هموم ثقافية

معهد العالم العربي بين غياب العرب أو تغييبهم

 

كانت الآراء حول رسالة معهد العالم العربي وطبيعة وغاية نشاطاته الثقافية التي عبّر عنها المثقفون العرب الذين التقاهم إدغار بيزاني، خلال الاجتماعات الخاصة في تونس، ثم أولئك الذين التقاهم بالقاهرة وبعمان، تقف كما سبق القول على طرفي نقيض، من تلك التي كان السفراء العرب يعبرون عنها في اجتماعات المجلس الأعلى أو مجلس الإدارة في المعهد، أو حتى في لقاءاتهم الفردية مع رئيس المعهد حول ما يراه كل منهم باسم بلده. وعلى أن الاجتماعات الثلاثة الخاصة والمغلقة كانت سهلة التنظيم، كان تنظيم الاجتماع الذي أراد عقده في دمشق أمرًا يمكن أن يقترب من الاستحالة!

كان إدغار بيزاني قد تلقى في منتصف عام 1994، دعوة رسمية من وزيرة الثقافة، إثر انتهاء معرض (سورية، ذاكرة وحضارة) الذي امتد تقديمه في المعهد بين 13 أيلول/ سبتمبر 1993 حتى نهاية نيسان/ أبريل من العام التالي، لشكره أولًا على النجاح الهائل الذي حظي به هذا المعرض في فرنسا، والذي استقبل أكثر من أربعمئة ألف زائر من جهة، ولتقليده ثانيًا وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، الذي صدر بمنحه له مرسوم من رئيس الجمهورية آنئذ، من جهة أخرى.

أراد إدغار بيزاني أن تكون الرحلة إلى دمشق بهذه المناسبة خاتمة رحلات ثلاث متوالية، تبدأ أولاها بالقاهرة ثم الثانية بعمان، من أجل الاجتماع بمثقفي البلدان الثلاثة في كل منها، إلا أنه بخلاف هاتيْن العاصمتين اللتين كان هدف الرحلة الوحيد إلى كل منهما يقتصر على اللقاء بالمثقفين، كان هدف الرحلة إلى دمشق في المقام الأول تلبية الدعوة الرسمية. فلم يكن ثمة بدٌّ، والحالة هذه في الحقيقة، من إخطار الجهة الداعية برغبة رئيس المعهد وعزمه تنظيم لقاء مع عدد من المثقفين السوريين بصورة شخصية وخاصة، ضمن اجتماع مغلق، يُعقد في مكان لا صفة رسمية له فرنسية أو سورية.

أعلمتُ وزيرة الثقافة مفصّلًا بهذه الرغبة: أسبابها، وهدفها، وغايتها، وكذلك بأن اجتماع دمشق، سيسبقه اجتماعان مماثلان في كلٍّ من القاهرة وعمان. أعلمتها –أيضًا- بالطبيعة الخاصة لمثل هذا الاجتماع المغلق الذي يمكن أن يعقد في قاعة ما بفندق ما، فجاء جواب الوزيرة بالترحيب، وطلبتْ تزويدها بأسماء المثقفين الذين ننوي دعوتهم. فأرسلت لها قائمة بالأسماء التي كنت اقترحتها على رئيس المعهد. عرضت الوزيرة آنئذ أن يتم عقد الاجتماع بالقاعة الشامية في المتحف الوطني بدمشق. وسرعان ما أدرك إدغار بيزاني الغاية من هذا الاقتراح مبتسمًا: “يريدون الاستماع إلى ما نقول. لا بأس، ليكن. ليس لدينا ما نخفيه!”.

أعلمت الأصدقاء المدعوين إلى الاجتماع واحدًا بعد الآخر، وبدأنا رحلتنا الثلاثية إلى القاهرة، إلا أننا غداة وصولنا إلى عمان، فوجئنا بسفير فرنسا في سورية قادمًا إلينا على عجل، كي ينقل إلى علم بيزاني قرار إلغاء الاجتماع المقرر مع المثقفين بدمشق. بدا للتوّ واضحًا أن الدوائر الأمنية السورية انتهت إلى عدم الموافقة على عقد مثل هذا الاجتماع، وأنها طلبت من الوزيرة بكل بساطة إلغاءه. كانت ردة فعل بيزاني السريعة، أن بوسعنا الاجتماع كل يوم مع عدد من الذين دعوناهم، خلال أيام إقامتنا الثلاثة صباح كل يوم. كان الجناح الكبير، الذي خصص لإدغار بيزاني في فندق الشام، يصلح لاستقبال الضيوف والأصدقاء؛ ومن ثم، فقد قمتُ بدعوة كل من كان على استعداد للقاء رئيس المعهد على الفطور، في اليوم المخصص له. كان في مقدمة من استجاب إلى هذه الدعوة الدكتور بديع الكسم، وأديب اللجمي، ونبيل المالح، وأنطون مقدسي وآخرون. أما الوزيرة فقد استوقفتني، وهي تستقبل مدعويها إلى حفلة تقليد وسام الاستحقاق بإحدى قاعات الاستقبال في فندق الشام، كي تخبرني في لهجة أقرب إلى التأنيب، أنها دعت إلى الحفلة جميع من أردتُ دعوتهم إلى الاجتماع، وهو ما كان يعني بوضوح أن هذا أقصى ما كان بوسعها أن تفعله. كما لو أن لقاء مجاملة أثناء حفل استقبال كان يمكن أن يحقق الغاية المرجوة من الاجتماع المُلغى!

كان الحرج شديد الوضوح، بقدر ما كان -أيضًا- شديد البلاغة. وكان –كذلك- رسالةً عرف إدغار بيزاني محتواها، من قبل، عبر السفراء العرب، تقول له ما الذي يمكن أن ينتظره من الأنظمة العربية، على اختلاف اتجاهاتها ورؤاها وموقع الثقافة في خططها، من أجل تطوير معهد العالم العربي.

ذلك أن “عقدة النجار” كانت تقوم هنا، في هذا التناقض الذي كشفت عنه محاولة بيزاني. لن يتمكن هذا الأخير من تجاوزها أو التغلب عليها، لا سيما أن الزمن وقف حائلًا بينه وما يريد. إذًا ما إن حل جاك شيراك محل فرنسوا ميتيران في الإليزيه، حتى طلب الرئيس الجديد إلى بيزاني الاستقالة من رئاسة المعهد. كان ذلك يعني بوضوح شديد أن رئاسة المعهد لا يمكن أن يتولاها إلا من يختاره رئيس الجمهورية الفرنسية شخصيًا. وكان من اختاره هو أحد نوابه المنتخبين حين كان عمدة مدينة باريس: كميل كابانا.

وشأن أسلافه من الرؤساء، سرعان ما اكتشف الرئيس الجديد مشكلة المعهد المالية وميزانيته النظرية التي تعتمد على كامل الإسهام المالي للدولة الفرنسية، أي نصف ميزانية المعهد، وعلى ما يقارب 15 بالمئة الذي يتم تسديده فعليًا من النصف الباقي الواقع على عاتق الجانب العربي! فكان أن صرف همَّه إلى حل المشكلة المالية، تاركًا للمدير العام، العربي، آنئذ أن يتولى الشأن الإداري والثقافي.

لم تتح الفرصة الزمنية أمام إدغار بيزاني كي يقنن أسس وعناصر هذه الشراكة الفرنسية/ العربية التي أقامها، سواء على صعيد البرمجة الثقافية أو على صعيد تقاسم المسؤوليات في تنظيم العمل، بما في ذلك الشراكة الحقيقية بينه كرئيس يمثل فرنسا والمدير العربي الذي يمثل العالم العربي (وكان من المغرب حينها)، من خلال إعادة النظر في النظام الأساسي للمعهد. وعلى أن هذا المفهوم كان لا يزال قائمًا على أرض الواقع مع مجيء الرئيس الجديد، إلا أن غياب التقنين أتاح الفرصة لتوجيه هذه الشراكة منذئذ في اتجاه آخر، بدأ بتحديد مساره المدير العام ذاته الذي استعاد صلاحياته (بعد أن كان الرئيس السابق قد جرده منها في الأشهر الأخيرة من ولايته) بفضل الرئيس الجديد. كان هذا الأخير قد وضع نصب عينيه ألا يقوم بينه والمدير العام أي خلاف، على غرار ما حدث قبل وصوله. هكذا استعيدت عقدة النجار مجدّدًا: فإذا كان الخلاف على مفهوم الشراكة الفرنسية العربية على طرفي نقيض بين السفراء العرب من جهة، والمثقفين العرب من جهة أخرى؛ فقد جاء المدير العام العربي، وفي ولايته الثانية تحديدًا، لا ليتبنى فهم السفراء العرب لهذا المفهوم، بل ليعيد تأويله لصالح الدولة التي ينتمي إليها، والتي تبنت منذ البداية اعتماده مديرًا رسميًا، بعد أن عين بصورة مؤقتة من قبل الرئيس السابق في بداية الأمر. إذ إنه بدأب وعناد، قام بتغيير التوازن تدريجيًا على صعيد التنظيم الإداري؛ بحيث أمكنه قبل نهاية ولايته أن يقدم تقريرًا عيانيًا لرئيس الوزراء المغربي عام 1999، عبد الرحمن اليوسفي، عند زيارته المعهد، حين قدم له كافة موظفي المعهد من رعايا المملكة المغربية حصرًا، مشدّدًا على المسؤولين منهم: مدير المتحف والمعارض، مدير النشاط الثقافي، مسؤول الندوات الأسبوعية، مدير مركز تعليم اللغة العربية، أي كافة فعاليات معهد العالم العربي الثقافية التي وضعها حصرًا بين أيدي موظفين ينتمون إلى جنسية عربية واحدة، من أصل 22 جنسية، وذلك قبل انتهاء ولاية المدير العام المغربي. كان هذا المشهد وحده يكفي لبيان انحراف طريق الشراكة الذي كان يفترض بالمدير العام العربي أن يكون أول من يحرص عليه، بصفته يمثل العرب جميعًا، لا الدولة التي يحمل جنسيتها وحدها!

لذلك، وبعد مغادرة المدير العام المغربي، حرص رؤساء المعهد على التوالي على الحدّ من صلاحيات المدير العام إلى درجة الحيلولة دونه ودون الاستقلال عن الرئيس، باتخاذ أي قرار يتعلق بتعيينات جديدة أو تسميات في مواقع المسؤولية. وكان لا بد من انتظار سنوات قبل العودة إلى ضرب من التوازن على صعيد التنظيم الإداري، جاء نتيجة تقرير تفتيش مالي أولي، ما لبث أن استدعى التوسع بحملة تفتيشية واسعة أدت إلى تسريح مدير المتحف والمعارض، وإنهاء خدمات مدير مركز اللغة العربية في المعهد، وقبول استقالة مدير الإدارة والمالية.

ضرب من التوازن فرضته الضرورة في البداية لا السياسة؛ لكن هذه الأخيرة ستحتل الأولوية، وستسير في درب آخر كليًا، مع وصول فرنسوا هولاند إلى قصر الإليزيه، وقيامه بتعيين جاك لانغ رئيسًا للمعهد، على الأقل في الصيغة التي نشهد تطورها وترسيخها منذ خمس سنوات. وهي الصيغة التي اعتمدت، تحت وطأة الضرورة، في سنوات المعهد الخمس الأولى، والتي اقتصرت خلالها مسؤوليات تخطيط وتنفيذ النشاطات الثقافية، ووضع أسس بنيان المعهد الرئيسة على الفرنسيين وحدهم. صحيح أن الرئيس الأول للمعهد قد أحاط نفسه بلجان ثقافية استشارية، فرنسية وعربية، في مختلف الاختصاصات، إلا أن هيكل البناء الوظيفي لم يكن على صورتها. كان العالم العربي كلي الحضور -مع ذلك- في متابعة سياسة المعهد والإشراف عليها، من خلال المجلس الأعلى ومجلس الإدارة. لكننا الآن نشهد عودة إلى هذه الصيغة الأولى، في غياب كليّ للعالم العربي الذي استغرقته، بل عطلته منذ عام 2011، هموم الانفجارات الثورية وما تلاها من اضطرابات وحروب في مختلف البلدان العربية. وكان من نتيجة هذا الغياب، تغييب يكاد يكون كليًّا للشريك العربي، على صعيد التخطيط والتصميم والتنفيذ؛ إذ ضمن سياسة الحدِّ من سلطات المدير العام، ألغي منصبا المدير العام المساعد، الفرنسي للشؤون الإدارية والمالية، والعربي للشؤون الثقافية، وحلَّ محله منصب سكرتير عام ألحق برئيس المعهد حصرًا؛ كما امتد تغييب الشريك العربي إلى المناصب الخاصة بمختلف إدارات النشاط الثقافي.

ومن هنا التساؤل: هل بتنا الآن، في غياب العالم العربي على الصعيد الرسمي، وفي تغييب العرب -كطرف أساس في شراكة العمل اليومية- أمام معهد فرنسي للعالم العربي؟

مقالات ذات صلة

إغلاق