ترجمات

الغارديان: مدنيون بلا أمل، قائد بلا بلد: هل نسمي هذا نصرًا؟

 

يزعم الأسد أنه استعاد السيادة على سورية، لكن المظالم تبقى عميقة لكل من المهزومين والمنتصرين

سوريون يغادرون شرق الغوطة بأمتعتهم نحو مناطق يسيطر عليها النظام، حيث شطرت الغارات الجوية المنطقة المعزولة. تصوير: عمر صناديقي/ رويترز

جاءت بداية النهاية للغوطة أولًا بالتدريج. يائسون وجائعون وخائفون، مشى المهجرون الجدد في سورية في رحلةٍ إلى المجهول، بعد مرورهم بالشرطة العسكرية الروسية، باتجاه الجنود الموالين الذين بدؤوا عملية التدقيق في أسمائهم.

الطقوس المتوترة للمهزومين نفسُها نُفذّت من قبلُ، في حمص وحلب والقصير ومعظم الأماكن الأخرى في البلاد، حيث بدأت في مثل هذا اليوم، قبل سبع سنواتٍ، أولى نوبات الغضب من التحدي الصريح لطرد حكامها القساة. ولّت تلك السنون العصيبة من الانتفاضة، منذ زمن بعيد، واستُبدل بالأمل التسليم، والأمل ابتلعه الخوف.

الناس الذين تمكنوا من امتلاك الشارع السوري، وكشفوا هشاشة نظامٍ، كان يُعتقد منذ زمن طويل أنه كلي القدرة، قد وصلوا إلى الدمار. إن المعارضة المعادية للأسد، الممزقة والمهترئة التي حفزتها الاحتجاجات، لم تنجح -حتى الآن- في كسب الحرب.

كما أن الدولة أيضًا هي شبحٌ لما كانت عليه عندما أفسحت الانتفاضة الشعبية المجال للتمرد. ولأنها غير قادرة على الحفاظ على موقعها، فإن القيادة السورية أوكلت الدفاع عنها إلى روسيا وإيران اللتين استعاد جيشهما موقعًا رابحًا، بعد تدمير الكثير من البلاد في هذه العملية، وعقدوا صفقاتٍ منتظمة مع الفصائل، من دون إبلاغ راعيهم أو داعمهم.

إن ادعاء بشار الأسد بأنه قد استعاد السيادة جعله مثل (الإمبراطور العاري)، الذي لا يستره خيط.

في كل سورية، تم استبدال المعارك النظيفة التي سادت في أوقات عديدة سابقة مرات عديدة، حيث إن الحرب قد انتشرت بطرقةٍ لا تشبه أي صراعٍ آخر، عبر السنوات الـ 50 الماضية. هناك جيش وطني، وجيش في الظل، وإسلاميون، وجهاديون، ووكلاء، وقوى إقليمية من العيار الثقيل، وقوى عالمية، كلها متجذرة بعمق، وتحاول تشكيل الصراع بما يناسب مصالحها.

من سيربح ما تبقى من سورية؛ فسيدفع غاليًا ثمن انتصاره.

في كل حين، تعرض السكان المدنيون للضرب والوحشية والقتل والتشريد، مع غياب نظامٍ دولي، كان من المفترض أن يمنع تكرار الدمار الذي حدث في القرن الماضي، والذي ظهر مشلولًا وعاجزًا.

لقد قُتل أكثر من 500 ألف شخصٍ، في الوقت الذي تدخل فيه الحرب عامها الثامن، من دون ظهور نهاية واضحة في الأفق. في كل البلاد، فقد دُمرّت البلدات والمدن. ومُزّق التعايش، وقد حُرم جيلٌ من الأطفال من التعليم، ونصف السكان على الأقل أمسوا يعتمدون على المعونة.

قد تكون كيفية إعادة وضع سورية من جديد على قوائم رغبات داعميها، ولكن لا يمكن فعل أيّ شيء ملموس، بينما لا يزال ثلثا سكان البلاد خائفين جدًا، بحيث تتعذر عودتهم إلى البلاد.

ما يكذب الادعاءات، بأن الحرب تفقد وهجها، هو الرقم المرعب: أكثر من 6500 شخصًا كانوا يُهجّرون كل يوم، في العام الماضي.

أصبح الصراع على سورية صراعًا مستعصيًا، بالنسبة إلى القوى الإقليمية ونفوذها الذي أدى إلى صدامٍ مباشر بين القوات المدعومة من روسيا، والجيش الأميركي للمرة الأولى منذ الحرب الباردة، فضلًا عن الصدامات بين إيران و”إسرائيل”، وسورية و”إسرائيل”، وتركيا والأكراد.

يبدو من الصعب لجم القوى التي أُطلق العنان لها. ويبدو أن كل أصحاب المصلحة مترددون في التخلي عن مصالحهم، أمام الخطر الماثل أمامهم.

لا شيء من هذا مهمٌ، بالنسبة إلى آخر 15000 لاجئ سوري، غادروا منازلهم في الغوطة، يوم الخميس 15 آذار/ مارس، وعبروا نحو المجهول. ويخشى الكثير منهم من الانتقام من دولةٍ ظلّت عدائيةً لهم بشكلٍ واضح، خلال السنوات الخمس الماضية من الحصار والقصف.

خاف آخرون من مصير أسوأ: انتقام نظامٍ اعتاد على الإفلات من العقاب، مدعوم من نظام دولي لم يفعل الكثير لمنعه من ذلك.

إن الحرب التي لا تتقيد بأي ضابطٍ في سورية، بددت أي حديثٍ ذي معنى عن المصالحة، في الوقت الحالي. المظلوميات، سواء بين المهزومين أو المنتصرين، ما تزال عميقة ومن دون علاج.

إن كيفية إعادة البلاد مرة أخرى إلى التعايش، بالرغم من الآلام، ليست أولويةً بالنسبة إلى أولئك الذين ما زالوا يدفنون شبابهم، أو يقومون بنصب خيام جديدة في أراضي غير مألوفة. كما أنها لا تهم هؤلاء الذين يخوضون حروبًا جديدة على أرضٍ ممزقة تمامًا.

قال محمد عطوان، وهو لاجئ من حمص يقيم في إدلب: “بشار الأسد قال في عام 2012 (إذا استمرت الحرب؛ فلن يكون هناك سلامٌ من المحيط الهادئ إلى المحيط الأطلسي) كان تهديدًا، لكنه أصبح حقيقة”.

 

اسم المقالة الأصلي Civilians without hope, a leader without a country: call this a victory?
الكاتب مارتن تشولوف، Martin Chulov
مكان النشر وتاريخه الغارديان، The guardian، 15/3
رابط المقالة https://www.theguardian.com/world/2018/mar/15/civilians-without-hope-a-leader-without-a-country-call-this-a-victory
عدد الكلمات 673
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق