هموم ثقافية

ضـفادع أريـستوفانيس

 

صرخ زبيجنيف هيربرت في قصيدته (مدينة عارية): “هل هناك شعراء؟ شعراء صامتون! هناك أرتال من الجيوش وثكنة صاخبة في الضواحي، وهناك أيضًا كلاب، كلاب تتضور من الجوع وتنبح”. أي مدينة هذه التي تستبدل الشعر بالأحذية العسكرية؟ ومن طرد الشعراء من بيوتهم؟ وإذا كان مُمْكِنًا الإفصاح عن موتهم، فهل آن الأوان كي نرتد معرفيًا إلى اليوناني أفلاطون، لنتحدث عن كيف نكلل رأس الشعر بالغار، ومن ثم نخرجه من المدينة؟

لا نعتقد أن هذا الفيلسوف طرد الشعراءَ من مدينته إلا لسببين: أولهما أن الشعر استوطن قلبه وبات ضرورة ملحة، أما ثانيهما فإن أكبر عدو لهذا الفن هم الشعراء أنفسهم! ربما يمكننا توصيفهم بالمسوخ الكريهة، أو بـ (الضفادع) نسبة إلى مسرحية أريستوفانيس؛ لأنهم ابتعدوا عن جوهر الطفولة وأضاعوا مفاتيح المستقبل، لذلك لم تعد ثمة جدوى منهم، إذ خانوا التراجيديا، مثلما اكتفوا بتشغيل الضغينة في ما بينهم، حتى إنه لم يتبق غير الإله ديونيسيوس يدق أبواب مملكة الجحيم هاديس باحثًا عن يوريبيديس، بعد أن خلت اليونان من أي شاعر تراجيدي.

للوهلة الأولى، سنظن أن ذلك الإله سيلقى تعاطفًا من قبل بلوتو ملك هاديس، ويعود بمعية يوريبيديس، ولكن يا لوطأة الضحك، لقد قادت الضغينة كل الشعراء وشوهتهم جميعًا؛ إذ يفاجئ هذا الإله بمعركة كبرى بين شاعره المفضل والشاعر أيسخولوس، حول من سيتربع على عرش التراجيديا، أما ما يبعث على الضحك، فهو انتصار أيسخولوس على يد أريستوفانيس، وهكذا ظل الباخوسي ديونيسيوس بلا مأساة يقولها الشعراء، وعلى العكس فقد آن أوان السخرية والتهكم، وعلينا أن نعترف بأن هؤلاء الشعراء أبعد ما يكونون عن تلك المسوخ الكريهة التي تحدثنا عنها سلفًا، فعلى الرغم من الصور الضاحكة والكوميدية التي أخرجهم عليها صاحب مسرحية (الضفادع) ظلت أسماؤهم عالقة في مدونات التاريخ، لأنهم كانوا من الكبار، ومن الغابرين الذين كان الفيلسوف اليوناني مريدهم، كي يتسنى له فيما بعد، فلسفة الشعر والمسرح بخاصة، فمن تكون إذن تلك المسوخ من الشعراء الذين نرنو التحدث عنهم في هذا المقام؟

إنهم هنا، يعيشون بيننا في فاتحة القرن الحادي والعشرين، فمنذ الإعلان عن الدورة الأولى لأيام قرطاج الشعرية التي تجري فعالياتها، هذه الأيام من شهر آذار/ مارس، بالتوازي مع تدشين أكبر مدينة ثقافية على مستوى أفريقي في تونس، ابتدأت معركة الشعراء القائلة بمن سيتزعم تلك الدورة، ومن سيتم تشريكه، ومن سيتم إقصاؤه، ومن سيقوم بدعم هذه الدورة ماليًا ولوجستيًا، وأي قصيدة سيتم الانتصار لها، من العمودية إلى قصيدة التفعيلة وصولًا إلى قصيدة النثر، وعن لماذا تم إلحاق بيت الشعر بمدينة الثقافة ليكون مقره هناك؟

رُب معارك لم تسفر مضامينها إلا عن قحط فكري وإبداعي كبيرين، وإلا عن حجم تفاهة البعض من الشعراء؛ إذ ما عاد يحركها الإبداع، أو مساءلة راهن عالمنا بمواساته، وهو الذي تحول إلى مصنع للموت ومشروع جاد لفكرة النهايات، وما عاد يحركها المضمون الكتابي، بقدر ما تحركها رغبة البعض في تقطيع أوصال البعض الآخر. شاعر يتم اتهامه بالعمالة للنظام القديم، ويتم تذكيره الآن بسنوات المديح والوقوف على عتبة السياسيين، وشاعر يتم اتهامه بالموالاة للإماراتيين الذين يدعمون هذا المهرجان، وشاعر يتم اتهامه بالانحياز إلى قصيدة النثر، دون غيرها من القصائد، وشاعر لم يتم تشريكه فتحول إلى ثوري، وشاعر يمسك بزمام الأمور، فيستهجن بقية الشعراء ليكون وحده سيد المشهد: في النهاية ليس ثمة معركة كالتي كانت بين أيسخولوس ويوريبيدس، وليس ثمة في هذا المهرجان من يمثل ذلك الإله الذي يحرس المدينة بالدفاع عن التراجيديا. أما حاكم هذه المدينة، ورغم قدرته المذهلة على جعلها مملكة للجحيم، فقد ظل أدنى من بلوتو ملك هاديس. وإذا كان أريستوفانيس قد حوّل مشهدًا كهذا إلى كوميديا ساخرة، فإن شعراءنا الآن لم ينتظروا رجلًا مثله كي ينكل بهم ويجعلهم قبلة للضحك، بقدر ما تسابقوا إلى تشويه أنفسهم بشكل بالغ الازدراء، حتى إنهم تحولوا إلى مجرد دمى للتسلية في يد الأنظمة كما القراء.

ينتهي الشعراء، يموتون، وتخلدهم أعمالهم وآثارهم وقصائدهم، لكن ماذا سنرث عن هؤلاء، وليس ثمة ضحية نتيجة معاركهم، إلا النص الشعري؟ وإذا ما نظرنا -الآن- إلى دواوينهم ومجموعاتهم الشعرية، فيمكننا حتمًا أن نتساءل عن غيبة وظيفة الشعر من جهة أرسطية، ألا وهي وظيفة التطهير، وسيمكننا أن نندهش مع شيلي، بعد أن أصبح الشاعر في قطيعة مع أسئلة الخلود والمطلق، وربما نشعر بالعزاء لأن الشعر لم يعد تلك الطريقة أو المنهج للحلم بالواقع، كما أقر بذلك باشلار. بل أكثر من ذلك، سيمتد هذا العزاء ليصل إلى هذه القطيعة بين الفن والفلسفة، لأن قصائدهم لم تعد تعبر عن الكشف وترميز العالم، كما ذهب إلى ذلك هيدجر، وهل ثمة منهم من يقول –الآن- على لسان ماياكوفسكي: “أنا الذي سأتحدث عن الزمن وعن نفسي؟”.

علينا العودة إلى زبيجنيف هيربرت كما أريستوفانيس: هل “هناك شعراء؟ شعراء صامتون”!؟ وأي مدينة هذه التي على جانبيها بحيرة تعج بنقيق الضفادع، وعلى ديونيسيوس أن يطوف بها، كي يدخل مملكة الجحيم فيما بعد؟ ربما يتعين علينا تبرئة الصمت، صمت البعض من الشعراء الذين نظروا إلى الشعر بوصفه أعظم الكوابيس براءة، كما أخبر عن ذلك هولدرلين، وعلى العكس، يجب الاعتراف بخلو هذه المدينة من التراجيديا، كما يجب الاعتراف بغيبة ذلك الإله الذي يشقى من أجل الشعراء، وإنه لمن الواضح أن هذه المدينة باتت تمثل هاديس ذاتها، وليس ثمة حاجة للبحث عن جحيم آخر، أو الانتقال بأحداثها إلى ركح مسرحي، لأنها الكوميديا عينها، وعليه فلن ينتصر أيسخولوس أويوريبيديس هذه المرة، فما كان يجري هو طلبه الخروج إلى المدينة وعالم الأحياء، أما ما يجري اليوم فيوحي بعبثية هذا المطلب، بعد أن استحالت الحياة جحيمًا في تلك المدينة العارية. هكذا يصرخ زبيجنيف هيربرت مرة أخرى: “أنت لا تزال تسأل، ما اسم تلك المدينة التي تستحق كل هذا الغضب”؟

مقالات ذات صلة

إغلاق