مقالات الرأي

وأنا أيضًا ضد العنف والقتل… أما بعد؟

 

قضايا كثيرة دار حولها النقاش والسجال، خلال السنوات السبع الماضية من عمر الثورة السورية، وسيستمر مع استمرارها، وها نحن ندخل العام الثامن لأعظم الثورات المعاصرة، وأكثرها تعقيدًا، ويتزامن هذا العام مع تصاعد وتيرة البطش الوحشي ضد السوريين، من الغوطة إلى درعا وإدلب ومحيط دمشق (القدم ومخيم اليرموك).

أكثر الموضوعات أهمية التي أثارها مسار الثورة، منذ شهورها الأولى، هو سلمية الثورة، ونبذ عسكرتها، ورفض ذلك الخيار من السوريين البسطاء الذين انخرطوا في الاحتجاجات أولًا، وكذلك من النخب الثقافية والفنية والأدبية والسياسية، على مختلف اتجاهاتها. والطبيعي تمامًا أن كل إنسان عاقل، في داخله ضمير يقوم على تمجيد الحياة ويدافع عنها، سوف ينحاز ضد القتل والعنف الذي يدمر حياة الناس، ويرسل الجثامين إلى المقابر. غير أن هذا القول، حين يبقى مجردًا عن الواقع ومعطياته، يصبح، في أفضل الأحوال، كلامًا يساوي قائلوه بين القاتل والقتيل، بين الضحية والجلاد، وربما يصل بعض من يقول هذا الكلام إلى الانحياز للقاتل ضد القتيل، أي إلى جانب الجلاد.

على مستوى التمنيات، النابعة من القيم الأخلاقية لبني البشر، لا أحد، سوى المشوهين أخلاقيًا، راودته الرغبة في تحوّل سورية إلى مقتلة للبشر، وجعل أرض البلاد مقبرة لمئات الآلاف من السوريين. أما وأن الواقع قد تطور فيه الصراع على نحو تراجيدي فظيع، ولم تستطع كل الخطابات الداعية إلى السلمية، في خوض المواجهة، تغيير المسار أو منع اندفاعه إلى السفح الدامي والمدمر، تصبح مهمة النخب الثقافية وسواها وضع النقاط على الحروف، ومعاينة كل المقدمات التي أسست للعنف الوحشي في عموم سورية. وعندما يستحيل “إخراج الواقع، وفق الصورة التي في رؤوسنا”، فعلينا أن “نُخرج رؤوسنا -أي أفكارنا- من الواقع”، طالما عكس ذلك وهم وخيال.

أما المسألة الخطيرة في “الخطاب السلمي” فهي أنه كان يتصاعد مع كل ازدياد في همجية السلطة ووحشيتها، بما ينطوي عليه هذا التصاعد من تحميل الثورة، بقصد أو دون قصد، مسؤولية الصراع المسلح الذي بدأه النظام في الأيام الأولى للثورة. ولا شك أن ظهور القوى “الإرهابية” القاعدة ثم (داعش) والنصرة وتفريخاتهم، زاد الوضع تعقيدًا على الثورة والشعب، وكان من واجب النخب العلمانية والمدنية الديمقراطية إقامة الحدود الواضحة بين الدفاع الشعبي الثوري، ضد هجمات الأدوات القمعية الفاشية لسلطة الاستبداد، وبين ما فعلته القوى الإرهابية من تجذير للعنف الوحشي، متناغمة مع ما تسعى له بالسلطة الفاشية وحلفائها الطائفيين (حزب الله والحرس الثوري وسواهما).

كان على أصحاب النيّات الطيبة من دعاة السلمية أن يقدموا الدليل الملموس عن إمكانية استمرار الاحتجاجات السلمية، في وقت امتلأت فيه شوارع المدن والبلدات بجثامين المتظاهرين السلميين، الذين بصدورهم العارية وأياديهم العزلاء واجهوا الدبابات والرشاشات، واستخدموا فقط سلاح الصوت المندلع من حناجرهم. أم أنهم في دعواتهم هذه كانوا يسددون الاتهام لحسين هرموش وأبو فرات، ومئات الجنود والضباط الذين رفضوا توجيه الرصاص لصدور أهلهم. لقد بدأت رواية الجريمة في سورية من أطفال درعا، وقتل الطفل حمزة الخطيب، ومن حنجرة القاشوش، وأصابع علي فرزات، والورود التي حملها غياث مطر لينثرها على الجنود، ليقول لهم ما لا يستحقونه بلغةٍ، لم تدربهم عليها مؤسسات القمع التي حضرتها السلطة، على امتداد أربعين عامًا من حكم آل الأسد. ويتناسى المتشبثون بخطاب “السلمية”، عند كل تصاعد بالبطش الدموي، أو ينسون، أن فنانات وأديبات وناشطات ومثقفين وكتّابًا وحقوقيين، تعرضوا للتنكيل فقط، لأنهم انخرطوا بالاحتجاجات إلى جانب أبناء شعبهم، ولم يعد بمستطاعهم القيام -سلميًا- بالتعبير عن مطلب الحرية في الشارع، ولم يذهبوا إلى حمل السلاح مع البسطاء من الشعب ومئات الجنود المنشقين، ومن استطاع منهم مغادرة البلاد، تابع نضاله من المنافي، ومن لم يستطع، أو لم يرغب، يقبع اليوم في السجون الفاشية، أو غيِب وبات مجهول المصير، وفي أحسن الأحوال، مكتوف اليدين داخل سورية، ولا يستطيع فعل شيء يذكر، في مواجهة الوحشية القاتلة للحلف الدولي الذي يفتك يوميًا بالشعب السوري.

ضمن هذه الدراما المكتوبة بالدم وأشلاء الضحايا، يأتيك من يهمس أو يقول بصوت واطئ: كان على الثورة أن تعرف الطبيعة الوحشية القمعية للسلطة، وتتعامل مع الواقع على هذا الأساس! لكن كيف؟ لم يقل هؤلاء ماذا كان على الشعب أن يفعل، بعد أن نزل إلى الشوارع بعفوية، ووجد نفسه في مواجهة القتل والبطش؟ هذا المنطق مؤداه قبول الاستسلام للسلطة الطاغية، لتجنب المزيد من القمع والقتل السافر. لكن الشعب السوري، وبالعفوية ذاتها التي هبَ انطلاقًا منها، انطلق للدفاع عن مطلبه بالحرية، ودفع وسيدفع ثمنًا باهظًا، دون أن تراوده فكرة الاستسلام.

أعتقد، ولدي شبه يقين بأنني أغرد خارج سرب أصحاب الخطاب “السلمي المقدس”، أن مشكلة الثورة السورية -أو قُل معضلتها المركبة- لا تقوم على اضطرارها إلى حمل السلاح دفاعًا عن هدف الحرية، إنما في عفويتها التي جعلتها دون قيادة، وما كان انتظار ولادة قيادة للانطلاق بالثورة أمرًا واقعيًا ومتاحًا، ولا هو متناسب مع منطق التاريخ. عند هذا الحد، أقول إن عسكرة الثورة تلقائيًا وعفويًا جعلت الثمن غاليًا جدًا، وأعني بهذا أن ضعف العسكرة -المنبوذة- لدى من يقدسون مصطلح “السلمية”، هو معضلة الثورة وليس العسكرة بحد ذاتها، بمعنى أن تنظيم المقاومة المسلحة، وتوفير شروطها تكنيكيًا وتكتيكيًا، كان هو العامل الغائب عن الثورة، في مرحلة المواجهة المسلحة مع سلطة العصابة الفاشية. لكن طالما أن الشعب السوري لم يستسلم، فهو أمام خيار وحيد، للوصول إلى أهدافه، وهو خيار صعب، وكتبت عنه يومًا وأطلقت عليه، خيار: “تغيير الأحصنة خلال عبور النهر”.

في الخاتمة، أعود إلى تأكيد مناهضتي للعنف والقتل، لكن الشعب، وهو يدافع عن حياته وأهدافه بالحرية، من حقه أن يدرأ بطش الفاشيين الطائفيين، بالسبل الممكنة والمتاحة، ولا يتحمل المسؤولية عن تداعيات الصراع على هذا النحو المرير، وفي المختبرات فقط يمكن لأصحاب تقديس السلمية أن يشيدوا ثورة بيضاء على الورق.

كل التحية لأعظم ثورة في العصر الحديث ثورة الشعب السوري. نعم لا زالت ثورة.

مقالات ذات صلة

إغلاق