تحقيقات وتقارير سياسية

إيران واختراق المجتمعات العربية

 

كثيرون يعيدون استمرار وتجدد المشروع الإيراني المتّسم بعدائه للعرب، وتوجهه نحو الوطن العربي، إلى التاريخ والثأر؛ فمنذ أن نجحت الفتوحات العربية، في تحطيم هزيمة الجيوش الفارسية في القادسية، وأنهت تلك الإمبراطورية، وتحوّلت إيران إلى ولاية إسلامية؛ لعب الإيرانيون دورهم المهم في الإمبراطورية العربية الإسلامية، وبخاصة في الخلافة العباسية، وفي الأنشطة والترجمات والأدب وغير ذلك، على الرغم من أن طيّات التاريخ كانت تتحدث عن محاولات إيرانية لاستعادة الأمجاد، وضرب الإمبراطورية العربية عبر عدد من المحاولات الانفصالية، أو المشاركة في التحركات الاستقلالية والانفصالية، وإقامة بعض الممالك والدول المستقلة عن الخلافة فعلًا، والوجود الفاعل في الحركة الشيعية، خاصة بعد الحكم الصفوي، وفرضه التشيّع على فارس والمناطق التي حكمها.

لنضع التاريخ ومؤثراته جانبًا، وإن كان لا يمكن حذف دوره، وما يمثله في تركيب البشر وجذوة حركتهم، ولنتحدث عن التاريخ الحديث، حين كان النظام “شاهنشاهيًا”، وانخرط في الأحلاف الدولية ضد حركة النهوض العربي، وتحالف مع الصهيونية وكيانها الاغتصابي في فلسطين، ودعمها بما يمكن خلافًا لإرادة ومواقف أغلبية الشعوب الإيرانية الإسلامية، شيعية كانت أم سنية.. لكن حكم الشاه لم يعمل على اختراق المجتمعات العربية من الداخل، أي لم يوظّف الحالة الشيعية وتصديرها، كما فعل ويفعل حكم “الآيات”، ولاية الفقيه.

لقد طرح سقوط الشاه بتلك الطريقة، حين تخلت عنه أميركا ودول الغرب الحليفة له، ودعم فرنسا لوجود آية الله الخميني عندها، وتسهيل حركته وإيصال أشرطته المسجلة إلى إيران، مزيدًا من الأسئلة عن الحقيقة التي صدّرت الحالة الشيعية في المشهد، والذين سيطروا على الحكم واستفردوا به، بعد إبعاد وتصفية جميع الحلفاء وقوى المعارضة التي كافحت عقودًا لإنهاء نظام الشاه، حتى بعض “آيات الله” المخالفين لفلسفة ولاية الفقيه، وخط الخميني، وهل كان الدعم الغربي عفويًا، من خلال الوقوف مع الشعوب المطالبة بالحرية وإنهاء النظم التيوقراطية الشمولية، أم أن أهدافًا أبعد من ذلك، ترتبط بجوهر المشاريع الاستراتيجية ومخططات الغرب للمنطقة، وسبل الإبقاء على مناطق النفوذ عبر خلق البيئات المناسبة، وأفضلها إيجاد عوامل للصراع بين دول المنطقة، وأكثرها خطورة الصراعات المذهبية التي تفوق بخطورتها الصراعات القومية والعرقية وغيرهما؟

في جوهر المشروع الصهيوني، ركن رئيس يركّز على أهمية تغذية الصراعات المذهبية في المجتمعات العربية؛ كونها الأشدّ فتكًا في تقسيم تلك المجتمعات عموديًا، وخلق البيئة المناسبة لحروب أهلية طويلة، ولتهديم الوحدة الوطنية والمجتمعية، والتمهيد للتقسيم متعدد الأشكال، ويمكن عبر ذلك، من خلال التنسيق الأمني، أن نفهم سرّ العلاقة بين الغرب عمومًا، والكيان الصهيوني بوجه الخصوص مع النظام الإيراني الذي يرفع شعارات نارية عدائية لـ “إسرائيل”، والذي يعلن تبنيه النضال الفسلطيني، ودعمه حركات المقاومة، بما يتجاوز قصة ودور “حزب الله”، إلى عدد من القوى الفلسطينية المقاومة، وعلى رأسها (حماس)، و”الجهاد الإسلامي”، وغيرهما.

الالتقاء لا يعني التوافق التام؛ فبين “إسرائيل” والنظام الإيراني، تناقضات ونزاعات حقيقية عديدة، تصل إلى حد الاشتباك المسلح، خاصة الموقف من الوجود الإيراني قرب حدود فلسطين، والمشروع الإيراني النووي، وما يمثل من خطر حالي وقادم على الكيان الصهيوني، وقضايا أخرى متعددة يجب قراؤتها ضمن هذه اللوحة المعقّدة، وفي العلاقة أيضًا مع أميركا.

فكرة تصدير الثورة إلى خارج إيران هي ركن رئيس من مشروع “آيات الله”، ليس تحقيقًا لمجموعة العقائد الإيمانية المحشوة بكثير من الأحقاد، وفكرة الثأر، والواجب الديني وحسب، بل لأن النظام الإيراني يجد أن مجاله الحيوي، المهم، هو الوطن العربي، وأن هناك بيئات مناسبة، وأنصارًا ومؤيدين في معظم البلدان العربية، يمكن تأطيرهم عبر خلق أجواء إيجابية، تنشدّ لما تطرحه وتقوم به إيران.

كانت فلسطين هي الأكثر مواءمة، ففلسطين قضية العرب الأولى، وحتى أغلبية المسلمين في العالم، وفلسطين تقاوم وتعاني الوضع العربي المنهار والمتخاذل، وفلسطين جاذب كبير، فركبت إيران عليها مصوّرة نفسها أنها قضيتها الرئيسة، فقامت بكل ما من شأنه توجيه أنظار الشعوب العربية نحوها، وتدعّم ذلك بقوة فائقة بإنشاء “حزب الله” والدور المقاوم الذي قام به في التصدي للاحتلال الإسرائيلي، وصولًا إلى خروج “إسرائيل” من الجنوب، كواحد من أهم الانتصارات والإنجازات التي أدخلت “حزب الله” ورئيسه إلى القلوب والعقول والبيوت، في عموم الوطن العربي، ودعم حركات (حماس) و”الجهاد الإسلامي” وعموم التنظيمات المقاومة، وعقد مؤتمر سنوي للقدس وفلسطين، وكثير من الإشهارات الجاذبة.

في الوقت نفسه، كان “دعاة قم” يتحركون بقوة في أرجاء الوطن العربي، لنشر الفكر الشيعي، والترويج للنظام الإيراني، مسلحين بتلك السمعة، وبتأثير آخر لا يقل أهمية، وهو السلاح المالي عبر الإغداق على تلك التحركات، وإنشاء بعض الجمعيات والحسينيات والهيئات المرتبطة بإيران، واختراق عمق المجتمعات العربية بحركة تشيّع لم تكتف بالحالة الدعوية، بل كانت مشبعة ببثّ الأحقاد، والماضوية، والعودة إلى تاريخ الصراع وفق الروايات المناسبة، والفائضة بالتأليف، وغسل الأدمغة، والتركيز على السنّة، وكأنهم مسؤولون عن ذلك التاريخ في صفحاته الدامية، خاصة مقتل الحسين وبعض القصص الفجائعية وتوظيفها.

تحتل الحالة السورية ركنًا رئيسًا في تلك الاستراتيجية الإيرانية، نظرًا إلى أهمية سورية في الوطن العربي والمنطقة، وهي الجسر الذي يوصل المشروع الإيراني إلى المتوسط ولبنان، وفي سورية حكم ذو بعد طائفي أسبغ عليه بعض الآيات أنه شقيق للشيعة، خاصة بالفتوى التي أطلقها موسى الصدر باعتبار الطائفة العلوية جزءًا من الحالة الشيعية، ومن خلال مواقف الطاغية الأكبر في دعم إيران، خلال الحرب مع العراق، وتغلغل الوجود الإيراني في سورية بأشكال مختلفة، تفاقم، واتسع بعد فرض التوريث، وطريقة تعامل الوريث معه، والذي كان يثير حنق وخوف عديد العلويين من داخل النظام.

كان ذلك كله قبل الثورة، أما بعدها فقد ظهرت حاجة النظام أكبر إلى إيران، حتى إذا ما أصبح انهيار النظام وشيكًا، وبدأ يتخلخل داخليًا بالفعل؛ كان القرار الإيراني الصريح الذي أُبلغ به رأس النظام صراحة: “ممنوع أن تنهار أو تهرب، ونحن سنضع كل ثقلنا”، وقد وضع الإيرانيون ثقلهم بالفعل، وبدأ التحول في ميزان القوى منذ معارك القصير، ودخول “حزب الله” الميدان بأوامر إيرانية، ثم استقدام عشرات الميليشيات الطائفية، ودخول مئات الخبراء العسكريين الإيرانيين، وقوات من “الحرس الثوري” بقيادة الشهير قاسم سليماني، يترافق ذلك مع اختراقات واسعة للمجتمع السوري عبر مخطط منهّج للتشيّع، وإقامة مزيد من الحسينيات، وتشكيل قوات خاصة للحرس الثوري من السوريين بقيادة ضباط إيرانيين، والأخطر من كل هذا عمليات التغيير الديمغرافي التي تحصل في دمشق وريفها وبعض المناطق السورية، وشراء الأراضي والبيوت واستملاكها بأسماء إيرانية مباشرة، أو جرى تجنيسها، أو من خلال شركات تابعة لإيران.

نجحت إيران، ومعها النظام الفئوي، إلى مسافة مهمة، في إحداث شروخات داخل المجتمع السوري، وتصدير الصراع المذهبي كسبب رئيس لما يجري، ومحاولات حرف الثورة عن جوهرها وأهدافها. لكن الوجود الإيراني في الوقت نفسه يعاني إشكالاته في سورية، حتى من قبل أطراف في النظام، وعبر أوساط واسعة في الطائفة العلوية، عدا التنتافس مع المشروع الروسي، ووجود تباينات بينهما تصل إلى حد التناقض والقابلية على اتخاذ إجراءات روسية قاسية، والانفكاك عن الحليف الإيراني، دون أن ننسى أن “إسرائيل”، ومعها أميركا لا يقبلان بهذا الوجود الإيراني الخطير الذي يقترب من حدود فلسطين، ولن يسمحا بوصول الخط البري الإيراني سالكًا إلى لبنان، ثم إن الشعب السوري المغلوب على أمره حاليًا، في عددٍ من المدن والمناطق، سيستعيد مواقفه الوطنية والتمسك بوحدته، وبوحدة النظام البديل والبلاد؛ ما يرشّح قيام صراعات عنيفة في سورية، ستتمكن -ولو بعد سنين- من تطهيرها تمامًا من الوجود الخارجي، وبخاصة الإيراني.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق