أدب وفنون

نفوس مفخخة

 

مدرس فيزياء حديث التخرج، يُعيّن في المدرسة التي لا يكاد يصل إليها المدرس حتى يهرب منها، مفضلًا ترك سلك التدريس، على العودة إليها. وحين تسأل أحدهم عن السبب؛ يكتفي بالقول: “إن أهل تلك القرية وحوش لا يمكن العيش بينهم”.

في طريقه إلى المدرسة، توصل يوسف إلى أن السر وراء ذلك يكمن في العلاقة مع نساء القرية. تلك قرية محافظة، ولا شيء آخر يمكن أن يفسر “وحشيتهم”.

احتفل الطلاب بالمدرس الجديد: قامة تميل إلى القصر مع قليل من البدانة، رأس خال تقريبًا من الشعر وعينان صغيرتان وديعتان، مع فك سفلي متقدم قليلًا، يعطي ابتسامته الدائمة مفعولًا بالغ الود، لا يوجد طيبة أكثر من ذلك، حتى لتبدو نظرته إلى الآخر شبيهة بنظرة الجدة للحفيد.

انتهى اليوم التدريسي الأول له، ولم يكد يرتدي “البيجاما” في الغرفة المخصصة له والتابعة لأحد بيوت القرية، حتى سمع طرقًا على الباب. اضطرب قلبه. “في كل الأحوال، المشكلة تحتاج إلى طرفين، ولن أكون طرفًا في مشكلة”. قال في نفسه وهو يتجه إلى الباب.

كان على الباب إحدى طالبات الصف الثالث الثانوي، وفي يدها كتاب الفيزياء، همّت بالدخول قائلة: “لم أفهم الدرس اليوم يا أستاذ، أريدك أن تعيد شرحه لي”. ردّ يوسف وهو يهرب بنظره عنها: “سوف أشرح لك الدرس كما تشائين، ولكن أرجو أن يكون معك أخوك أو أبوك”. صمتت الطالبة قليلًا، ثم ذهبت ولم تعد.

بعد قليل، سمع من جديد طرقًا على الباب، كانت صاحبة البيت تريده أن يشاركهم الغداء، فاعتذر بكل ما في العالم من أدب وتهذيب، وحين استفسرت منه إن كان يحتاج إلى شيء، فهو غريب وهذا يومه الأول في القرية؛ شكرها بأدب، وأخبرها أنه إذا احتاج إلى شيء؛ فإنه يفضل التحدث إلى زوجها.

يتعب يوسف في تحضير دروسه، كي لا يفتح ثغرة يمكن أن تدخل منها مشكلة مع أحد، يعيد شرح الدروس لمن يشاء، بحضور أحد من الأهل، يسير في الشارع، فلا يستعمل عينيه أكثر مما يوجبه السير في الشارع. وبالفعل قارب العام الدراسي على النهاية، دون أن يتعرض لأي مشكلة. على العكس، صار محبوبًا من أهل القرية.

في تفسير نجاحه هناك، قال يوسف لموجّه المادة: “إن السر يكمن في العلاقة مع النساء، ليس لأن الأهالي محافظون؛ بل لأن نساء هذه القرية عاهرات”.

***

لم يجد السجين الذي يعاني من آلام في الظهر، أفضل من حسان، في كل المهجع. يجلس بجواره معظم الوقت، ينوب عنه في الأشغال التي لا يستطيعها، دون أن تفارقه الابتسامة الطيبة، أو يبدو عليه أدنى ضيق، يذكّره بمواعيد تناول الدواء، كأم حنون، ويحرص على إعطائه شيئًا من الطعام قبل الدواء لحماية المعدة، يدلك له ظهره بالمرهم دون ملل، وبكل رضا، مكررًا للمريض أن لا يهتم لتعبه، فالمهم هو أن يتراجع المرض.

في المساء، يتبرّم حسان أمام سجين آخر، ويقول إنه لا يجد من هو أكثر سفالة من هذا السجين الذي يدّعي وجع الظهر.

***

جاء حسن يطلب الزيت من مصطفى، وفي يده كأس صغيرة. نهض مصطفى مرحبًا وقال: “بهذه الكأس تريد أن تأخذ الزيت، لماذا لم تأت بكشتبان يا رجل!”. وضحك من كل قلبه، ثم تناول من تحت سريره نصف ليتر من الزيت، وأعطاه لحسن. لم يفاجئ هذا السلوك الكريم من مصطفى أحدًا في المهجع.

في باحة التنفس، كان مصطفى يشكو من وقاحة حسن التي لا توصف، فهو يصرف نقوده على الدخان، ويشحذ الزيت من هنا وهناك.

 

*اللوحة للفنان السوري طلال أبو دان

مقالات ذات صلة

إغلاق