أدب وفنون

مقامات أبي سعيد السوري المقامة الحشّاشية

 

 

حدثني خاسر بن رباح قال:

بينما كنت في أحد مخيمات اللجوء في لبنان؛ إذ بفتًى من الفتيان، عريض المنكبين، مفتول الساعدين، جاحظ العينين، ابتدرني بالسؤال، قبل أن يسألني عن الحال: هذه الأرض لنا، ما الذي أتى بك إلى هنا؟ فقلت، والغصة تملأ زوري: أنا أخوك السوري، ألجأتني إليكم نائبات الزمان، وجور الحدثان. وفقدان الأمان. عسى أن أجد عندكم ما يسرّ الخاطر، ويبهج الناظر. فهشَّ وبش، كأنه قبّرة قد خرجت من العش. وأبدى من الفرح والسرور ما يبهج القلوب وينعش الصدور. وقال في حبور: جئت في الوقت المناسب، فهلمَّ حاسب. وأخرج من جيبه دفتره، ودوّن محضره. وشلف رقمًا شلفًا: الأجرة خمسون ألفًا. فقلت يا رعاك الله علام الحساب؟! فليس أمامي سوى التراب. ولم آخذ شيئًا سوى الشتائم والسباب. وهذه أرض بلقع، لا تضر ولا تنفع. فكيف تطلب عليها أجرًا، ونحن لم نصلها إلا فجرًا؟ فشخر ونخر، ونفخ وزجر. وطغى واستكبر، وقال الله أكبر! من قال لك إنها أرض سائبة، ليس وراءها عاقبة؟! من هذه الأرض نعيش، فنحن نزرعها بالحشيش، فإما أن تعدّ، وإلاّ فمدّ.

ولجهلي بالمصطلحات وعدم خبرتي بتجارة الحشيش، طنّشت تطنيشًا، وظننت أنه نوع من النبات، وشيء من علف الحيوانات. فصحح لي المفهوم، وجدد في طلب المعلوم. فاستنكرت ما سمعت، وظننت أنني في الوهم وقعت. وسألته مستفسرًا، وبربرت مستغفرًا: أتزرعون الحشيش، وتنتفون الريش؟! ألا تخافون الواحد الأحد، والفرد الصمد، والنار الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، إنها عليهم موصدة، في عمد ممدّدة. صدق الله العظيم. قل لي بالله عليكم: أليس غير هذا العمل لديكم؟! فأبدى من جانبه أعذارًا، وتلا في ذلك أشعارًا:

كن كما ريح الأصيل   كيفما مالت تميل

إنما العيش اقتنــاص   ليس عن هذا بديل

وأفاض في شرح مقصده، وأنه ثابت على عهده. وأنشأ يقول، وعمر السامعين يطول: أنا يا رعاك الله، من أفراد حزب الله. لدينا مهمات، وعلينا مستلزمات، وعلى عاتقنا مسؤوليات. فالواقع في سورية تعيس، والحرب حامية الوطيس، لعن الله إبليس. فاعترضت مستفسرًا، ولهذا الأمر مستنكرًا. ما لكم ولسورية؟ انتبهوا إلى مشاكلكم الداخلية. فاتخذ شكل الواعظ الوقور، وقال في شيء من الغرور: نحن إخوة في الدين، وعلينا محاربة التكفيريين. الذين أرهقوا العباد، وملؤوا الأرض بالفساد، ولقد أصبح معلومًا، أن انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فنحن نزرع المخدرات، ونتاجر بالممنوعات، من أجل حماية المقدسات، فالضرورات تبيح المحظورات. فبسماحة السيد نقتدي، وبفكره النير نهتدي. لقد كشف الله عن بصيرته، وأعطاه الله سريرته، فهو الرأس المدبّر، والفكر المقرر، والعقل النبيه، المسترشد بولاية الفقيه، فكيفما شاء اتبعناه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فرأيتني أمتثل لأوامره، وأطلب صفو خاطره، متمثلًا بالقول المأثور، على مدى السنين والدهور:

إذا بـــــلاك الله في عصبة      قد أجمع الناس على كرههم

فدارهم ما دمت في دارهم     وأرضهم ما دمت في أرضهم

مقالات ذات صلة

إغلاق