كلمة جيرون

إنها هويتنا

 

نحن اليوم بأمس الحاجة إلى إعادة النظر في حياتنا الروحية، في عاداتنا وتقاليدنا وذاكرتنا الثقافية، البعيدة والقريبة، في ما حدث منذ قرون، وما يحدث اليوم وسيحدث غدًا.. وفي كل مكان وزمان من تاريخنا العربي والإسلامي، وفي بلدنا سورية، وغيرها من البلدان التي تحكمها الديكتاتورية والفساد والتخلف.

الثقافة جزء من شخصيتنا وحياتنا الخاصة والعامة، السياسية والاجتماعية والنفسية، التي قد تُساعدنا -إن نحن ألقينا الضوء عليها- في تأمل المشهد الثقافي بروية، وفهم علاقته بالسياسي، وكشف حسنات تلك التجارب وسيئاتها، بمنظار نقدي معرفي، وإدراك عميق للمراحل التي عشناها، في ظل الخلفاء والملوك والأمراء والرؤساء، ومحنة عبادة الجنرالات وكم الأفواه والابتذال والتسطيح والتهميش والتفاهة التي أسسها وجذرها نظام الاستبداد والإرهاب الفكري الحديث، وسيادة الصوت الواحد، وفكر الأب القائد، والعصا الغليظة، والجزرة البائسة، والولاء المطلق للأحزاب والعقائد الجامدة، والشعارات الطنّانة المعادية -عمليًا- للشعوب والفن والمعرفة والجمال، والتي حوّلت خشبات المسارح ومنابر الشعر ودور النشر إلى خرائب، وأحالت الجمال إلى بشاعة، والمثقفين والمبدعين إلى أبواق أو فقاعات. وهي جزء من ممارسات وسياسات إجرامية امتدت لنصف قرن أو يزيد، عشناها وعانينا منها نحن السوريين، وكانت أحد الأسباب التي أودت بنا إلى المأساة الوطنية والإنسانية التي تعصف بنا اليوم.

تجربة وحياة الثقافة، ليست بعيدة عن السياسة، بل مختلطة بها، متورطة فيها؛ وتستحق منا -جميعًا- تقديم جردة حساب ومراجعة نقدية، ذاتية وموضوعية لأنفسنا أولًا. وهي تستحق العناء -أيضًا- لأن عددًا كبيرًا من تلك التجارب الإبداعية المهمة، تم طمسها، وتهميش أصحابها، في أغلب المدن السورية، لصالح أشباه الموهوبين والمثقفين المتسلقين، الذين فرضتهم وكرستهم السلطات السياسية والإعلامية المختلفة. كم مبدعٍ ومبدعة سورية وكم تجربة مشرقة غيبها النسيان، بسبب السياسات الثقافية، غير الوطنية، المنحازة إلى اللون الواحد والانحطاط الواحد والسلطات المتعددة/ الواحدة: (الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية)! وكم مثقفٍ قبِل أن تكون ثقافته وثقافتنا تافهة دميمة فئوية ديماغوجية، ملحقة بالسياسة وعبادة الفرد، تقوم على الاستنسابية والعلاقات العامة والتسطيح والفساد والسخافة؛ تقف مع الظلم وتدافع عن الظالم، وتشوه المعرفة والتاريخ والجمال الكامن في الإنسان السوري!!

إن أمرًا كهذا لا يقع على عاتق فرد أو حتى مجموعة، بل هو بحاجة ماسة إلى جهد وطني يشارك فيه الجميع، وإلى وقت طويل ومؤسسات بحثية وفكرية وإعلامية، وهو -قبل ذا وذاك- جزء لا يتجزأ من المنعطف التاريخي الجبار الذي بدأه الشعب السوري، معبرًا عن عطشه الجارف، وتوقه التاريخي إلى التغيير وإعادة النظر في حياته السياسية والثقافية، ملخصًا ذلك كله في شعار واحد هو الحرية، وإذا كانت الحرية تعبيرًا سياسيًا؛ فإن الكرامة هي التعبير الثقافي والروحي، ليس للسوريين فحسب، بل للبشرية جمعاء.

لنبدأ الآن، وقد بدأنا بالفعل، في نبش هذا الماضي ودراسته بعناية، وإعادة إنتاج الجميل ونفخ الروح فيه، ودفن القبيح إلى الأبد، وبناء هويتنا الوطنية -علميًا ومعرفيًا- جنبًا إلى جنب، مع ما دمرته الآلة الحربية وغطرسة الجنرالات، مع علمنا الأكيد أن بناء الحجر أسهل بكثير من بناء البشر..

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق