أدب وفنون

شاعرية الاغتراب في فيلم “موسم وحيد القرن”

شَعرَنة الخروج على:

كان ثمة ما يشبه التحدي أو فكرة الخروج على البدايات -إن صَحَّ التعبير- لدى المخرج السينمائي بهمن قوبادي؛ إذ خرج -ولو لبعض الوقت- على “سيستيم” ونهج المخرج الإيراني محسن مخملباف الذي صنع ذات يوم ما يشبه المعهد المنزلي، خصّ به أفراد أسرته بعلوم السينما، ومنهم ابنته المخرجة سميرة مخملباف، ليكون بهمن قوبادي أحد الممثلين داخل فيلمها (اللوح الأسود). وقد تبين أنها الشكل السينمائي الذي اشتغل عليه قوبادي فيما بعد، وذلك عبر صناعته لمجموعة أفلام سينمائية ذات أهمية عالية، لا سيما أنها سلّطت الضوء على البيئة الكردية، في كل من إيران والعراق، من خلال تبنّيه سياق الكوميديا السوداء، وزادَ من أهمية اشتغاله خوضه في بيئة لم تأخذ العدسة نصيبها منها.

يمكن القول: إن المخرج السينمائي الكردي الإيراني خرج من مدرسة مخملباف الأب، مشتغلًا على القصة الكردية المتداخلة مع محيطها الفارسي والعربي والتركي. ويمكن عدّ “فصل كركدن”، أو (موسم وحيد القرن)، كما تُرجم إلى العربية، خروجًا واضحًا على المخملبافيين -الأب والابنة- إذ إنه تبنّى سياقًا جديدًا لشكل سينماه، يمكن وصفه إلى حد بعيد بالتفرد في خلق أسلوبه الخاص، وصناعة سينما من منظور فيلمه الأخير، وذلك من خلال خروجه على شكل الحدث في بناء السينما الإيرانية، إلى شكل الصورة العميقة الشعرية، إن صح التعبير. بل يمكن القول إن المخرج والشاعر الإيراني عباس كيارستمي خلق سياق الشعرية في السينما الإيرانية، غير أن قوبادي استطاع الخروج على التعبيرية الشعرية، في الصورة السينمائية التي صنعها كيارستمي، في فيلمه (طعم الكرز) الذي حصل على السعفة الذهبية، في مهرجان كان السينمائي عام 1997، بينما خلق قوبادي صورة شعرية داخل فيلمه الأخير، على عكس تلك التي ابتكرها كيارستمي، أي أنَّه خلق خليطًا من التعبيرية والسوريالية، وأدخل ذاك الخليط عبر صور داخل المشاهد التي سارت جنبًا إلى جنب مع الحدث وتماهت معه، فلا يمكن فهم الحدث دون قراءة الصورة المواكبة له، قراءة عميقة بعيون شعرية، على عكس كيارستمي الذي كانت الصورة لديه رؤية أخرى للحدث.

شَعْرَنة العدسة

لم تكُ ماهية القصة داخل فيلم (موسم وحيد القرن) محورًا رئيسًا لبناء الشعرية خلال الأحداث؛ لا سيّما أن الفيلم يتحدث عن قصة حقيقية لشاعر كردي إيراني استودعه النظام الإيراني السجن، إبان الثورة الإسلامية، وبقي في متاهات سجونها ثلاثين عامًا، ليطلقَ سراحه فيما بعد، ويبدأ سِفرَ البحث عن زوجته التي أطلق سراحها قبله بعقدين وفرّت إلى تركيا. لم تكُ حساسية الحدث داخل الفيلم ما دفع بقوبادي إلى إخراج ما كتبه بنفسه نصًّا، لا بل اشتغل على الشعرية من خلال العدسة، صانعًا نصوصًا بصرية واكبت وتداخلت مع الأحداث. الصورة الشعرية المنسوجة من خلال الكاميرا داخل الفيلم تملك محورين رئيسين: المحور الأول هو الصورة المتداخلة، أي صورة ذات طبقات متعددة. في هذا المحور تتداخل العديد من المشاهد منها -وعلى سبيل المثال- الطبيعة والضوء والمكان و”الفيغور”/ الشخصية، ويمكن قراءة هذه الصورة من منظور تداخل أزمنة الفيلم وأحداثه مع بعضها البعض، أي خلق ما يكون سياقًا معرفيًا امتد ما بين الحدث العام والمتفرّع، وشكل الصورة في اللقطة الواحدة. هذا التداخل البصري دليل مرئي على التداخل النفسي للقصة وشخصية الفيلم الرئيسية، وهو الشاعر الذي قام بدوره الممثل بهروز وثوقی، ما يبرهن إصرار المخرج على طرح المعادلة في الصورة الشعرية من خلال الكاميرا. هو صمت الممثل في أغلب المشاهد التي تلت خروجه من السجن، هذا الصمت التي انقسم إلى قسمين: الأول كان منطوقًا بطريقة ما تماهيًا مع شخصية البطل قبل دخوله السجن، أي صمت قراءة المشاهد والحياة إلى جانب زوجته (مينا) التي قامت الممثلة الإيطالية مونيكا بلوتشي بدورها. أما القسم الثاني فيمكن وصفه بالصمت الساكن الذي رافق البطل طوال فترة خروجه من الفيلم؛ حيث استعان المخرج بصوت زوجة البطل كموسيقا تصويرية، وهي تقرأ قصائده، وقد رافقت تلك القراءة كافة أحداث الفيلم، إلى أن تفاجأنا بأنها تعمل في توشيم قصائد زوجها على أجساد الناس في تركيا، كعمل تكسب منه لقمة العيش. أما المحور الثاني فهو الصورة المؤطرة، أو المستندة إلى مساحة جانبية معتمة، قد تُقرأ من خلال تلك الصورة/ الذاكرة المظلمة لحياة الشخصية الرئيسية في الفيلم، المرموزة بفترة السجن والمظلومية التي أنهكت حياة الشاعر الشاب/ العجوز برمتها. ثمة ما يدلّ أبدًا -من خلال الكاميرا الشعرية للمخرج- على ذاكرة السجن التي تتحول لوهلة إلى ذاكرة المتلقي عينه.

شِعرَنة التنقّل:

لا يمكن تأطير فيلم (موسم وحيد القرن) على أنه يحمل خاصية “الفلاش باك” الخام، كما يتداول في أغلب الروايات والأفلام السينمائية عمومًا، أي بطريقة أخرى، لا يمكن الاستناد -مثلًا- إلى دخول الصورة الأولى من الفيلم، والتي كانت لمشهد إعداد البطل داخل السجن، لإخلاء سبيله بعد ثلاثين عامًا، على أنها عملية رئيسية لماهية الخطف إلى الخلف. بطريقة ما استعان المخرج بهمن قوبادي بشكل تداخل الأحداث و”الفلاش باكات” المتكررة التي ساهمت في قراءة كل حدث داخل الفيلم على حدة، والتي أفضت فيما بعد إلى القراءة النهائية للحدث العام خلال الفيلم، وهذه التقنية تعود إلى مبتكرها -بطريقة ما- المخرج البريطاني أنتوني مانجيلا، وذلك في فيلمه (المريض الإنجليزي)، تلك العملية السحرية التي واكبت عملية الانتقال ما بين الزمنين الماضي والحاضر، يعاود فيلم (موسم وحيد القرن) الكَرّة في عملية الانتقال السحري ذاك، خلال الفيلم، إلى حدود قصوى، كما سبقه فيه البريطاني الذي استعان برواية تحمل العنوان ذاته للكاتب السيرلانكي مايكل أونداتجي، والتي حصلت على جائزة بوكر مان عام 1992.

شَعرَنة الإضاءة:

اشتغل بهمن قوباداي على صياغة الشعرية في الإضاءة خلال فيلمه إلى حد جعلها عاملًا على قدر عال من الأهمية، يساهم، بطرق لا متناهية، في عملية قراءة المشهد؛ إذ إنه لم يستخدم الضوء من ذلك المنظور الكلاسيكي داخل السينما، أي توظيفه فيزيائيًا في سبيل قراءة المشاهد وحسب، إنما اجتهد على نحو دقيق في قراءة نفسية شعرية لعملية الإضاءة داخل الفيلم برمته، من المشهد الأول إلى المشهد الأخير الذي أفضى إلى أرض منبسطة متشققة، مضى فيها البطل إلى أن تداخل البياض الوافد من السماء على هيئة نور خفي، مع البياض على الأرض؛ ليظهر البطل في هيئة نقطة سوداء في حقل المشهد الذي تحول إلى نور لا متناه، كان شبيهًا بالاغتراب وذاك الانعدام في البياض، إلا أن بقاء البطل في هيئة نقطة سوداء تسير إلى المجهول، وتصغر كلما ابتعد، هو بمثابة الألم الذي يبقى مثل شامة على روح المرء، حتى بعد فنائه.

لم تفارق الشعرية في صناعة الضوء النفسي مشاهد الفيلم الذي وصل إلى ذروته، في مشهد دخول البطل إلى غرفة، كي تصنع له زوجته -التي تجهل حقيقته- وشمًا على ظهره، حيث كان الضوء باردًا قادمًا من نافذة مجاورة لوقوف البطل داخل الغرفة، سقط الضوء ذاته على الجهة ذاتها من وجه المرأة التي أسدلت الستارة لتغزو عتمة الغرفة، بضوء شمعة توقدها لمباشرة عملها، إلى أن تحوّل الضوء إلى شكله الدافئ، وأضاء جهة القلب تمامًا من جسدي المرأة والرجل. كانت الفكرة بمثابة “الفلاش” الذي توقد خلل الركن المظلم من الذاكرة، حيث تمدد الرجل على بطنه، فتحوّلت الصورة من بصرية إلى سمعية، تداخل صوت الزوجة مجددًا كموسيقا تصويرية، وهي تقرأ إحدى قصائد زوجها، البطل المستلقي على بطنه، فيما تمرر إبرة الوشم على ظهره المكتظ بالضوء الحار الذي أضاء كامل وجه المرأة.. أراد المخرج تسليط الضوء على فكرة معقدة، تفضي إلى أن ذاكرة الرجل المتمثلة في ظهره/ غيابه، جعل وجهها مُشعًّا طوال تلك السنوات، توشم على ظهره إحدى قصائده، كانت حالة فريدة خلّدت المرأة فيها زوجها، عبر اختيارها عملًا تطبع خلاله قصائده على أجساد الناس في العالم، ليعود الضوء باردًا في مشهد خروج البطل من الغرفة، وتبقى المرأة داخل الغرفة المظلمة مثل نقطة سوداء.

تم إنتاج فيلم (موسم وحيد القرن) في عام 2012 للمخرج الكردي الإيراني (بهمن قوبادي) وهو من بطولة: بهروز وثوقي، مونيكا بيلوتشي، يلماز أردوغان، كانر شندروك. تصوير: توراج أصلاني. الموسيقا التصويرية: كيهان كلهور.

 

[av_gallery ids=’114302,114303,114304,114305,114306,114307,114308,114309′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق