تحقيقات وتقارير سياسية

سبع سنوات عجاف ودروس لم تنضج بعد

 

لا عجب إطلاقًا أن تكون إشكالية المعارضة السورية وتشتتها، من أكثر القضايا هيمنة وإلحاحًا على الواقع السوري، وهو يطوي سبعة أعوام من الثورة، ولا عجب أيضًا أن تكون ساحة تناول مشكلاتها مرتعًا للمزايدات والتخريجات. ربما يَعجب من حالها مَن كان بعيدًا عن واقع العمل السياسي المعارض في سورية، في حقبة تُعد الأعقد في جمهورية الطغيان الأسدية التي بلغت عقدها الخامس، بعُقدٍ ذات أثر عميق المدى، تراكمت عبر السنوات المريرة الماضية، وربما يستغرب من عَجِز عن قراءة الواقع، دلائله وقرائنه، ومن تعلق بأهداب أمل يكاد يكون سرابًا؛ فالمعارضة السورية، العسكرية والسياسية والمدنية، هي المستهدفة في الهجمة للتصفية، وهي أم القضايا بالنسبة إلى النظام وحلفائه.

صمود الشعب السوري، وهو يستقبل العام الثامن من ثورته، مع معارضةٍ يعدّها البعض حالة ميؤوسًا منها، يشكل مع استمرار ثورة السوريين “مفتاح” المخرج من المأزق الذي تمر به؛ إذ إن الشرذمة والضياع الناجمين عنها، هما صورتان خطيرتان من صور المأزق الخانق والقائم، في إطار الثورة السورية، ونقول ذلك عن يقين بإن استقبال الثورة عامها الثامن، ما هو إلا حل منطقي وواقعي، لمعضلة العمل السياسي السوري، ومحطته الأولى الولوج في طريق تعني انعتاق فصائل المعارضة السورية، على أشكالها وتسمياتها، من شوائب ومعوقات عديدة كبلتها وشلتها ردحًا طويلًا، في مشهد الفرجة على مقتلة السوريين.

درس تجربةِ المعارضة السورية يجب الوقوف أمامه، وإن بدا -في الظاهر- أن مسرحه يراوح في مكانه عاجزًا عن أداء مهام تاريخية؛ حيث إن ما ثبت من دروس السوريين غير المترددين في خوض نضال طويل ومضن وشاق، ضد الطاغية المتشعب والمتجذر الوظائف، تبدو أقرب في شرطها الموضوعي إلى الاستمرار.

من الخطأ تصور تجربة المعارضة السورية، السياسية أم العسكرية، والإعلامية أيضًا، من دون مرتع المزايدات، من أجل إرسائها على مسار واضح وسليم، كما يطالب بعضنا. من الضروري أن نتساءل عن حقيقة المعضلات، وعن الكيفية التي تعاملت فصائل المعارضة معها، وهي تنقسم، من حيث طبيعتها، إلى معضلتين:

المعضلة الأولى موضوعية، وتنشطر إلى شقين: أولهما أخذت ملامحه بالتشكل، منذ نشأته مع انقلاب الأسد الأب، وكانت محصورة في التباين وتصورات العمل السياسي المعارض، بين مختلف القوى السياسية التي استطاع النظام السوري أن يبطش بمعظمها، ويدجن ما كان محسوبًا على “الجبهة الوطنية” التي فرّخت، من نسلها وتفكيرها، معارضة على مقاس النظام وموسكو. ولا داعي لتعداد الإفرازات الخطيرة على عموم الثورة السورية التي تولدت من تلك “المعارضة”. والثاني يبرز في هيمنة العبث الإقليمي والدولي، بأجندة المعارضة السورية، وتوظيفها خارج مصالح الشعب السوري، وقد برز ذلك في ثقة الشعب السوري المفرطة بأشقائه العرب، أو أصدقائه من المجتمع الدولي.

المعضلة الثانية ذاتية، ولو أمكن التغلب عليها وتقليص حجمها؛ لأصبح التصدي للمعضلة الموضوعية متاحًا، والمشكلة الذاتية الملتصقة في المعارضة السورية، هي العقلية التي تُهيمن على قيادات العمل السياسي والعسكري، وتفرز منذ سبعة أعوام عجزًا سياسيًا وتنظيميًا وعسكريًا، أسهم إسهامًا بالغًا في تهيئة مناخات مناسبة لهيمنة الخذلان، وعدم القدرة على تخطي أزمة جدار الثقة، والتنسيق بين مختلف الهيئات والمنصات المعارضة التي بقيت تتفاقم حتى بلغت، في كثير من الأحيان، ذروات صدامية عسكرية فيما بينها، خصوصًا في ذروة شن النظام لأعتى هجماته، إذ كانت تنشغل بعض القوى في عمليات غير مبررة ولا مقبولة، ثم تأتي الأساليب الناتجة عن هذه العقليات التي يفترض أن يعتمد عليها، وتمارس هروبًا باتجاهين: الأول نحو الذات، في محاولة دؤوبة للتركيز عليها، وإبرازها ومناطحة كل شيء لأجلها (الفصائل الإسلامية)، والثاني نحو المجهول، أي نحو قضايا غير مضمونة الطريق ولا النتائج، وبعيدًا عن المعضلات الحقيقية، وعن جوهر الأزمة (منصات موسكو والقاهرة).

على الرغم مما تقدم، فإن التطورات والتعقيدات والضغوط العديدة التي تتعرض لها المعارضة السورية، قد أجبرت بعضها على اتخاذ مواقف، في ظل غياب فهم وقناعة استراتيجيتين بموضوع الحسم، من قاعدة العداء والتعاطي مع نظام الطاغية، وفي ظل غياب دعم حقيقي ومنطقي للشعب السوري، وكذلك في ظل غياب الفهم العلمي لاستحالة أن تكون السياسة هي مصدر التعاطي مع عقلية النظام. ومع التقدير الشديد للجهود المبذولة، من أجل تنمية خطوات المعارضة السورية، ومع القناعة بأنها أفضل ما أفرز في ظروف الثورة السورية وشمولية الهجمة على الشعب السوري، فإن المأمول يبقى منشودًا على أمل أن تفرضه تضحيات الشعب السوري. وبعيدًا من زاوية الوضع المنهار الذي نعيشه، فإن قتال هذا النظام بلا هوادة، منذ سبعة أعوام، هو أهم درس في تاريخ الشعب السوري، المتسلح بدروع يتصدى بها لدولة نووية، ولنظام سلاحه فوسفور ونابالم وسارين وخردل وفاشية مطلقة. إن شعبًا صامدًا كهذا لهو شعب قادر بكل تأكيد على اجتراح معجزة المضي بثورته على السفاح، حتى إسقاطه.

مقالات ذات صلة

إغلاق