الإمبريالية أو المؤامرة الكونية، أو سبب من أسباب بقاء القطر على منعطف تاريخي ردحًا زمنيًا طويلًا، بينما القيادة التاريخية تسعى للخروج من هذا المنعطف، وأحد أهم الخطوات التي قامت بها القيادة حينذاك هي وقف الاستيراد، من أجل الحد من صرف العملة الصعبة، وهذا تطلب منا نحن -الرفاق البعثيين- أن نقوم بأداء مهام جسام، فقمنا بتنظيم الدور على المؤسسات الاستهلاكية لتوزيع الرز المصري والسكر الأحمر والشاي المتعفن ومناديل كنار، أما السمنة فقد كانت لطبقة القادة فقط، ومن يحصل على استثناء من القيادة الحكيمة التي اختص بعض قادتها في ذلك الحين بتهريب الموز والدخان والإلكترونيات من لبنان لمصلحة الأمن القومي الذي كان يُشرف عليه القائد الفذ الدكتور رفعت الأسد، ولم تكن صدفة التصدي للمؤامرة الداخلية بمناقيش الزعتر الصباحية وتنظيم دور المؤسسات الاستهلاكية فقط، بل كان هناك جزء خارجي من المؤامرة، وهو التصدي للإمبريالية الصهيونية العالمية في لبنان، حيث كان يقوم جنودنا البواسل بواجباتهم في إذلال الشعب اللبناني الإمبريالي وحماية ممتلكاته، عن طريق نقلها بالسيارات العسكرية إلى جبلة والقرداحة وبيت ياشوط من أجل حمايتها، وبعدها أعطت القيادة الحكيمة الأوامر بمحاصرة منظمة التحرير الفلسطينية الإمبريالية في بيروت، وطردها إلى طرابلس، ومن هناك نقلها إلى تونس وكل بقاع الأرض، بعد القضاء على عدد كبير من الإمبرياليين الفلسطينيين في تل الزعتر، كل ذلك كنّا نقوم به غير مهتمين بطائرات العدو الصهيوني التي كانت تقصف قواتنا محاولة ثنيها عن واجبها القومي في لبنان، في مطاردة المنظمة الفلسطينية وتلقين الشعب اللبناني دروسًا في الوطنية والاشتراكية (هو اللبناني ذاته الذي يقف اليوم مع حكومة دمشق الرشيدة، والفلسطيني ذاته الذي يدعم اليوم سورية قائدًا وجيشًا، بعد أن أدرك أن طرده من لبنان كان قرارًا تاريخيًا صائبًا من طرف قيادتنا الحكيمة آنذاك).

منتصف الثمانينيّات، كنت قد أصبحت رجلًا حقيقيًا مسلحًا بالفكر والعقيدة الوطنية والقومية، وخضت كل ما سبق من تجارب، وأصبح من الواجب الانخراط في المعركة، للذود عن الوطن ومكتسبات الحزب العظيمة، فكان التطوع في الكلية الحربية، وكنت أحلم بسلاح المشاة كجندي حقيقي أواجه العدو وجهًا لوجه، لكن الصدفة لعبت دورها من جديد، فبعد مضيّ خمسة شهور على تواجدي كطالب ضابط مشاة، كان الأمر بنقلي إلى الدفاع الجوي بدلًا من أحد المنقولين منها إلى كلية المشاة، ربما كان مزودًا أكثر مني بالفكر والعقيدة أو له أقدمية بالحزب مثلًا. بعد التخرج، لم يطل الوقت كثيرًا حتى كانت الصدفة الجديدة، وهي قرار القيادة الاشتراكية الحكيمة المشاركة مع القوات الاشتراكية الأميركية في حربها على الإمبريالية العراقية، بعد فترة طويلة من التعاون مع القومية الفارسية لبناء القومية العربية والمساهمة الفارسية، في كتابة الرسالة الخالدة وبعث العروبة من جديد، لكني وبعض الرفاق رأينا أن الحرب على الإمبريالية العراقية ستقدمها هدية للفرس، وكان أن فعلت التربية الوطنية والقومية فينا مفاعيلها؛ فأصدرنا نشرة سرّية ترفض الحرب على العراق، واتفقنا على نشرها في مدننا وقرانا، ولم يمض أسبوعان حتى تم إلقاء القبض علينا جميعًا، ولكن بتهم مختلفة توزعت بين الرشوة واللواطة والسرقة، فالقيادة الحكيمة كانت لا تقبل بمعاملتنا كند سياسي لها، فهذا تحقير لها وتعظيم لنا، وخاصةً أن الشعب ذلك حين كان يميل إلى رأينا وقناعاتنا، ثم إن هذه التهم تخدمها، حيث المجتمع بطبيعته يرفض اللواطة والرشوة والسرقة.

كنت في زنزانة منفردة في سجن المزة التابع للمخابرات الجوية، حين فُتح باب الزنزانة بعد منتصف الليل، لأستقبل شخصًا لبنانيًا أخبرني بأن القوات السورية تُحاصر ميشيل عون، ليهرب بعدها بلباس النوم إلى السفارة الفرنسية، ثم يعود اليوم بلباسه الرسمي وربطة العنق رئيسًا للبنان وحليفًا صنديدًا لمن طرده بالأمس من لبنان، وعلى دماء آلاف السوريين واللبنانيين، معركة عون التي قصفت فيه مؤخرة الجيش السوري مقدمته، فارتقى المئات من خيرة ضباط الجيش، ومنهم أصدقاء كثر لي.

ربما أُتيحت الفرصة لي قريبًا أن أكتب لكم عمّا تبقى من صدف صنعت حياتي، وهنا أتكلم عن جيل كامل عاش في سورية، بين الأعوام 1970 و2017، أُرغم على مقاومة “الإمبريانية”.

مقالات ذات صلة

إغلاق