تحقيقات وتقارير سياسية

اغتيال عمر علوش: نهاية رجل متعدد الاستخدامات

 

استيقظ سكان مدينة تل أبيض، في ريف الرقة الشمالي، على خبر اغتيال عمر علوش في منزله، بطلقات مسدس مزود بكاتم للصوت. وعلوش، العضو في (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي -فرع حزب العمال الكردستاني التركي في سورية- هو الشخصية السياسية الأهم في المنطقة، والمدير الفعلي لمعظم الملفات السياسية والإدارية، في منطقتي تل أبيض وعين العرب، منذ دحر تنظيم (داعش) منها، على الرغم من أنه لا يحمل سوى تسمية “عضو لجنة العلاقات العامة في مجلس الرقة المدني”، حسب إعلام (حزب الاتحاد الديمقراطي).

عمر علوش محامٍ من مدينة عين العرب في ريف حلب الشمالي، ويملك مع آخرين مشفى في عين العرب، كما يقيم شبكة علاقات اجتماعية واسعة مع الكثيرين، في منطقته وفي منطقة تل أبيض المجاورة في ريف الرقة الشمالي، المنطقتين اللتين تعدّهما الأدبيات الكردية كانتونًا واحدًا. ومنذ طرد تنظيم (داعش) من تل أبيض في صيف 2015؛ وضع علوش يده على معظم الملفات الحيوية، ابتداءً من التعيينات في المجالس المدنية المستحدثة، إلى المساهمة في التسويات مع عناصر (داعش) الذين فضلوا الاستسلام بعد معارك الطبقة والرقة، مرورًا بأدوار يومية تتعلق بنسج تحالفات سياسية مع العشائر العربية في المنطقة، وشراء ولاءات وجهاء محليين وصناعة آخرين. لكن للرجل مهمات سياسية أخرى أوسع نطاقًا؛ إذ إنه احتفظ بعلاقات سياسية واجتماعية دائمة مع أركان في النظام السوري، كما لم تنقطع زياراته إلى دمشق واللاذقية، ويُشير عارفون إلى أن أسرة علوش بقيت في منزل لهم في دمشق، طوال فترة ما بعد الثورة.

الطريقة التي قُتل فيها علوش (استخدام ملثمين مسدسات كاتمة للصوت والقتل داخل منزل القتيل) تُطابق عملية اغتيال المحامي إبراهيم السلامة، يوم 15 شباط/ فبراير الماضي، والسلامة كان وسيط لحظات التفاهم الأخيرة، بين “قوات حماية الشعب” الكردية وتنظيم (داعش)، التي أدت إلى خروج مقاتلي التنظيم من مدينة الطبقة. في ذلك الوقت، أفاد شهود عيان من الجوار ومن أقارب المحامي المغدور، أن القتلة يرتدون لباس وحدة (هات HAT): “وحدة مكافحة الإرهاب”، التابعة لـ “قوات حماية الشعب” الكردية، لكن من دون أن يضعوا العلامة المميزة الخاصة بهذه الوحدة، والمؤلفة من هذه الأحرف الثلاثة التي تختصر اسمها. إذا صح هذا الاستنتاج؛ فإن ذلك مؤشر إلى تصاعد الصراع بين جناحين، بدأا يتبلوران داخل صفوف (حزب العمال الكردستاني). ويرى مراقبون أن فترة ما بعد السيطرة على الرقة شهدت ملامح تيارين أو رؤيتين، داخل (حزب العمال الكردستاني) وذراعه العسكري ميليشيا “وحدات حماية الشعب” العاملين في سورية، يمكن الاصطلاح على تسمية أولهما “القنديليين”، الذي يرتبط بقيادة الحزب في جبال قنديل العراقية، وتسمية الثاني بـ “الأميركيين”، وذلك تبعًا لخياراتهما الاستراتيجية والجيوسياسية. إذ يرى الجناح القنديلي ضرورة فتح جبهة عسكرية وأمنية ضد تركيا عبر الحدود السورية، ويبدو أن هذا الجناح هو المسؤول عن تهريب جزء من الأسلحة الأميركية المُقدمة لميليشيا “الوحدات” إلى تركيا، قبل أن تضبطها السلطات التركية منذ نحو خمسة أشهر؛ بينما يرى الجناح الأميركي ضرورة العمل، من أجل السيطرة على أوسع مساحة ممكنة من سورية، نظرًا إلى تطابق مصلحة الأكراد في توسيع رقعة سيطرتهم، مع مصلحة الأميركيين في خلق قوة تحول دون التواصل بين العراق الخاضع للسيطرة الإيرانية والنظام السوري، إضافة إلى السيطرة على حقول النفط والغاز في دير الزور والحسكة. والجناح السوري يتشكل في معظمه من الأكراد السوريين، ومنهم عمر علوش ومعظم القادة الواجهة، في (حزب الاتحاد الديمقراطي) وميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية.

وما يرجح احتمالات أن تكون عملية اغتيال عمر علوش تصفية من الداخل، هو حدوثها في تل أبيض: القطبة المخفية في السياسات الكردية في سورية، نظرًا إلى كونها منطقة عربية صرف، تقطع تواصل تجمعين كرديين إلى شرقها في رأس العين وغربها في عين العرب، تل أبيض التي حولتها ميليشيا “وحدات حماية الشعب” والأميركيين، إلى منطقة أمنية وعسكرية فائقة الحراسة، منذ طرد تنظيم (داعش) منها قبل نحو ثلاثة أعوام؛ الأمر الذي يشير ربما إلى عدم ممانعة أميركية في التخلص من علوش، وربما من أمثاله في وقت لاحق، لانتهاء أدوراهم أو لدفن الكثير الذي عرفوه معهم. يُضاف إلى ذلك أن وسائل إعلام (حزب الاتحاد الديمقراطي) و”وحدات الحماية” لم تُشر حتى هذه اللحظة إلى خبر مقتل علوش؛ الأمر الذي يشي برغبة في التعتيم عليه. أما الأمر الأكثر أهمية وحسمًا، على ما يبدو، فهو أن علوش -حسب مقربين منه- بدأ يميل إلى الرؤية القنديلية، في ضرورة توجيه الجهود لضرب تركيا، عبر الأراضي السورية في المرحلة الأخيرة، وبخاصة بعد بدء معركة عفرين.

في الأحوال كافة -سواء أكان اغتيال علوش نتيجة صراع بين أجنحة حزبه، أم نتيجة انتهاء دوره لدى مشغليه- إن اغتيال علوش في هذا التوقيت يُشير ربما إلى بداية مرحلة عصيبة، في شمال وشمال شرق سورية، مرحلة قد يكون عنوانها الأبرز: انتهاء الصراع على سورية باستخدام الوكلاء المحليين، والانتقال إلى كباش مباشر بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في مجريات الساحة السورية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق