أدب وفنون

حيث يسكن الجنرال

 

قد يكون من قبيل الجرأة والمغامرة، أن يعاود الأردني زياد محافظة، في روايته (حيث يسكن الجنرال)، من إصدار دار فضاءات لعام 2018، الولوج إلى عالم الشخصيات الأوليغارشية، من خلال التطرق إلى حياة أحد جنرالاتها في الشرق، بعد أن تناولها كبار من أمثال غابرييل غارسيا ماركيز في (خريف البطريارك) وميغيل أستورياس في (السيد الرئيس)، وبعد أن تداولتها الدراما المصرية في أكثر من عمل سينمائي مثل (معالي الوزير)، و(زوجة رجل مهم).. ومرد ذلك أنها تفتح باب المقارنة، بقصد أو دون قصد، لما يتبادر إلى الذهن عما تشارك فيه معهم، وعما اختلف، وعمّا أضاف؛ هذا إذا تجاوزنا العتبة النصية في العنوان الذي أُدرج أشباهه في أعمال كثيرة على غرار (الجنرال في متاهته) لـ ماركيز و(قهوة الجنرال) لـ غسان الجباعي، وغيرها.

تتحدث رواية زياد محافظة عن أحد رجالات السلطات النافذة في بلدٍ ما، وقد اختار الرحيل عن البلاد لإحساسه بقرب الكارثة، الناجمة عن الاضطرابات الشعبية، والطرق الفاشلة التي تتم معالجة الأمور بها؛ لذا اختار أن يهبط من السفينة قبل غرقها، ويهرب بما سرقه من الوطن، ليستقر وعائلته في أحد البلدان الهادئة، ويتنعم بما غنمه من ثروات طوال فترة وجوده في البلد، مختارًا لنفسه هوية جديدة، باسم آخر وجنسية مغايرة، محاولًا أن يلبس شخصية جديدة، ويعيش كمواطن عادي، يتعرف على نفسه لأول مرة، يؤمن احتياجات منزله بنفسه، ويمارس هواياته العادية، خوفًا من أي ملاحقة محتملة باسمه الشخصي، غير أنه عقب حادثة سير ألمت به، انقلبت الأمور عنده، وأصبحت له شخصية ثالثة.

بمشهدية بصرية ذات صبغة سينمائية، تتناوب ثلاث شخصيات باتت تسكن في جسد واحد، على الظهور في بؤرة الحدث السردي، بتعميق الشخصية الثالثة التي استيقظت فيها حياته السابقة، واستيقظ كذلك البشر الذين طالما عذبهم وسامهم ألوان الويل والعذاب، ليأتوه على شكل كوابيس تقض مضجعه وتسمم حياته؛ عبر استجوابات لا تنتهي ومحاكمات لأعماله، تأتيه في أحلامه، كانعكاس لصورة التشوه الحاصل في الروح؛ إذ لا يمكن لمن يمارس القهر والتعذيب على إنسان آخر، أن يبقى بمنأى من العطب البنيوي في ذاته وأعماقه.

يفتح الكاتب عدسة كاميرته على حياة الجنرال الماضية منذ الطفولة، وكيفية تشكل وعيه في أسرة متدينة صارمة التعاليم، ربيت على التهديد والوعيد من الآخرة، وهو الذي لم يعرف عذوبة الطفولة ولا اللعب مع أترابه؛ ما أفضى به إلى البعد عن إله يخافه بدلًا من أن يحبه، وأخ يرى في التشدد الديني بديلًا عن عجزه وإخفاقه.

الجاه والسلطة والنفوذ سلّم صاعد ذو أشواك، يترتب على من يتسلقه أن يسدد ضريبة الولاء والخنوع لمن هم أعلى منه، حتى يستمر بالارتقاء المتصاعد، وقد كان أخوه (عزيز) إحدى تلك الدرجات، التي داسها ليقفز بقوة على هذا السلم، عندما أرداه صريعًا في كمين نصبه لواحدة من خلايا الفئات المتشددة، وكسب ثقة لا حدود لها بهذا الفعل الذي يعرب عن وفاء وتفان، لا يرقى إليهما الشك في إخلاصه لمن هم في قمة الهرم.

شخصية المرأة: زوجة الجنرال، ربما كانت تحتاج إلى إقناع أكثر وتجاوز حالة السكون؛ ما يسمح بالتنامي الطبيعي للشخصية كمنطق وسلوك، فهي ناعمة ومتفهمة ومخلصة لزوجها في كل حالاته، عندما لبس ثوب الطاغية، وعندما هجع إلى كوابيسه وهلوساته، فالمرء باعتقادي بنية لا تتجزأ، ولا مبرر لهذا الانسجام وتلك الطبيعة المتفهمة والمسالمة، ولخيط المودة المتبادل بينهما؛ إذ يفترض أن تكون مشابهة له في حالة الانسجام، وجشعة ومستفيدة من مكاسب الوضع الذي وصلا إليه، وفي حالة التعارض، أتوقع أن ينالها نصيب من قسوته وعنفه، تفرزها الطبيعة المتسلطة لشخصية الطاغية، وقد حللها بدقة وحيد طويلة في روايته (حذاء فيلليني)، كما أبرزها فيلم (معالي الوزير) كأول الناس التي داسها ووشى بها لدى أجهزة الأمن، وأيضًا برزت في فيلم (زوجة رجل مهم)، في تناقض كبير عند معرفتها بمخازي زوجها، ولا نستطيع اعتبار الشخصية المظلمة العينين لأمه، التي أتت في كوابيسه، نوعًا من نموذج المرأة الرافضة، لأنها أتت من ظلامه الداخلي العفن، الذي فاض على ذاته رعبًا وجورًا لطالما أذاقه للآخرين.

(ألمح الجماهير الحالمة وهي ترقب الكابوس يجثم على المدينة) جملة وردت في متن الرواية، تشير إلى الجموع التي انحدرت منها التشكيلات السياسية من تيارات علمانية، تجلت في النماذج المنبثقة من الآلام والعذابات، كشخصية البروفيسور (جلال)، وفرق ذات توجهات دينية متشددة في نموذج أخيه (عزيز) الذي قضى نحبه على يد ابن أبيه وأمه، في استعادة وجدانية لأسطورة قابيل وهابيل، وطلب الرضا من الذات البطريركية بالمعاني المتناسلة منها، تلك التشكيلات مر عليها الكاتب بحيادية تامة، محاذرًا الغوص في متاهاتها وتعقيداتها، في رؤية أحادية الجانب باستثناء مظلومية تعرضها للتنكيل والاضطهاد.

الماضي الذي لا يغيب، والذاكرة التي تستيقظ على حافة الخطر، عند برزخ النهاية، والعذاب الذي يشقي صاحبه، عبر مسلسل الكوابيس المتتالية، لمن تجبر وتكبر، هل هي لعنة الظلام للُظلّام، أم هي انتقام العدالة غير المرئية! وهل هي كافية لتهدأ سكينة أرواح المعذبين والمظلومين؟!

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق