أدب وفنون

سوسنة بغداد

 

[av_gallery ids=’114110,114111,114112′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

 

“الحب هو أكثر شيء نحتاجه في الوقت الحاضر”.

ليلى العطار فنانة تشكيلية عراقية، بدأت الرسم منذ الطفولة، حصدت الكثير من الجوائز: أولها المسابقة العالمية للأطفال التي أقيمت في الهند.

وكانت تبلغ سبع سنوات من العمر، يوم فازت بجائزة (الشراع الذهبي)، في “بينالي الكويت” السابع.. تخرجت من أكاديمية الفنون الجميلة عام 1965، شاركت مع جماعة أدم وحواء 1967 حيث بدايتها الاحترافية، وبعد عام قامت بمعرضها الشخصي الأول 1968.

شاركت في العديد من المعارض داخل العراق وخارجه، وقد أحرزت العديد من الجوائز التقديرية. تزوجت ليلى العطار ورزقت بثلاثة أبناء، لينتقل الجميع بعد سنوات، للسكن في منطقة المنصورة، شارع الأميرات؛ حيث كان منزلهم ملاصقًا لمبنى المخابرات الأميركية السابق. عملت عضوًا في نقابة وجمعية الفنانين العراقيين، وفيما بعد، أصبحت مسؤولة عن إدارتها.

ليلى العطار خُلقت كي ترسم، وقد شجعها محيطها العائلي على المضي قدمًا، في تحقيق أحلامها، كما صرحت، في لقاء أجري معها في تموز/ يوليو عام 1992، قبل عام من وفاتها: “شجعني محيطي العائلي على الاستمرار في هذا العالم البديع.. ينتابني شعور غريب حين أرسم، وأكون في عزلة تمامًا عن العالم الخارجي؛ إذ لا أجد أمامي سوى اللوحة وموضوعها وفرشة الألوان، وهذه الحدود لا أعني بها قيودًا، وإنما هي أطر تؤطر الموضوع ليكون أكثر جمالًا، وتبقى العفوية والتلقائية موجودة وحاضره في أعمالي”.

كان فنها يوحي باغتراب، وبحزن عميق، اتخذت من الطبيعة موضوعًا للخلاص، في الوقت الذي كانت تمتد إلى المجهول، كانت الأشجار جرداء، وكأن الربيع غادرها إلى الأبد. تبدو أعمالها كساحة حرب مهجورة، بعد قتال قاس ومرير.

وسط تلك الخرائب والصمت؛ ثمة جسد يتجه نحو الشمس في غروبها، جسد يتلاشى أو يستسلم للكون، إنها تذكرنا برومانسية معاصرة للشقاء الذي تعاني منه النفس في عزلتها الاجتماعية والنفسية والفلسفية، تلك الوحدة التي تدفع المتفرج إلى عزلة بلا حدود. لكنها في الواقع هي الوحدة، هي الاندماج بالكل، والتخلي –كما يفعل المتصوفة والزهاد– عن المتاع الزائد، لبلوغ درجة اللا حاجة، أو المثال الذي يراود الشعراء والعشاق العذريين. إنها في هذا المسار تذكرنا بموتها. هذا العناق مع الأشجار الجرداء، مع الأرض المحترقة مع الهواء الأسود. كان فنها في مجمل أعمالها يكشف عن معاناة حواء، بجرأة وجدارة جسدتها بلوحاتٍ مميزة، منحها ذلك لقب (سيدة الهدوء في الشرق الأوسط) و(أميرة الصمت).

كانت ترسم النساء في أوضاع مختلفة، وتجسد أحلام النساء في العقل الباطن. ربّما تكون المرأة في اللوحة رمزًا للإغراء والموت، والتكوين الأجرد صورة مجازية عن عبثية الحياة وقسوته. أجساد لوحاتها أجساد إنسانية تشوهت بخطوط، لكنها ليست أجساد تنبئ ولا تكشف، متحاشية النتائج النهائية. لقد أعدمت المعايير، رافضة سقاطات المحيط، وصار العمل الفني عندها مكررًا، يحمل الخامة نفسها في الكثير من أعمالها.

اختارت ليلى اللونين الأصفر الخفيف والرمادي والبني وظلالهما، لتكثيف الجوّ السوداوي للمشهد، ثم بدأ اختيارها الألوان الداكنة في الفترات الأخيرة، وكأنها كانت تدرك مصيرها، وأن حياتها ستصبح مؤلمة، كما نهايتها، فقد كانت ترسم أحيانًا الجماجم البشرية أو الدماء، كحالة من الخوف من المستقبل، أو نتيجة الحروب التي كانت تمر بالعراق. فبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية 1988، وبعد احتلال صدام حسين الكويت 1990؛ فُرض حصار اقتصادي على العراق، وبدأت الانتفاضة 1991، أو “الانتفاضة الشعبانية”، ومقتل نحو 280.000 ألف شخص من الشيعة والأكراد، وتصفية الشخصيات الشيعية من قبل النظام السابق للعراق. ورافق ذلك اهتزاز عميق في بيئة المجتمع والاقتصاد، فيما حصل تغيير فني كبير في تلك الفترة.

قالت ليلى، في أحد معارضها عام 1991: “جميع لوحاتي تحكي عن الإنسان، وجوانب الضعف التي يمر بها، من لحظات خوف وظلم وعدوان وعجز تلامس ما يعيشه إنساننا، في بعض الدول العربية من القتل والدمار”..  معتبرة أن ملامسة الجوانب المحزنة عادة تولد علاقة وطيدة بين الطرفين: اللوحة والإنسان، لتعطيه عمقًا للحياة والجانب المظلم منها، كما تمنحه فرصة للتحدث عن الضعف والموت، العامل الوحيد المشترك بين الناس، بمختلف أنواعهم وأجناسهم وأعمارهم، فهي مرحلة نهاية يعيشها كل إنسان، وأبانت أن اللوحات الفنية عبارة عن فن يلامس مشاعر وأحاسيس يتذوقها المحبون له.

في 27 تموز/ يوليو 1993، أجَّلت ليلى العطار الافتتاحَ الرسمي لمعرض أحد فناني العراق التشكيليين (ذاكرة كراسي)، بعد أن شاهدت لوحات المعرض، أول مرة؛ إذ كانت تمنع نفسها من مشاهدة لوحات المعارض، قبل يوم الافتتاح الرسمي، حتى لا تضيع دهشة الانبهار، كما كانت تقول. كانت تطوف على اللوحات، وكأنها تحدثها وتكلمها قائلة: “ستظلون.. وأنا راحلة”. وكان الموت الذي حملته الصواريخ الأميركية قد اختطفها، في الساعات الأولى من ذلك اليوم.

قيل إن صورة الرئيس الأميركي الأسبق: جورج بوش الأب، التي كانت على مدخل أرضية فندق الرشيد في بغداد، أثارت سخط وحفيظة الإدارة الأميركية؛ فقامت الطائرات الأميركية، في أثناء قيامها بغارة جوية على مدينة بغداد، في 27 حزيران/ يونيو 1993، باستهداف منزلها الكائن في منطقة المنصور، بصاروخ أودى بحياتها هي وزوجها، وشيعت بجنازة رسمية حكومية، رغم أنها قد وضحت سابقًا في لقاءات عديدة، أنها لم تقم برسم هذه الصورة في باحة فندق الرشيد. وهذا كان واضحًا، لأن أسلوبها كان مميزًا، ولم يكن هناك أي تشابه بين الأسلوبين، وإنما من رسم تلك الصورة فنانٌ من ديالى، كان قد ظهر عدة مرات في برامج تلفزيونية وشرح الموضوع. ولم تكن ليلى العطار سوى مدير عام لدائرة الفنون، وهي وظيفة إدارية، ولكن كونها مشهورة ومعروفة، فقد استغل اسمها إعلاميًا، من قبل النظام السابق، للدلالة على الإجرام الأميركي، لتبرير قضية الصواريخ. وعلى هذا؛ فإن فرضية أن الراحلة كانت هي الهدف المحدد للصاروخ القاتل، هي فرضية بعيدة عن الصحة، وذلك للأسباب التالية:

– لم يُعرف عن الفنانة أنها كانت رسامة (بورتريه)، ولا تشتغل بالفسيفساء التي تم تنفيذ الصورة بها على أرضية مدخل الفندق، وبالتالي؛ فإن (ليلى العطار) ليست هي من رسم الصورة.. هناك شخص آخر هو الذي رسمها.

– من غير المنطقي أن تطلق الولايات المتحدة صاروخًا، يكلف البنتاغون ملايين الدولارات، من أجل قتل فنانة (رسمت) صورة للرئيس الأميركي.

– تزدحم وسائل الإعلام في الولايات المتحدة، بالصور والطروحات التي تسخر من الرئيس يوميًا، فلماذا تضايق البيت الأبيض من (الصورة) في بغداد؟

– إذا كانت واشنطن منزعجة من تلك الصورة في مدخل فندق الرشيد؛ فلماذا لم توجه صاروخها إلى الفندق ذاته، وإذا كانت دقيقة في توجيهه بحيث يضرب سيدة راقدة في سريرها؛ فلماذا لم توجهه نحو الصورة المهينة، وبالدقة ذاتها.

إن ما أشيع من أن الصاروخ استهدف الفنانة الراحلة ليلى العطار، بسبب (الصورة)، إنْ هو إلا إشاعة سربتها المخابرات العراقية آنذاك، لإبعاد الشبهة غير الأخلاقية عن صدام الذي أمر بوضع الصورة في مدخل الفندق، كي يدوسها النزلاء بأقدامهم، وبالتالي إلصاق الشبهة بالرئيس الأميركي (باعتباره استهدف سيدة وعائلتها من أجل صورة مهينة له شخصيًا).

سهاد حسن، المذيعة العراقية الكبيرة التي كانت تعرف بـ “حسناء الشاشة الصغيرة”، قالت بعد أكثر من عشرين عامًا على خروجها من السجن، ناجية من حكم صدر ضدها بالإعدام شنقًا حتى الموت، في زمن صدام حسين: “كانت تهمتي أني سخرت من ملابسه”. ومن باب العلم، تمّت تصفية كبيرة، لكل معارضي الحكم في ذلك الوقت، وقُتل في “الانتفاضة الشعبانية” فقط 280 ألف شخص، من الشيعة والأكراد، وصُفيّت معظم الشخصيات المهمة التي كانت مع النظام.

كانت ليلى العطار تعامل موظفيها وأصدقاء المهنة كعائلة واحدة، أو فريق واحد، وكانت غاية في الطيبة والإنسانية، وكانت علاقاتها بالجميع متميزة، وكان لحضورها وكذلك لجمالها وأسلوبها، أثر بالغ في التعامل بشكل إيجابي مع من حولها. وكانت قلقة، بسبب مجمل الهواجس الإدارية والفنية التي تعوق طموحها وأحلامها في الوصول إلى أفضل المراتب، عربيًا وعالميًا، وقد ازدادت شهرتها بعد رحيلها، وزاد الطلب على اقتناء لوحاتها التي يوجد بعضها الآن، في المتاحف وصالات “الغاليري” الرئيسية في العالم. وقد حققت قضيتها شهرة في أميركا، بعد أن غنى لها المغني الأميركي كريس كريستوفرسون أغنية مؤثرة للغاية، حول امرأة جميلة قتلتها الولايات المتحدة الأميركية، أدَّاها على الهواء مباشرة من مركز نوبل للسلام في النرويج، في يوم عيد الموسيقى 2008. إضافة إلى بيع لوحة لها، في مزاد شهير، بأكثر من نصف مليون دولار عام 2010، لأحد العوائل المالكة في الخليج.

مقالات ذات صلة

إغلاق