هموم ثقافية

مجزرةٌ في بيتي

في مديح حروبنا البينية:

منذ عصور قريبة، أقصد منذ أعلن (مارد) الحق السوري رغبته في الخروج على الحاكم؛ صار القول مهمًا، وقبل ذلك كان مهمًا بالضرورة، لكنه لا يظهر وليس من حقه أن يكون، وقد قلت “عصور”، لأدلّل على حجم الردة فينا، في الوقت الذي يجب أن نكون فيه مع ذواتنا بمواجهة عللها، وليس بارتضاء الممكن وقول: “ما سيأتي ليس بأفضل مما كان”. ما سيأتي أسوأ؛ لو أننا وجدنا الممكن/ الحالي أفضل، ويمكن التعايش معه، وبالتالي سيكون هذا القليل بمثابة الكثير الذي كان يتعلّق به السوري، كحلم مشروع وقريبٍ من الحقيقة، ولم يتحصّل عليه لأنّ ظروف دول وهواجسها ومطامعها شكّلت صدًّا، ليس الآن وقت مواجهتها، وعدم المواجهة يعني إقرارًا ضمنيًا بها، لا أقصد الأحلام إنّما عنيت ذلك الفخ الذي ينصب لها. وبهذا الكثير القليل، ومن هذا الكثير القليل، ننفتح على عمق التيه، كما لو أننا أبناء له، من حيث وجوب أن نكون أعداءً له، ومنكلين به؛ ذلك أننا لم نر عدوّنا عدوًا، كما نرى صديقنا عدوًّا، فرحنا نكيد للصديق، لاختلافٍ أو هنةٍ، من حيث إننا نكيد لأنفسنا ونترك للعدو أمانًا، لا يوفره له سلاحه بقدر ما وفرته له اختلافاتنا/ حروبنا، داخل البيت الواحد، ولهذا الانقسام داخل القومية والطائفة والشلة والحزب والفصيل، وأخيرًا داخل الواحد نفسه، وهو ما يبرر أننا عندما ننظر في المرآة، نرى وجهًا غير وجهنا، وقد نفعل ما فعله الحطيئة هاجيًا شكله في الماء: “أرى اليوم لي وجهًا، فلله خلقه … فقُبّح من وجهٍ وقبّح حامله “

وإذا كانت الكارثة تحيط بالكلّ؛ فلا منجاة للفرد دون ربعه، وثقب السفينة لن يخصّ أحدًا دون سواه، والغرق لا يميز بين هذا وذاك، والسمك الذي بلا ذاكرة، وابتلع لحم آخرين، سيبتلع لحم المتناحرين وهم يتقافزون للنجاة الوهم، حين يغرقون مثقلين بذنوبهم ووصاياهم التي لم ولن تصل. أكاد أكون شخصًا، إلى وقت قريبٍ، بكّاءً وندّابًا، لأن لا حيلة لديّ سوى دمعتي، وأكاد أقول إنني تركت هذا الجزء الشخصي الحميم فيّ، بعد أن قرأت في أكثر من مكانٍ، ما يشي بأنّ هذا الفعل مثلبة ومدعاةٌ للسخرية. وأكاد أقول، وهذا التيه الذي نعوم فيه: صار للضباع صوتٌ لا بدّ من سماعه، وإلّا؛ فأنت في نوحك عرضةٌ لأن تسقط عنك “وطنيتك” و”ثوريتك” و”إنسانيتك”، وكما يقول المثل: قملتك ظاهرةٌ للعيان، وقملة الآخرين مستترةٌ، والقذى الذي في عينك غير القذى الذي في عيونهم، وفيما لم تصرخ ملء عينيك، فأنت المثقف والشاعر والمعارض المتقاعس، أسبابٌ كفيلةٌ لها أن تكون صكّ إدانتك، وإن فعلت؛ فسيخرج عليك ضبعٌ عتيق، ويتبول بكلامه على أطرافك “دعك في كتابتك، فهذا المكان لم يخلق لك”، وكم يحدث إذا تحدّث شاعرٌ من بوابة التزامه الأخلاقي والأدبي، وبما يترتّب عليه، بأن يردّ “دعك من السياسة”، في حين هو لا يمارس السياسة إنّما يصرخ من ألمٍ يشتدّ عليه، وهو يرى أهله في اليوم الواحد يموتون ألف ميتةٍ، وقد يقال له “دعك من الدين، فأنت لست من أهل الفقه”، بينما ينصبون أنفسهم نوابًا لله على الأرض، في وقتٍ منعوا على أخيهم في المنهج والاسم قوله “يا الله.. أين أنت مما يحدث”، فالصرخة هنا متوجعة ويائسة ومطالبة، ولم تخرج إلّا إلى قوةٍ كليةٍ هي القادرة والمقتدرة، وما قول “أين أنت” إلّا وجه من أوجه الدعوة/ الدعاء، وبدلًا من أن يقرأ هذا الدعاء في الأمر الذي وُجد له، وهو حدوث ما لا يطاق ولا يمكن تصوره، فإنّ الحدث ينسى لصالح الطفرة، وهي -وإن تكن طفرة وزفرة ألم- مقرّة بشأنٍ عظيمٍ، يديره ربٌّ عظيم!

افعلها ولا تقلها:

المجزرة تلو المجزرة من نظامٍ يجد أتباعه من أهل العمائم أن “لا خروج على الحاكم”، ويجده المثقف الحداثي محقًا، حين خروج التظاهرات من “المساجد”! ولا يتوقف سيل المجازر حكرًا على من لا أخلاق لديه كأمرٍ مسلّم به، ليتعداه إلى من أراد أن يقدم البديل الأخلاقي عنه، ففشل في سنوات ما يوازي فشلًا لعقودٍ خمس، لا سورية الآن بقدر ما هي ثنائيات، ومقولة الواحد الكل والكلّ الواحد خدعةٌ، وإلّا فما الذي يبرر حجم هذه الطعنات التي يوجهها الصديق للصديق ليحفظ العدو، وما الذي يجعل المجزرة مناطقية أكثر مما هي إنسانية، وتصيب ضمير العالم في مقتل! أستطيع القول إننا -والحال هذه- نفعل فعلًا لا قولًا ما يتمثّل فعل أحدهم؛ إذ قالوا: النار في حيك، فقال مالي وما للحي، ثمّ قالوا له: النار في بيت جارك، فقال لجاري ربٌّ يفكّه، ولم ينهض من راحته إلّا بقولهم: النار في بيتك!

النار في بيوتنا جميعًا؛ فهل من متفكّرٍ في الأمر؟

مقالات ذات صلة

إغلاق