كلمة جيرون

إعادة الروح للثقافة السورية

 

في الفترة اﻷخيرة، كثر الهجاء ومحاولة تشويه الثقافة والمثقفين السوريين، بحق ودون أي حق، من قِبل السوريين أنفسهم، وغير السوريين! ووصل الأمر إلى درجة غير مسبوقة من الغضب والشتائم والتخوين، وكان جلّ ذلك صادرًا عن أناس عاديين، يأملون -عمليًا- أن تلعب الثقافة والفنون دورًا إيجابيًا في حياتهم ومآسيهم، لكن البعض كان له مآرب أخرى، ليس أقلها إحباط الروح السورية وقتلها!

قد يكون هذا الهجاء مفهومًا ومشروعًا وربّما مبررًا، لو لم يجنح -في معظمه- إلى الخلط والتعميم، ولو لم تكن قضية الثقافة أكثر تعقيدًا مما نظن. فقد لعب عدد قليل من المثقفين والنجوم المكرسين -في وقوفهم مع الظالم ضد المظلوم- دورًا كبيرًا في تظليل وتخريب دور الثقافة ووظيفتها، وتشويه الكثير من المثقفين والفنانين الحقيقيين الذين وقفوا مع شعبهم في ضد الطاغية ونظامه المستبد. فالمثقفون السوريون ليسوا فقط “أدونيس” أحمد أسبر، وأمثاله، والفنانون لا يمكن اختصارهم في “غوار الطوشة” دريد لحام، ومن شابهه من المصفقين للقتل. ثمة الكثير من المثقفين السوريين الأحرار الذين لم يُسمح لهم بتكريس أنفسهم، والذين وقفوا –في الماضي وفي الحاضر- مع قضايا شعبهم العادلة وانتصروا لها، فهُمشوا وشُردوا وسُجنوا وعُذبوا وقُتلوا، وما زالوا يُقتلون، ويمكن لأي مطلع أن يذكر أسماء العشرات، بل المئات منهم، عبر قرن واحد فقط.

ثم إن اﻵلة اﻹعلامية الخبيثة للنظام وحلفائه والدائرين في فلكه، نجحت في تشويه الحقيقة وتكريس مقولة “بؤس الثقافة السورية وخيانة النخب الثقافية”. ولم يتم ذلك، بسبب خبث النظام وقلبه للحقائق فقط، بل بسبب ظروف موضوعية قاسية، مكنته من تلطيخ صورة الثقافة والمثقفين -الموالين له قبل المعارضين- بالكذب والزيف والانتهازية والمحق! فمنذ أكثر من نصف قرن، وهي تربي وتسمّن زبائنها، أشباه المثقفين والفنانين والكتبة والمصورين والإعلاميين المأجورين، وتعمل على ترسيخ وجودهم ودورهم في حياتنا ووعينا، وهي تمتلك وتحتكر شتى الوسائل لتحقيق ذلك، وتهميش بل طمس الثقافة الوطنية ورموزها، بما تملكه من أجهزة أمن متخلفة وأحكام عرفية ورقابة صارمة، وما تخترعه من وسائل عجيبة في الترهيب والترغيب، ناهيك عن الهيمنة المطلقة على الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، وحتى الشفوي والمهموس، فهي التي تسمح وهي التي تمنع ما يُطبع من كتب، وما يُنشر في الصحف “المؤممة أصلًا” من مقالات، وما يُعرض في التلفزيون الرسمي والإذاعة الرسمية والسينما الرسمية والمسرح الرسمي.. من برامج ومسلسلات ومسرحيات وتمثيليات، وما يمكن تقديمه من محاضرات وندوات وأمسيات في دُور الثقافة ومراكزها، المملوكة -كلها- لسيد واحد ومهندس واحد، يتحكم بكل شاردة وواردة فيها!

من حقنا، ومن واجبنا، أن ننتقد السيئ فينا وفي حياتنا الثقافية، وأن نعيد النظر في حاضرنا وماضينا، لكن علينا ألا ننسى أن الثقافة هي روح الشعوب وهويتها، وأن علينا اليوم أن نسترد هذه الروح، لا أن نقتلها مرتين، وأن ندرك أن الآداب -وكذلك الفنون- لا يمكن أن تكون عدوة لشعوبها، وبخاصة الشعب السوري الذي أنتج، وما زال ينتج، عبر التاريخ، ثقافة إنسانية عظيمة وعريقة في شتى المجالات. وإذا ما تمكنت السلطة القمعية من الهيمنة عليها اليوم، أو القفز فوقها وتحويلها إلى محض هراء، أو استبدالها بالفقاعات الهشة والطبول الفارغة والأبواق الجوفاء، التي تزيف الحقائق وتنصر الظلم وتكرس العبودية؛ فالمشكلة ليست في الثقافة السورية ولا في تاريخها العريق ورموزها الوطنية، بل في تلك اﻷنظمة وأزلامها الموجودين في كل زمان ومكان.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق