ترجمات

صحيفة كومرسانت: تيريزا ماي تحدد المادة التي سُمّم بها سيرغي سكريبال ومكان تصنيعها

 

يوم الإثنين الماضي، اتهمت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، روسيا -رسميًا- بمحاولة اغتيال العقيد السابق في المخابرات الروسية وعميل المخابرات البريطانية: سيرغي سكريبال وابنته. وسلمت وزارة الخارجية البريطانية السفيرَ الروسي لدى لندن ألكسندر ياكوفولينكو إنذارًا: على موسكو أن تقدّم حتى مساء الثلاثاء “تفسيرًا مقبولا”، وإلا؛ فستعدّ لندن الاغتيالَ بمثابة “استخدام روسيا القوة ضد بريطانيا بصورةٍ غير قانونية”. ولم تعلن ماي ماذا ستكون عليه الأمور؛ إن اعتبر الرد الروسي غير مقبولٍ، معلنةً من ناحية أخرى، أن بريطانيا مستعدة “للذهاب أبعد” مما ذهبت إليه، بعد مقتل ألكساندر ليتفينينكو.

ويستمنستر في حالة حصار

وصلت الفضيحة الجديدة في العلاقات الروسية البريطانية، المرتبطة بتسميم عقيد المخابرات الروسية السابق والعميل البريطاني سيرغي سكريبال، ذروتها يوم الإثنين الماضي، وذلك بعد مرور أسبوعٍ على العثور عليه وابنته في حالة إغماء، في مدينة سولسبيري، ونقلهما إلى المستشفى بحالةٍ حرجة.

وعلى خلفية التفاصيل الجديدة التي توصّل إليها المحققون، بخصوص محاولة اغتيال العميل المزدوج ذي الـ 66 عامًا، دعت رئيسة الوزراء البريطانية إلى اجتماعٍ طارئٍ لمجلس الأمن القومي، قدّم رؤساء الأجهزة العسكرية والأمنية فيه تقارير عن آخر نتائج التحقيق. حضر الاجتماع كل من رئيس مكتب رئيسة الوزراء ديفيد ليدينغتون، وزراء الداخلية، الخارجية، الدفاع، وزير الخزانة، النائب العام جيريمي بايت، ورؤساء أجهزة الاستخبارات البريطانية وإدارة الاتصالات الحكومية.

قبل إلقاء الخطاب، كانت العواطف في أوجها، فقد طوق المكان المحيط بالبرلمان، بعد المعلومات التي ظهرت في الإعلام، حول العثور على “طردٍ مشبوه” يحتوي على مادةٍ غير معروفة، في أحد مكاتب البرلمان في منطقة وستمنستر، على شاطئ فيكتوريا الذي لا يبعد عن مبنى البرلمان الرئيسي سوى بضع دقائق سيرًا على الأقدام. وفيما كانت الشرطة تقوم بفحص الرزمة المشتبهة، كانت سيارة الإسعاف تنقل رجلًا وامرأة إلى المستشفى كـ “إجراءٍ احترازي”. ومع ذلك، لم تأمر الشرطة بإخلاء البرلمان، إذ تبين أن الإنذار كاذب.

عند وصولها قصر وستمنستر، تحدثت ماي عن شيءٍ واحدٍ: “تعتبر الحكومة البريطانية أن من المرجح أن مسؤولية محاولة الاغتيال تقع على عاتق روسيا. تعرض السيد سكريبال وابنته للتسميم، بمادةٍ أصلها عسكري تسبب شلل الأعصاب، وهي من إنتاجٍ روسي معروفة باسم “القادم الجديد”. وأضافت رئيسة الوزراء أن “السلطات الروسية تمتلك الخبرة في تصفية الناس، باستخدام المواد السامة”.

نذكّر بأن لندن تشتبه بضلوع موسكو في عملية اغتيال ضابط الاستخبارات الروسية السابق ألكسندر ليتفينينكو. وبحسب تيريزا ماي، فإن السلطات الروسية تعتبر المنشقين “هدفًا مشروعًا”، الأمر الذي يُعتبر دليلًا إضافيًا غير مباشر على مشاركة موسكو في محاولة اغتيال سكريبال.

ومع ذلك، وبحسب ماي، فإن الحكومة البريطانية لا تستبعد إمكانية “فقدان السلطات الروسية السيطرة”، على المادة السامة المستخدمة في المحاولة. وأعلنت رئيسة الوزراء أن وزارة الخارجية البريطانية استدعت السفير الروسي، وسلمته إنذارًا: لدى موسكو فسحة حتى مساء الثلاثاء، لتقديم “تفسيرٍ معقول”. وإذا تبين أن رد موسكو غير مرضٍ؛ فإن لندن ستصنف المحاولة، كـ “استخدام روسيا القوة ضد بريطانيا بصورةٍ غير قانونية”.

ما هو “القادم الجديد”؟

قال مبتكروه من معهد الأبحاث العلمية الحكومي للكيمياء العضوية والتكنولوجيا: إن المواد التي تشل الأعصاب من سلسلة “القادم الجديد” هي الأقوى، ولا مثيل لها بين الأسلحة الكيمياوية في العالم. وكان العمل على إنتاج هذه السلسلة قد اكتمل نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، وفي العام 1991 (بحسب أحد المخترعين للسلسلة)، نال القائمون على تطويره جائزة لينين. وعلم الجمهور تفاصيل الإنتاج والتطوير بداية التسعينيات من الباحثين الرئيسيين في المشروع، المدعو فلاديمير أوغليف، والباحث فيل ميرزيانوف الذي هاجر بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية. وأكد الرجلان أن “القادم الجديد” قد جرى تطويره في إطار مشروعٍ سري، يحمل اسم (فوليانت) وهو سلاحٌ كيميائي ثنائي، وتتمثل خاصيته في أن إعداد “وضعيته القتالية” يتم قبل الاستخدام مباشرةً. وقبل هذه المرحلة تكون مكوناته غير مؤذية نسبيًا، ويجري حفظها بصورةٍ منفصلةٍ عن بعضها البعض. ومن المعروف أن إنتاجه واستخدامه محظور رسميًا، بموجب الاتفاقيات الدولية، ومن دون موافقة السلطات؛ تصبح ملاحقة وتتبع إنتاج مكوناته الأولية أمرًا بالغ الصعوبة عمليًا.

ومن الجدير بالذكر أن السلطات الروسية الرسمية أعلنت، في 27 أيلول/ سبتمبر 2017، الانتهاء من تدمير جميع أسلحتها الكيمياوية بشكلٍ كامل.

الحالة الموثقة الوحيدة لاستخدام المادة السامة، التي يتشابه تأثيرها مع تأثير “المستجد”، أصبحت معروفةً عام 1995، عندما قام القاتل بتسميم المصرفي إيفان كيفيليدي وسكرتيره، عبر تلويث سماعة هاتف المكتب بالمادة القاتلة. ظهرت لدى المصابين أعراض أمراضهم المزمنة (دخل السيد كيفيليدي في حالة الغيبوبة نتيجة قصورٍ كلوي). وبالمناسبة لم تلمس السكرتيرة سماعة الهاتف، ولكنها قامت فقط بنفض الغبار في الغرفة. وقبل موتها، تمكنت من إخبار المحيطين بما حدث معها: “حدث معي الشيء نفسه الذي أصاب كيفيليدي”، الأمر الذي أتاح للمحققين إدراك أنه قد جرى تسميم الضحيتين. وبيّن التحقيق أن المادة كانت بحوزة الموظف في فرع المعهد في مقاطعة ساراتوف. فيما بعد، أدين الموظف على تجاوزه صلاحياته في المركز، لقيامه بصورةٍ غير شرعية بتوليف المكونات الخطرة. وتعرض القاتل نفسه لحالة تسممٍ شديدة (وعولج سرًا في معهد سكليفوسكي)، أما المصرفي الشريك فلاديمير خيتسيشفيللي، الذي دفع لارتكاب الجريمة؛ فقد عوقب بالسجن لفترة طويلة.

بحسب رواية الموظف السابق في الأجهزة الخاصة الروسية، فإن المواد السامة التي تسبب الشلل، كغاز الأعصاب، تستخدم للقضاء على الهدف، عندما تكون هناك رغبةٌ بلفت الانتباه على نطاقٍ واسع. ويقول العميل السابق: “المواد الحربية السامة طريقة قذرة جدًا؛ لأنها تشكل خطرًا على أشخاصٍ غير مستهدفين بالأصل. وقال العميل: “تتوفر تقنياتٌ أكثر حساسية يستخدمها المحترفون”. ونشير إلى أنه في حالة سولزبيري، لحق الضرر بأكثر من 20 شخصًا، جاؤوا لزيارة سيرغي ويوليا سكريبال.

“الإنجليز سيكونون آخر المتصالحين مع روسيا”

وصفت تيريزا ماي الحادث مع سيرغي سكريبال، بأنه “عمل غير مسؤول، قامت به روسيا ضد المملكة المتحدة”، وحذرت: “بريطانيا العظمى ستتخذ إجراءاتٍ أكثر جدية من الإجراءات التي أعقبت حادثة مقتل ألكساندر ليتفينينكو عام 2006”. ونذكر أن بريطانيا طردت حينذاك عددًا من الدبلوماسيين الروس، وقطعت الاستخبارات البريطانية علاقاتها مع الاستخبارات الروسية.

لم تحدد تيريزا ماي طبيعة الخطوات التي ستتخذها بريطانيا هذه المرة. وفي الوقت نفسه، وفي معرض ردها على سؤال أحد البرلمانيين فيما إذا كانت العقوبات ستؤثر على بطولة العالم لكرة القدم، أجابت ماي بالإيجاب. ولم يستبعد وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أن يرفض المسؤولون البريطانيون المشاركة في الحدث الرياضي على الأراضي الروسية.

من جانبها، نشرت صحيفة (الغارديان) مجموعةً من الإجراءات المحتملة التي قد تتخذها بريطانيا؛ إذا تطور الموضوع بشكل أسوأ. فبالإضافة إلى طرد الدبلوماسيين والأعمال التجارية، يمكن أن يتم إغلاق قناة RT، ويمكن أن تنشر معلومات تتعلق بحسابات وأصول بعض السياسيين ورجال الأعمال الروس في المملكة المتحدة وتجميدها، كما يمكن استبعاد روسيا من نظام تبادل المعلومات المصرفية SWIFT، وتحريض أعضاء حلف (الناتو) على زيادة الوجود العسكري على الحدود مع روسيا وإدراج روسيا على قائمة “الدول الراعية للإرهاب”.

أشار الخبراء الروس والبريطانيون الذين قابلتهم صحيفة (كومرسانت)، إلى أنه على الرغم من التشابه الظاهري بين “قضية سكريبال” وقضية الضابط السابق في الاستخبارات الروسية: ألكساندر ليتفينينكو الذي قُتل مسمومًا في بريطانيا، عام 2006، فإن بينهما بعض الاختلافات المهمة. وفي هذا الصدد، فإن الأزمة الحالية لن تكون تكرارًا بسيطًا أو نسخة جديدة من الأزمة التي وقعت قبل 12 عامًا.

وقد أوضح بروفيسور معهد لندن (King S College) دوميتيللا ساغراموزو: “هذا يعود إلى أن الحكومة متهمةٌ بالفشل في تعلم الدروس من حادثة مقتل ليتفينينكو، وأن الأجهزة الأمنية البريطانية لم تتمكن من حماية عميلها”.

من جانبه قال السفير الروسي السابق لدى لندن أناتولي أدامشين لصحيفة (كومرسانت): “جاءت تصريحات تيريزا ماي أمام البرلمان، وكأنها إنذار موجه إلى موسكو، مما يدل على استعداد بريطانيا للذهاب حتى اتخاذ تدابير متطرفة، بغض النظر عن درجة الدعم الذي ستتلقاه من حلفائها الغربيين. وبشكلٍ عام، فإن قضية سكريبال التي تتفاقم بطريقة أكثر سلبية قد تجعل بريطانيا من أشد خصوم موسكو في الغرب، وهو الدور الذي ما زالت الولايات المتحدة الأميركية تلعبه حتى الآن. كل هذا يؤدي إلى أن يصبح الإنجليز آخر المستعدين للمصالحة مع روسيا”.

“استعراض مسرحي في البرلمان البريطاني”

جاء رد الرئيس الروسي هادئًا تمامًا على الفضيحة التي أحاطت بقضية سكريبال، حيث قال في رد على سؤال أحد الصحفيين من محطة BBC البريطانية: “تحققوا من الأمر في بلادكم، وبعدئذٍ سنبحث الأمر معكم”. أما ممثل وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، فقد وصفت ما جرى في البرلمان البريطاني بـ “الاستعراض المسرحي”. و”الاستنتاج جلي: حملةٌ معلوماتية- سياسية تقوم على الاستفزاز”.

وفي وقتٍ متأخرٍ من المساء، أفاد موقع وزارة الخارجية الروسية أن الاتهامات الموجهة إلى روسيا تسعى إلى تقويض صدقية موسكو، في تنظيم بطولة العالم لكرة القدم. وذكر الموقع أنه “حذر مرات عديدة من أن وسائل الإعلام الغربية ستبدأ، قبل انطلاق كأس العالم، حملةً إعلاميةً واسعة لتقويض الثقة بروسيا، كمضيفٍ لهذا الحدث الرياضي”. ويشدد الموقع: “كما توقعنا، وخاصةً أن الإنجليز يعملون بنشاطٍ؛ لأن بلادنا حصلت عبر منافسةٍ شريفة على حق استضافة بطولة العالم لكرة القدم، لعام 2018”.

يقول مصدر حكومي روسي رفيع المستوى لصحيفة (كومرسانت): إن الاتهامات التي أوردتها تيريزا ماي بحق الاتحاد الروسي تحمل “طابعًا عاما واضحًا”. ونحن ننطلق من حقيقة أنه طالما لم تسمح السلطات البريطانية للخبراء الروس المشاركة في التحقيق؛ فإن الحديث عن الموضوعية أمرٌ غير واردٍ البتة”. وبحسب المسؤول الرفيع، فإن من المهم لموسكو أن تحصل من البريطانيين على إضبارةٍ طبية كاملة للسيد سكريبال، وفي حال موته، النسخة الكاملة عن التحقيق بأسباب الوفاة.

 

اسم المقالة الأصلية И яд следовал за ним

Тереза Мэй назвала вещество, которым отравили Сергея Скрипаля, и где оно делалось

كاتب المقالة سيرغي ستروكان- مكسيم يوسين- إيفان سافرونوف- ميخائيل كوروستنيكوف- فسيفولود إينيوتين
مكان وتاريخ المقالة صحيفة كومرسانت. 13 آذار 2018
رابط المقالة https://www.kommersant.ru/doc/3570019?from=four_mir
ترجمة  سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق