ترجمات

صحيفة فزغلياد: لماذا قررت “إسرائيل” الاعتراف بتدمير هدفٍ نووي سوري

الصورة: idf.i

يوم الأربعاء، أكّد جيش الدفاع الإسرائيلي أن الطيران الإسرائيلي قام، قبل أكثر من عشر سنواتٍ، بقصف المفاعل النووي في سورية. وقد انتُظِر هذا الاعتراف منذ فترةٍ طويلة. ولكن، لماذا تمّ الإعلان عنه في هذا الوقت؟ حديث السلطات الإسرائيلية عن تهديد إيران وأهدافها النووية، أصبح معروفًا، غير أن الحسابات الإسرائيلية أكثر دقةٍ، فدونالد ترامب هو مركز اهتمامها.

تم تنفيذ العملية، ليلة 5-6 أيلول/ سبتمبر من عام 2007. وكان الموقع الذي شارف على الانتهاء يقع على مسافة 450 كم شمال شرق دمشق. وأوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: “هاجمت (إسرائيل) الهدف في سورية كي لا نسمح لها بالحصول على سلاحٍ نووي”. وبذلك يكون الإسرائيليون قد أكدوا المعلومات التي طالما تداولتها وسائل الإعلام، ولكنهم كانوا يتحاشون الحديث عنها، على المستوى الرسمي.

اعتبر الكثير من المراقبين هذا الاعتراف المفاجئ بمثابة تحذيرٍ لإيران، في حال استئنافها برنامجها النووي. لكن من الواضح أن الاعتراف بالعملية يركز على بعض التفاصيل التقنية. وحدث الأمر نفسه بعد عملية (أوبرا) عام 1981، عندما قامت القوات الجوية الإسرائيلية بتدمير المفاعل النووي العراقي، في التويت قرب بغداد.

في البداية، جاء تقييم الإعلان الإسرائيلي كتهديدٍ مباشر لإيران، انطلاقًا من كلام (إسرائيل) نفسها، ومن ثم كررته وسائل الإعلام الناطقة باللغة الانجليزية. غرد وزير الاستخبارات الإسرائيلية كاتس (الذي كان وزيرًا للنقل عام 2007 واتهم يومها بانتهاك الثقة) على حسابه في (تويتر) قائلًا: “أثبتت العملية ونجاحها الكامل أن إسرائيل لن تسمح أبدًا بوصول الأسلحة النووية إلى أيدي أولئك الذين يهددون وجودها: سورية حينذاك، وإيران الآن”.

الكلمات ذاتها تقريبًا، جاءت على لسان رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية غادي آيزنكوت: “الاستنتاج الرئيس من غارة الطيران الإسرائيلي، على الهدف النووي السوري عام 2007، يتلخص في أننا لا نسمح بتطوير قدراتٍ يمكن أن تهدد وجود دولة (إسرائيل). هذه هي الرسالة التي أرسلناها عام 1981، عندما هاجمنا هدفًا نوويًا في العراق. وهي الرسالة نفسها عام 2007 في سورية. إنه درس مستقبلي لأعدائنا”.

(إسرائيل) دولةٌ غامضة وفضفاضة بعض الشيء؛ حيث إن لدى الجميع وجهة نظره الخاصة حول كل شيء. ومن النادر أن يكون السياسيون أو كبار العسكريين على موجة واحدة، وأن تكون تصريحاتهم متناغمة ومركزة على تفاصيل تقنية. وفي هذه الحالة، يمكن اعتبار الخطاب العام المعادي لإيران قائمًا بالفعل.

كيف حدث ذلك؟

من وجهة نظرٍ إسرائيلية، كان الأمر على النحو التالي: قامت الاستخبارات بمتابعة “البرنامج النووي السوري السري” فترةٍ طويلة. وفي النهاية، حصلت على معلوماتٍ تفيد أن البناء المربع في منطقة (الكبر) القريبة من دير الزور، هو في واقع الأمر عبارة عن مفاعلٍ نووي يشارف على الانتهاء. أما موضوع غياب أي منشآت للبنى التحتية حوله (حتى وسائل النقل)، والضرورية لتشغيل المفاعل النووي، فلم يحرج أحدًا. ادعت (إسرائيل) أن بضعة أشهر بقيت لتشغيل المفاعل، ولهذا اتخذ القرار بتنفيذ العملية على وجه السرعة.

لوحظت العجلة نفسها تقريبًا عام 1981، عندما زعمت الاستخبارات الإسرائيلية أنها تلقت معلوماتٍ، عن قرب تحميل المفاعل العراقي بالوقود النووي، وأن أي تأخير يشكل خطرًا. وبما أن المفاعل العراقي شيدته شركاتٌ فرنسية؛ فقد حدد موعد الضربة ليكون في يوم أحد، وهو يوم عطلة في أوروبا، وليس يوم الجمعة (يوم العطلة في العراق). يلفت النظر هوية مجموعات الطائرات التي نفذت الهجوم، عام 1981 وعام 2007، مع أنهما وقعا في فتراتٍ تاريخية مختلفة، من حيث التقنيات النووية وللتكنولوجيا العسكرية عمومًا. في كلتا الحالتين، كانت المجموعة الضاربة مؤلفةً من نسقٍ أول من 4 طائرات (F-16) وأربع أخرى احتياطية تغطيها مقاتلات (F-15). في الحالة السورية، انطلقت الطائرات من مطار رامون وهاتسريم، وفي الحالة العراقية من مطار إيتسيون. كما نفذت علميات إنزال على خط مسار الطائرات من قبل وحدة الكوماندوس 669 وهي مجموعة إنقاذٍ جوي خاصة مدربة، خصيصًا، على عمليات إجلاء الطيارين، في حال سقوط طائرتهم.

نشر المركز الإعلامي لجيش الدفاع الإسرائيلي صورًا جماعية للطيارين قرب طائراتهم. كما نشر الإسرائيليون مقطع فيديو لسقوط القنابل، يظهر الهدف قبل وبعد القصف.

عام 2007، أعلنت دمشق أن الموقع خالٍ تمامًا، ويتبع للهيئة العربية المشتركة لتطوير الزراعة في دير الزور. حاولت الوكالة الدولية للطاقة الذرية السماح لها بإجراء تحقيق. وبعد سنتين حصلت على إذن السلطات السورية. في نهاية الأمر، جاء التقرير غريبًا ليفيد بعدم العثور على أي شيءٍ محدد، ولكن هناك “آثار أورانيوم ذات طبيعية صنعية”، مما يمكن تأويله بأكثر من وجه، بما في ذلك الاعتراف بعجز الوكالة نفسها.

إيران ليست كالعراق

أحد أبرز التصريحات، جاء من قائد القوات الجوية الإسرائيلية آميكام نوركين، حيث قال فجأةً، في معرض مقارنته بين العملية في العراق وسورية: “على ما يبدو، منذ ذلك الحين تطورت المنصات، الذخائر، التكنولوجيا، وأصبح جنودنا أفضل تدريبًا، ولكن الأساس نفسه -المعايير وأساليب التدريب وتنفيذ العملية- بقي ذاته. وإذا استطاعت القوات الجوية القيام بعمل كهذا وقتها، “تحت مستوى الرادارات”، فإنني أعتقد، أننا اليوم في الطليعة، من حيث فنون الحرب الجوية”. والذي رمى إليه الجنرال هو التالي:

كان على الطائرات (F-16) و(F-15) التي انطلقت من قواعدها في (إسرائيل)، عبور الأردن والعربية السعودية، مما اضطرها إلى التحليق على ارتفاعاتٍ منخفضة للغاية (يقال على ارتفاع 300 متر فوق سطح الأرض) لتلافي الرادارات. وعند الخروج إلى الهدف، تفرقت طائرات التغطية (بعضها قام بالتشويش، وقامت الأخرى بتشتيت الانتباه)، أما طائرات (F-16) فانخفضت، بحسب الادعاء إلى ارتفاع 50 مترًا فوق سطح الأرض، لتبقى غير مرئية. فقط بعد ذلك ارتفعت طائرات (F-16) إلى ارتفاع 2100 متر ودخلت بزاوية 35 درجة بسرعة 1100 كم/ ساعة. وبعد إلقاء قنابلها، ارتقت الطائرات إلى الأعلى لتعود إلى قواعدها بدون خسائر.

والآن، يجب على الفُرس التخوف من هذه المناورات.

لنبدأ من أنه ليس لدى إيران أي موقع غير محمي قيد الإنشاء، بل لديها شبكة محصنة منتشرة على كافة الأراضي الإيرانية ومزودة بكميةٍ كبيرة من مختلف أنواع الوقود النووي، من النظائر النووية الطبية حتى الأورانيوم منخفض التخصيب، في الخزانات وفي أجهزة الطرد المركزي. واختيار هدفٍ ما في مثل هذه الظروف أمرٌ غير ممكنٍ، لأنه ليس هناك هدف وحيد وفريد وشديد الأهمية، يمكن بعد تدميره أن يتوقف برنامج إيران النووي.

وللقيام بقصفٍ شامل ومتزامن على طهران، وعلى مواقع عدة استراتيجية: مركز البحث النووي الرئيسي في مدينة قم الذي ينتج 25 بالمئة من اليورانيوم-235 ويحتوي على ألفي جهاز طردٍ مركزي، موقع (نيتينز) الذي يضم 16500 جهاز طردٍ مركزي، موقع (آراك) ومعمله المنتج للماء الثقيل، معمل (أرداكان) لإنتاج الوقود النووي، ولا سمح الله، محطة (بوشهر) النووية. ولتحقيق النجاح، تحتاج (إسرائيل) إلى جيشين جويين من القاذفات على أقل تقدير، وإلى عددٍ كبيرٍ من المقاتلات بعيدة المدى لتغطية الهجوم. و(إسرائيل) لا تمتلك مثل هذه القوة، ولن تمتلكها أبدًا حتى بعث موسى.

كل هذا، دون الأخذ بالحسبان قدرات الدفاع الجوية الإيرانية، التي تمتلك أنظمةً روسية لرصد وتعقب الأهداف القادرة على كشف الأسطول الجوي الإسرائيلي، حتى لو حلق على ارتفاع 10 أمتار فوق سطح الأرض.

وبمعرفة الإسرائيليين هذا الأمر، يحاولون عدم الإفصاح عن نيّاتهم حتى النهاية، ليخلقوا حول أنفسهم الأسطورة المألوفة بأن جيشهم لا يقهر. بالإضافة إلى ذلك، وصلت طائراتهم (F-16) إلى الحد الأقصى من طاقة تشغيلها. في إطار “الخدعة اليهودية” وبانتظار أوامر الإقلاع، تقف الطائرات مزودةً بمحركاتٍ مستعملة، تصارع لتوفير كل قطرة وقود. ونتيجة زيادة الحمولة المحسوبة والتحليق على ارتفاعاتٍ منخفضة، ينفذ الوقود بسرعة فائقة وبصورةٍ غير متوقعة، ولهذا تخلصت الطائرات من خزانات الوقود الإضافية لتلقيها فوق رؤوس البدو، وهي ما زالت تحلق فوق الأراضي السعودية في منطقة صحراء النفوذ.

كل هذا عند التوجه إلى العراق وسورية، فما بالك بالتوجه إلى إيران والعودة منها! وببساطة، لا تتوفر الموارد للطائرات الهجومية الإسرائيلية أميركية المصدر للقيام بهذا الأمر. من الناحية النظرية، يمكن الحديث عن هبوط الطائرات الإسرائيلية في قاعدة (باغرام) الأميركية في أفغانستان. ولكن نظريًا فقط.

وأخيرًا، هناك العوامل الجغرافية التي حالت طيلة عقدين من الزمن دون استخدام الولايات المتحدة الأميركية الأسلحة بالغة الدقة ضد إيران. فمدينة طهران تحتل موقعًا فريدًا أسفل وعلى سفوح الجبال، مما يجعل الظروف المناخية تشوش على أنظمة توجيه صواريخ (توماهوك) التي تتبع تضاريس المكان.

(نيتينز) أمرٌ آخر. فهي صحراء لا يمكن الاختفاء فيها. ولتدمير 16 ألف جهاز طرد مركزي أخفيت جيدًا تحت الأرض، يتطلب الأمر شيئًا آخر أقوى من (توماهوك). ولأن الأميركيين فهموا الوضع جيدًا؛ أطالوا التفكير بشأن خطط عملياتٍ عسكرية ضد إيران. وهم لا يزالون يتمعنون بالأمر!

قرع الجرس ليسمع الصديق

انطلاقًا من كل ما سبق، يجب عدم اعتبار أحاديث الإسرائيليين، من قبيل “سورية من قبل، وإيران الآن”، كتهديدٍ مباشر، بقدر ما هو قرع “جرس ليسمع الصديق”. ليس بمقدور (إسرائيل) القيام بمفردها بتوجيه ضربةٍ جوية شاملة إلى إيران، وما يفوح من تصريحات ممثلي تساحال، هو بمثابة القول إن اللص سيقوم بسرقة مصرفكم غدًا صباحًا.

غير أن استقالة تيلرسون، على خلفية خلافه مع الرئيس ترامب حول “الصفقة الإيرانية”، والنزعة الحربية لدى الرئيس نفسه، بالإضافة إلى القلاقل والاضطراب في إدارة البيت الأبيض، تتطلب حربًا صغيرةً مظفرة؛ ما يشكل نارًا مثالية، حيث يمكن صب الوقود عليها لإشعال الحريق.

ولهذا السبب تمامًا، بدأ السياسيون والعسكريون الإسرائيليين الحديث كجوقةٍ واحدة، وهم الذين يصعب في ظروفٍ أُخرى إجلاسهم إلى طاولةٍ واحدة، وفعلوا ذلك في اللحظة المناسبة تمامًا. فليس هناك أي ذكرى سنوية للهجوم على موقع دير الزور السوري أو غيره، تتطلب رفع السرية عنه. ولكن يجب دفع الرئيس دونالد ترامب بعض الشيء على المسار الذي اختاره بنفسه، وهنا لا يكفي أن يرمي جيرالد كوشنير ببعض الجمل البليغة على طاولة العشاء العائلية. فمن الضروري استعراض البطولة والنجاح!

يحب ترامب الناجحين والعمليات الناجحة، والقوات الجوية الأميركية لم تنفذ، منذ فترةٍ بعيدة، أي عملية ناجحة، خاصة على خلفية عمليات القوات الجوية الروسية في سورية. وفوق ذلك، ها هم الإسرائيليون يتباهون. فكيف يمكن تحمل كل هذا؟!

 

اسم المقالة الأصليةصليةأصلية Почему Израиль признался в уничтожении ядерного объекта Сирии
كاتب المقالة يفغيني كروتيكوف
مكان وتاريخ النشر صحيفة فزغلياد. 22.03.2018
رابط المقالة https://vz.ru/world/2018/3/22/913731.html

 

ترجمة  سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق