تحقيقات وتقارير سياسية

عودة فلاديمير بوتين للأبد

 

تنظيم انتخابات رئاسية في أنظمة الطغيان -ومنها موسكو- ليس إلا جواز مرور نحو شكلانية ديمقراطية، والإتيان بأراجوزات المنافسين للطاغية، لا يمكن أن يرسم أبعادًا جديدة لنظام الحكم غير التي يدركها عامة الشعب والمراقبون في العالم أجمع. فوز بوتين للمرة الرابعة يُتمم ربع قرن من رئاسة روسيا، وهو مؤشر قوي على أن طريقه نحو الأبد يتعدى الفترة التي يسوقها عادة الحاكم الطاغية.

نسبة الفوز التي أعادت الدماءَ مجددًا إلى وجه “قيصر الكرملين”، تبدي للوهلة الأولى أن قلقًا ساور “القيصر” من عدم يقينه بالفوز الساحق. لا الانتخابات ولا طريقة إدارة الدولة تشي بأن عملية الانتخابات الروسية يمكن أن تحل محل الصورة الثقيلة، في السياسة والاقتصاد والعسكرة، التي صبغت ثقافة النظام البوتيني، منذ توليه مقاليد السلطة عام 2000، إذ لا تزال التجربة الانتخابية الروسية أسيرة العقل الشمولي الذي كان مرتبطًا بـ “الحزب القائد”، وأصبح مرتبطًا بشخصية “القائد المنقذ”. محاولة كسر الشكل القديم للحكم الشمولي، وتحويله إلى بنية جديدة تعتمد البلطجة الدولية، لا تستطيع أن تكسر رتابة الصورة في موسكو، وتحجب عنها قدرة الوصول والتفاخر بأعظم إنتاجها، في القرن الحادي والعشرين، بتطوير أدوات الجرائم وتجربتها خارج حدود القيصرية الروسية.

كثيرون يعترضون على إطلاق مصطلح “الطاغية” على بوتين، أو على حكم المافيا الذي يتناول أيضًا علاقة النظام القائم مع شركات النفط والغاز والسلاح، بشركات القتلة المأجورين في سورية والشيشان والقرم ولندن، لكن إذا نظرنا إلى أداء موسكو، قبل اندلاع الثورة السورية؛ فإن سياستها الإقليمية والدولية لا تعدو كونها أكثر من نظام قائم على تصدير الخدمات الدولية والإقليمية، ولم تستطع أن تكون “القطب الثاني”، كما يتمنى مناصروها في فراغ الأحلام، ولا الانتقال من مرحلة الفشل التاريخي إلى مرحلة البناء، إلا من زاوية الفساد والإجرام.

انكشاف موسكو بوتين على كمّ هائل من الجرائم في سورية، وتسويق بوتين لتفاهمات نتنياهو في سورية، يمكن وصفه بأي شيء غير أنه سلوك دولة عظمى، تجاهد ليكون لها موطئ قدم في العالم المتحضر، فكيف لنظام سياسي واقتصادي وأمني وعسكري يخوض حربًا على الشعب السوري، وقواته تحتل أراض سورية، وتقيم قاعدتين عسكريتين، وتنتزع اتفاقات على بيع مقدرات سورية، وتسعى لتثبيت طاغية ومجرم وسفاح لشعبه، رغمًا عن إرادة الشعب السوري، كيف لها أن تسوق عملية انتخابية شفافة وديمقراطية!! فيما هو يساعد، على نحو “مفهوم”، في تخريب وتدمير كل جهود العملية السياسية، في سورية من دون الأسد.

كمّ الكذب والدجل والعمل على تبرير الجرائم هي قواسم مشتركة، بين لغة وزير خارجية بوتين (لافروف) وبين رواية النظام السوري. تلعب موسكو بوتين الدور الحاسم في تأمين الحماية للسفاح السوري، وإمداده بالوسائل العسكرية التي تمكنه من القتل والدمار، وتشاركه وتقوم، بدلًا منه، بمهمة طحن السوريين. من يمتلك تلك المقومات، في دولةٍ تقدم نفسها وريثة القطب الثاني من العالم، لا يمكنه تنظيم شفافية أخلاقية لانتخابات ديمقراطية، ولا في أدنى النسب التي يُشار إليها في الأنظمة المستبدة. على أي حال، النتائج لم تحمل مفاجئات لا لبوتين ولا للشعب السوري ولا للشارع العربي.

يمكن أن تكون نتائج فوز فلاديمير بوتين مؤشرًا قويًا على دعم الطغاة، في المنطقة العربية؛ لأنها تعمل على تأمين مصالحهم، مقابل الاستحواذ على مقدرات البلاد. استعادة موسكو لفكرة تقاسم الإمبريالية، وفوز بوتين، يشكلان عامل استقرار للمؤسسة الصهيونية المتفقة معها على بقاء الأسدية، كضامن أساس ومهم للأمن الإسرائيلي، على الأقل حتى نهاية الربع قرن البوتيني، أو حتى ولوجه نحو الأبد.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق