أدب وفنون

سميرة الخليل لو كنتم العيد هذا العام

 

صباح الأمل، يا سميرة الخليل.. الأمل الذي حاولت أن تغرسيه في دروبنا المحروقة، وأنت تكتبين: “كما نحتفل بخروجنا من السجن، سيأتي يوم ونحتفل بانتصار الثورة، هذه المرة سيكون احتفالًا وطنيًا عامًا”. ربما التقينا أو لم نلتقِ، ذاكرتي المثقوبة بالقمع والرصاص لم تعد تسعفني، لكن طيفك بدأ يلح عليّ ويناديني، منذ أن بدأت الإبادة الجماعية في الغوطة الشرقية، الشهر الماضي، وقبل قليل أنهيتُ قراءة يومياتك في حصار دوما، وأشعر أني أعرفكِ، منذ ألف عام. هل أنتِ بخير؟

قرأتُ الكثير مما كُتب عنكِ وعن ملابسات اختطافكِ، لكني حين قرأتكِ شعرتُ أنك أجمل بكثير وأعمق من كل ما قيل. في تجربتكِ التي دونتها، كمعتقلة سابقة وناشطة محاصرة، كنت واحدة من شعب مقموع، مقهور وسجين، يحاول الخلاص، إنسانة بلا امتيازات ولا مكاسب، تحمل قلبها الدافئ وضميرها الحي، وتفعل كل ما تقدر عليه بصمت، من أجل أن نخرج معًا سالمين من النفق المظلم الذي استولى على حياتنا منذ زمن بعيد.

استوقفني طويلًا ما كتبته في الصفحة الثامنة والثمانين من كتابكِ: “في عام 1987، كان حزب أسمو “حزب العمل”، كان مع الطبقة الكادحة، ولما قرر النظام يصفيه، اعتقل كل القيادات والقاعدة، وأنا من القاعدة. دخل الأمن بالأسلحة وطوق الحارة واقتحم البيت، ركضت ولما صرت بالشارع، ركضوا وراي وشحطوني، والناس كانت عم تتفرج من البرندات [….] ولحد هلق في ناس عم تتفرج، بس مو على اعتقال الناس، على دمار بيوتهم وإعدام ولادهم، ونفس الحزب هلق هو عم يتفرج.! الناس كلها يلي مو من الطبقة الكادحة تركوا البلد، بقيانين الكادحين، وضل الحزب عم يتفرج على البروليتاريا إللي عم بتموت”.

أحسستُ أن تدوينتكِ المكتوبة باللهجة العامية، هي أعمق اختصار لأهم أسباب المأساة السورية أثناء ثورتنا ومن قبلها، وأردت أن أعرف منكِ المزيد عن ظروف حياتك، أنت الوطنية التي خرجت عن سلطة دكتاتور من طائفتها، وكان بإمكانها أن تنعم بمزاياها، بدلًا من أن تقضي أربعة أعوام في المعتقل، لو أنها فقط غضتِ الطرف، مثل الكثيرين، لكنك لم تذكري الكثير عنكِ، واقتصر حديثك على الهمّ العام الذي تتقاسمينه مع الآخرين.

أخبرتني أوراق شريككِ في القهر عنكِ، أنكِ من مواليد المخرم الفوقاني في حمص عام 1961، دخلتِ السجن حين كنت في ربيعكِ السادس والعشرين، وبعد أن خرجت عام 1991، قررت أن تبني حياتك المستقلة في دمشق، وأنت في الثلاثين من عمرك، عملت في تنضيد وإخراج الكتب، بدخل لا يتجاوز المئة دولار أميركي، وفي مكتب جريدة خليجية.

على أعتاب الأربعين التقيتِ ياسين الحاج صالح عام 1999، بعد خروجه من السجن بثلاثة أعوام، وغرقتِ في حبه أثناء “ربيع دمشق” القصير، القصير، تزوجته في أيلول 2002، وأقمتِ معه في بيت بالأجرة من بيوت ضاحية قدسيا، وعلى إثر خطوتك الجريئة، انقطعت علاقتك بأبيك الذي تحبينه، قبل أن تعود المياه إلى مجاريها بعد عدة سنين. وبإمكاني أن أتخيل عدد الجبهات التي فُتحت ضدكِ، وأنت تحاولين تحقيق ذاتك في منظومة اجتماعية كرسها الاستبداد الحاكم، ترى في التفكير الحر خيانة، وفي الحب إثمًا.

جاءت الثورة، ولم نكد نبتسم لها حتى اغتالت اليد السوداء أحلامنا وأعمارنا، وقذفت بنا كل إلى مصير مجهول، توارى ياسين مدة عاميّن، وكتب أنكِ كنتِ تتحركين بشعرك القصير وجسدك النحيل بين بيتك وخمسة بيوت أقام بها، قبل أن يجري تهريبه إلى الغوطة الشرقية، وتجدين نفسك وحيدة ومطلوبة لـ “فرع فلسطين”، وتلتحقين به في أيار 2013، ثم تودّعينه بعد شهرين، وهو يتسلل من جديد إلى الرقة، ومن بعدها إلى تركيا. بإمكاني أن أحس شوقكِ الموجع إليه، أنتِ التي لم تعتادي على فراقه.

ما كان بإمكاننا في أحلك الكوابيس أن نتخيل ما سوف يحدث في الغوطة الشرقية، بعد أن أطبق الحصار الخانق عليها في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر، قبل أن تكملي شهرك السادس فيها، لكن الجرائم الفظيعة وقعت الواحدة تلو الأخرى، أمام أعين المجتمع الدولي، ولم يحرك ساكنًا، وأنتِ كنت في قلب دوما تشاركين أهلها أهوال الموت والدمار، وتكتبين تفاصيل الفجيعة على جدار صفحتك في (فيسبوك)، إلى أن وقعت جريمة اختطافكِ البشعة من مركز توثيق الانتهاكات، يوم التاسع من كانون الأول 2013، أنت وأيقونة الثورة رزان زيتونة، وزوجها الناشط وائل حمادة الذي اعتقله النظام مرتين، والمحامي والشاعر ناظم حمادي.

أنتِ التي قررتِ أن لا تُعتقلي ثانية، فلجأتِ إلى الغوطة المحررة، وكان الحصار الذي فُرض عليها قبيل العيد، أقسى عليكِ من يوميات “سجن دوما للنساء“، حيث أودعكِ “فرع فلسطين”، وأودع أختكِ فيه بعد حين. تكتبين: “أمرّ بالسجن ويخفق قلبي، أفتح الغرف غرفة، غرفة”، “لو أردتُ أن أقارن السجن الذي عشته أربع سنوات بالحصار، فسيكون السجن منفى فيه رفاهية الطعام، رغم شح الطعام وقلته”. يا لسخرية القدر.

في عينيكِ الودودتين، رأينا مآسي الناس، وأنت تدونين تفاصيل يومكِ بينهم: “تقفُ على عتبة البيت، تمرر نظركَ بالشارع الطويل، تجد كثرًا يستعينون بالعكاز، وكثرًا يحملون ندوبًا في الوجوه، وكثرًا عبَر رصاص طائش أجسادهم، كثيرٌ من النساء أرينني مكان رصاصة في أجسادهنّ، بعضهنّ يحملن ندوب تعذيب السجن. هي حرب حقيقية، ليست لعبة (أتاري) مستوردة، هي حرب تتفوق بلا أخلاقيتها، والعالم يتفرج على أشلاء الناس تتطاير على الشاشات.. أناس يموتون يوميًا، من جوع ومرض وقهر، يموتون بقذائف عابرة لبيوتهم، يموتون وهم يُعدّون وجبة غداء لأطفالهم، ويحتارون ماذا سيكون العشاء؟ تأتي القذيفة لتريحهم من معاناة يومية”.

تكتبين: “اشتد الحصار، كان كل شيء في الأسواق، لكن حين أغلقوا الطرقات، كل شيء اختفى، لا شيء يؤكل، قالتْ لي: أين الذين حرروا المكان، لماذا لا يقفون بوجه تجار ومرتزقة المكان؟”. وتعلقين ساخرة من منظمات الإغاثة: “بدنا أدوية على معدة فارغة تمامًا، مو قبل الأكل بساعتين”. تصفين الحياة تحت القصف والحصار في مكان تهدّم نصفه، وفقد آلاف الشهداء، ومن بقي حيًا أغلبهم من النساء والأطفال:

“أمهات تلد قبل الأوان، ويكون الوليد ميتًا، وهنّ بحاجة إلى العناية. لا كهرباء، لا وقود ولا تدفئة، النوافذ بلا بلور، الزهرة هي الغذاء، ورق الملفوف للف سندويشات الفلافل بدل الخبز، وعرنوس الذرة سندويشة ابن الحصار في المدرسة. الناس استعاضت عن السيارات بالدراجة الهوائية، صديقة البيئة، وفي المساء يحل الظلام الدامس، وتصبح الشوارع خالية. الناس قادرون على التأقلم مع كل شيء، عدا قذيفة طائرة تأتيهم من السماء، وتفتت أجسادهم وبيوتهم”.

تكملين دائرة الرعب، في الحادي والعشرين من آب/ أغسطس، حين تكتبين: “انتشر كيمياوي الموت في زملكا وكفر بطنا وعربين وعين ترما وحمورية، وبقية الغوطة تحاول النجدة. بين ساعة وأخرى، يرتفع عدد الشهداء، يُقال 1280 شهيدًا. ما زال الناس يأملون ألا يكون أحبتهم بين المصابين. وتقول النساء مجزرة الكيمياوي أرحم، لا دماء فيها، لا أجسام ممزقة، كانوا بكامل موتهم، دفناهم، لم يخسر أحدًا منهم قطعة من جسمه، ولم تهدم البيوت فوق أصحابها”.

مضى أكثر من أربع سنوات على غيابك، وها هي ثورتنا تدخل عامها الثامن، ولا يزال مصيركِ المجهول مع رفاق الدرب، طعنة غدر في صدورنا. لا تزال المحرقة مستمرة في الغوطة الشرقية، وفي باقي المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وفي كل يوم، يرتفع عدد الضحايا وحجم الدمار. للأسف الشديد، في الثالث والعشرين من تموز/ يوليو 2015 رحل سند روحك، والدك محمد الخليل، لكن بعدها بعام، صدر كتابكِ المهم (يوميات الحصار في دوما 2013) من تقديم وتحرير زوجك ياسين، وفي الذكرى الرابعة لاختطافكم، صدرت مجموعة ناظم حمادي، بعنوان (ضد) عن دار ميسلون.

رزان، سميرة، وائل وناظم، كم كنت أتمنى، وأنا أشعل شموع السنة الثامنة لثورتنا، لو كانت حريتكم هي عيدنا هذا العام، لو كنتم بيننا تستعيدون نشاطكم، في توثيق الانتهاكات التي فاقت كل خيال، ولم تعد تقتصر على النظام وحده، لكنكم أدرى مني أن مناشداتنا وأمنياتنا تضيع في زحمة الرصاص الطائش والذخائر الحية، وأن حراكنا السلمي سيستغرق وقتًا طويلًا، قبل أن تشرق شموس الحرية والعدالة، وينتهي ليل الطغاة.

مقالات ذات صلة

إغلاق