أدب وفنون

فصل آخر من الجنون

 

يبدو أن قصة الحجاج انتهت. لكن قصة عبد الله لم تنته بعد!

كل ما رواه عبد الله سابقًا، إنما رواه على ذمته وعلى مسؤوليته.

وعاد عبد الله إلى ساحة المدينة، في نهاية فصل آخر من فصول الحرب، التي توافقت مع نهاية فصل آخر من فصول العمر، الذي لم يستطع -على ذمته- حتى الآن أن يصل به، ولا بهذه المدينة إلى زمن مناسب أو حال مناسبة.

وعلى ذمته، وعلى مسؤوليته، روى أنه عندما رآها -هذه المرة- لم يستطع أن يتعرّفها، لم يستطع أن يطابق بين التي احتفظ بها في ذاكرته وهذه التي رآها، وقال عبد الله: لم أر مدينة! رأيتُ حطامًا خالصًا، واحدًا من مخلفات جنون السلطة، الذي لم أكن لأصدق أنه ما زال قادرًا أن يفعل كل هذا الجنون.

عبد الله عاد أو جاء أو وصل أو حطّ أو هبط منتصف الساحة العامة، وجعل يحدّق باحثًا عن الأمكنة، لكنه لم يستطع أن يرى مكانًا، ليس ثمة غير الخراب والضباب. مشى على أنقاض أحزانه المتطاولة، وشعر هذه المرة بأنّ رأسه لم يعد ثابتًا بين كتفيه بما فيه الكفاية، وخاف أن رأسه يمكن أن يسقط في أي لحظة، من تلقاء نفسه دونما حاجة إلى حجّاجين ولا سيافين.

رِجلا عبد الله تتمشيان بين أنقاض الحجارة، وعقل عبد الله يتمشّى هو الآخر بين أنقاض التاريخ، أنقاض حجارة كانت -حتى حين قريب- بيوتًا تحتضن بشرًا من لحم ودم وأحلام، وأنقاض تاريخ هو دائمًا تاريخ أسود من غرائب وعجائب وأساطير، طالما حزّمت عقول أصحابها بصفحات معلوكة بأنياب حاكمين… يتمشّى على الأنقاض التي خلقتها سيوف حجاجين كثر، ورجالات سياسة وأوهام وثارات وقداسات وشعارات وأوهام ثورات وثائرين.

أنقاض على أنقاض على أنقاض، من كل شكل وصنف وطعم ولون وموت، لم يكن هناك أي نبض لقلب الحياة، خلا نبضات خافتة ما زالت تنوس في صدر عبد الله الحزين.

قال عبد الله ما لم يرد أن يقوله من قبل: يا للتعاسة! عندما لا تستطيع الثورات إلا أن تفعل ما لم يستطيع أن يفعله أيّ حجاج عنيد. يا للشقاء! عندما الثورات تستنبت الطغاة، والطغاة يسخرون من الثورات ويستحدثون الموت والتقنيات.. يا للشقاء!

بعد أكثر من ساعة دوران وهلوسة وحلقات مفرغة، استطاع أن يجد صرح المتحف الوطني الكبير. في الحقيقة الصرح الكبير هو الوحيد الذي لم يتهدّم تمامًا، بدا أحسن حالًا من سواه، فما زال متماسكًا رغم كل ما يحيط به من هياكل مثقبة متهالكة خاوية على عروشها.

ثمة رجل ملثّمٌ يجلس على الرصيف، الرصيف نفسه، والحائط نفسه، والصرح الوطني نفسه، اقترب منه إلى أن حاذاه، نظر إليه: لم يكن الرجل هو الحجاج، ولم يكن النسخة الثانية ولا حتى الثالثة، وقف يحدّق على كثير من الأسئلة التي شرعت تمدّ قرونها إليه، الغريب أنّ الغريب كان يلبس طقمًا كحليًا، ويعقد ربطة العنق، ويستند إلى جدار من الفسيفساء، عيناه كانتا حائرتين، من زمان لم ير عينين حائرتين كهذه الحيرة! وفي اللحظة التي فتح فمه ليتكلم، ليقول أي شيء، بادره الغريب، الغريب أن الغريب هو الذي بادر عبد الله بالكلام:

–  تعال.. تعال! ألست عبد الله؟

–  أووووه! كيف عرفت؟

– لا تسأل، كم مرة فقدت رأسك إلى الآن؟

– لا أعرف، في كل مرة كنت أفقده، كنت أعود أبحث عنه، فأجده بعد لأي طويل، ثم أعود فأفقده، وهكذا… يتعدد السقوط بتعدد تقلبات الفصول والحاكمين.

– لكن ما زال اسمك هو اسمك، أعني عبد الله!

– هذا صحيح تمامًا، لكني في أقرب فرصة سأغير هذا الاسم! ليس لأني لست على وفاق مع الآلهة، فأنا سلّمت من زمان أنها ليست معي وليست ضدي، بل لأني لست على وفاق مع فكرة أن أكون عبدًا لأي أحد، لم أعد أحتمل ذلك! وانتبه عبد الله أنه استرسل أكثر مما يجب، وأن الرجل الغريب كان يكشّر وهو يستمع إليه، وحين صرخ الغريب بصوت غريب: توقّف توقّف! هذا جنون! انتبه.. وقف شعر رأس عبد الله، كشعر قنفد، حين سمع صوت الرجل، فقد عرفه من صوته!

– أنت؟؟؟

نظر الرجل نحو عبد الله، وتفرّس فيه لحظةً، كأنه بدوره فوجئ، ثم تساءل بدوره:

– أنت؟

– أنا تمامًا أنا.. لكن هل أنت هو أنت؟

– تمامًا أنا هو أنا!

– معقول أن تكون أنت هو أنت؟

فردّ مباشرة:

– ومعقول أن تكون أنت هو أنت؟

– أما أنا فمعقول، وهذا رأسي، كما ترى، ما زال في مكانه رغم كل شيء!

وقال عبد الله: عندئذٍ تركت لعينيه الحريّة أن تتوقفا ناظرتين إلى الثوب البالي الذي ألبس، مثلما ترك هو لعينيّ حرية أن تتوقفا ناظرتين إلى الطقم الكحلي الثمين الذي يلبس، فأقارن ويقارن! ونصل كلانا إلى قناعة تبقى طيّ الكتمان! في الحقيقة كنت أريد أن أسترسل كثيرًا. لا أنفي أن رغبة جامحة تملّكتني في أن أسمع وأتكلم أكثر، أن أُنزل عن ظهري بعض حملي الثقيل، لكني في الحقيقة لم أفعل، ربما لشعور دهمني بعدم الجدوى، أو ربما لا أعرف لماذا.. لذا اكتفيت بما رأيت، ثم أدرت ظهري ومشيت لا أعرف إلى أين!

وما زلت أمشي لا أعرف إلى أين!!

 

*اللوحة للفنان السوري طلال أبو دان

مقالات ذات صلة

إغلاق