أبحاث ودراسات

مؤشرات تفعيل الدور الأميركي في سورية

 

 

الفهرس

مقدمة

أولًا: ملابسات هجوم دير الزور

ثانيًا: الرسائل السياسية للهجوم

  1. الرسالة الموجهة إلى روسيا
  2. الرسالة الموجهة إلى إيران
  3. الرسالة الموجهة إلى تركيا
  4. الرسالة الموجهة إلى النظام
  5. الرسالة الموجهة إلى “قوات سورية الديمقراطية”

ثالثًا: مؤشرات تفعيل الدور الأميركي

رابعًا: جولة جنيف المقبلة في ضوء مستجدات الموقف الأميركي

خامسًا: أهداف السياسة الأميركية في سورية والمنطقة

  1. أسس هذه السياسة
  2. معوقات وتحديات تطبيق هذه السياسة

سادسًا: التصعيد الإسرائيلي- الإيراني في سورية

سابعًا: خاتمة

 

مقدمة

لعل أهم ما واجهه الحدث السوري، منذ اندلاع التظاهرات المطالبة بالحرية والكرامة عام 2011 وحتى الآن، هو انكفاء الدور الأميركي عن التأثير في مجرياته، ولا سيّما أن الولايات المتحدة هي الدولة الأكثر قدرة ونفوذًا في منطقةٍ حاولت ألّا تغيب عنها منذ الحرب العالمية الثانية. هذا الانكفاء سمح للدول الإقليمية، ولدولة “عظمى” مثل روسيا، بأن تؤدي أدوارًا عسكرية وسياسية، غالبًا غير مواتية، ما أطال معاناة السوريين من ويلات الحرب، وأبعد الحل السياسي الذي تم وضع أساسه دوليًا في مؤتمر جنيف1 عام 2012.

كان الانكفاء الأميركي أو إعادة التموضع سمة غالبة في عهد الرئيس الأميركي أوباما، واستمر كذلك، بشكل أو بآخر، بعد تولّي الرئيس دونالد ترامب. لكن، منذ بداية 2018، ظهرت مؤشرات جديدة على الانخراط الأميركي في سورية، وكان من أبرزها الهجوم العنيف على قوات موالية للنظام شرقي دير الزور؛ الحدث الذي لا تخفى دلالاته السياسية، كما رسائله الموجهة إلى العديد من الأطراف الفاعلة في سورية.

 

أولًا: ملابسات هجوم دير الزور

في الثامن من شباط/ فبراير 2018 شنت الطائرات الأميركية هجومًا على قوات موالية للنظام شرقي نهر الفرات بالقرب من مدينة دير الزور، وتشير مصادر مختلفة إلى أن الضربة كانت عنيفة وأدت إلى مقتل أكثر من مئة عنصر من قوات النظام والقوات الموالية لها، مدعومة من قبل إيران، وتبيّن لاحقًا أن من بينهم الكثير من المقاتلين الروس غير النظاميين.

أعلن بيان للتحالف الدولي أن الضربة كانت دفاعًا عن النفس، بعد تعرض مواقع تابعة لـ (قوات سورية الديمقراطية) لهجوم شرقي الفرات بـ 7 كلم في السابع من شباط/ فبراير. وجاء في البيان أنه تم إبلاغ الروس باقتراب قوات موالية للنظام من موقع تسيطر عليه (قوات سورية الديمقراطية) شرقي الفرات، يوجد فيه مستشارون أميركيون، وجرى إعلامهم بالضربة قبيل حدوثها، وأكّد الروس أنهم لن ينخرطوا في القتال ضد قوات التحالف. وأشار البيان إلى أنه يجري التحقيق في معلومات تفيد باشتراك ضباط متقاعدين روس وقوات إيرانية في الهجوم على مواقع التحالف، وشدد على أن التحالف يركز جهده ضد (داعش) ولا يريد الاصطدام بقوات الأسد.

اتّهم الروس الأميركيين بالسعي للسيطرة على الأصول الاقتصادية في سورية وعدم جديتهم في مكافحة (داعش)، لكنهم، من جهة ثانية، وضعوا اللوم على القوات الموالية للنظام لعدم تنسيقها مع الروس في عمليات الاستطلاع، وقالوا إن ذلك كان سببًا لهجوم التحالف الدولي على هذه القوات.

من جهتها، اتهمت وزارة خارجية النظام في رسالة وجهتها إلى الأمم المتحدة، التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بـحماية ودعم الإرهاب وارتكاب جريمة حرب، وأشارت إلى “نيات أميركية دنيئة ضد سيادة سورية ووحدة أرضها وشعبها”، كما طالبت بـ “حل التحالف الدولي غير الشرعي واعتباره قوةً مساندةً للإرهاب” وفق تعابير الوزارة.

وقع الهجوم على مقربة من حقل (كونيكو) للغاز وحقل (خشام) النفطي، ويُعتبر حقل (كونيكو) أكبر حقل ومعمل للغاز في سورية، وهو يزوِّد بالطاقة العديد من المحطات الحرارية، وأهمها محطة (جندر) في حمص. ومن المعروف أن الحرب ضد (داعش) في المنطقة الشرقية من سورية تضمنت تنافسًا حادًا بين قوات النظام وحلفائه، من جهة، و(قوات سورية الديمقراطية) المدعومة من التحالف الدولي، من جهة أخرى، وذلك للاستحواذ على أهم حقول النفط والغاز في تلك المنطقة، ووصل الأمر إلى حد الاشتباك العسكري أكثر من مرة. وذكرت عدة مصادر في السابق عن استمرار حصول النظام على النفط والغاز من المناطق التي تمت السيطرة عليها من قبل (داعش) أو (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي السوري (PYD) عبر وسطاء، وفي اتفاقيات لتقاسم الحصص والأرباح.

 

ثانيًا: الرسائل السياسية للهجوم

على الرغم من تصريح المسؤولين الأميركيين بأن الضربة الأميركية ذات طابع دفاعي، فإن حجمها لا يخلو من رسائل سياسية موجهة إلى معظم الأطراف المؤثرة في الحرب السورية، من أجل كبح طموحاتها، وملاقاة الدور الأميركي في السعي للوصول إلى توافقات بين الدول المنخرطة في الملف السوري، والتي تدير الحرب على مختلف الجبهات.

 

1- رسالة إلى روسيا

 مرت العلاقات الروسية- الأميركية، منذ بداية (ثورات الربيع العربي)، بمحطات كثيرة لم تخلُ من التوتر، وشابها الغموض أحيانًا، كما في الحالة السورية، في الوقت الذي كانت تسعى فيه روسيا لإثبات وجودها كقوة صاعدة على أنقاض الاتحاد السوفياتي، والتي وجدت في الساحة السورية فرصتها لإعادة الاعتبار لنفسها وتأكيد قوتها وتجريب أسلحتها، بخاصة بعد تحييدها في الملف الليبي، ولا سيّما أن المصالح والمكاسب الموعودة في سورية أكبر بكثير منها في ليبيا، وعلى رأسها الحفاظ على موطئ قدم لأسطولها في شرقي المتوسط من خلال القاعدة البحرية في طرطوس، فضلًا عن الاستثمارات الموعودة في النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية.

تُعدّ الضربة الأميركية في دير الزور رسالة مهمة، من بين رسائل أخرى للروس، مفادها أن محاولتهم الاستفراد بالحل السياسي في سورية ممنوع، وغير مسموح لها بتجاوز الخطوط الحمر المتفق عليها بين حلفاء روسيا على الأرض وقوات (قسد) الحليفة لها.

سبق ذلك توجيه رسالتين عسكريتين مهمتين للروس لا يمكن استبعاد علاقة أميركا بهما؛ استهداف مطار حميميم والقاعدة الروسية البحرية في طرطوس بطائرات من دون طيار في السادس من كانون الثاني/ يناير 2018. وقد ذكرت المصادر العسكرية الروسية أن طائرة استطلاع أميركية كانت تُحلّق في سماء المنطقة وقت الهجوم، وكذلك عملية إسقاط الطائرة الحربية (سوخوي 25) في ريف إدلب من قبل جبهة تحرير الشام (النصرة سابقًا) بصاروخ موجّه لم يُعرف مصدره حتى الآن، ما قد يُعدّ، بصورة ما، اختراقًا أميركيًا لصفوف هذا التنظيم الإرهابي.

إن كان الأمر كذلك، من المرجح أن ينصاع الروس، إذ لا يمكنهم، ولم يكن بمقدورهم، الاستمرار في الحل العسكري لولا الانكفاء الأميركي، وربما تم استخدامهم منذ عام 2015، نيابة عن الأميركيين والغرب في حرب مختلطة القوى والأهداف والمصالح، سواء بالاتفاق المباشر أو من دونه، ولكن إلى أجل.

 

2- رسالة إلى إيران

تتلخص الرسالة الموجهة إلى إيران بضرورة احترام الخطوط الحمر المتفق عليها مع الروس؛ أي عدم التعرض لـ (قوات سورية الديمقراطية) أو قوات التحالف. وكان مساعد قائد الثورة الإيرانية للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، قد هدد، في ملتقى عُقد في طهران بتاريخ الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 2017، بانتزاع مدينة الرقة من القوات الأميركية والكردية. ومن المعروف الآن أن الاستراتيجية الأميركية فيما يتعلق بإيران لا تقتصر على سورية ولبنان، وتهدف إلى تحجيم الدور الإيراني في أرجاء المنطقة كافة، مع التهديد بالانسحاب من الاتفاق النووي من طرف واحد.

 

3- رسالة إلى تركيا

في غمرة ارتياح الرئيس التركي أردوغان، بعد دخول قواته حدود عفرين السورية، أطلق تصريحات مدوية تُشير إلى أن الخطوة المقبلة للجيش التركي وفصائل المعارضة السورية المسلحة المتعاونة معه ستكون منبج، لا بل إنه طالب القوات الأميركية هناك بالانسحاب، وبأن منبج يجب أن تعود إلى أهلها. كان رد الأميركيين هادئًا، وأعلنوا أنهم لا ينوون سحب قواتهم من منبج. وفي هذا الصدد، تعدّ الضربة الأميركية رسالة غير مباشرة لتركيا بأن توسيع معركتها شمالي سورية سيُواجَه برد ملائم، وأن السياسة الأميركية لا يمكن أن تخضع للتهديد والابتزاز.

 

4- رسالة إلى النظام

تعدّ الرسالة الموجّهة إلى النظام تحصيل حاصل، ومفادها أن الرجوع إلى الوراء مستحيل، وأن “سورية الأسد” قد انتهت، وعلى نظام الأسد تقبّل حقيقة الوجود الأميركي على الأرض السورية في المدى المنظور، حتى يتم رسم الخارطة السورية الجديدة، جيوسياسيًا، بين حلفائه وأعدائه!

 

5- رسالة إلى (قسد)

لا شك في أن الضربة الأميركية مطمئنة لـ (قسد)، وتهدف، فيما تهدف، إلى امتصاص نقمة المكوّن الكردي الغالب فيها بسبب رد الفعل الأميركي الضعيف على الهجوم التركي في عفرين، سيما وأن عناصر كردية كثيرة تتسرب إلى عفرين للمشاركة في صد الهجوم التركي. مهما يكن، فإن الدعم الأميركي للأكراد ليس مُطلقًا، ويخضع، في نهاية المطاف، لمستلزمات مصالح الولايات المتحدة مع دول المنطقة، ومنها تركيا.

 

ثالثًا: مؤشرات تفعيل الدور الأميركي

منذ بداية العام الجاري، ظهرت عدة مؤشرات تُفيد بتحول ما في الدور الأميركي، لجهة الانخراط أكثر في مجريات الصراع، ومواجهة الدور الروسي المتزايد في سورية. لقد تركت الولايات المتحدة الروس يصولون ويجولون عسكريًا منذ خريف 2015، بما في ذلك عقد اتفاقيات خفض التصعيد بمشاركة إيران وتركيا، شريكتيها في مؤتمر أستانا. كما تشارَك الروس والأميركيون الجهد، مع الأردن، لإنشاء منطقة خفض للتصعيد في المنطقة الجنوبية الغربية من سورية، والتي كان لإسرائيل مصلحة أساسية في إنشائها بغية إبعاد الإيرانيين وحليفهم (حزب الله) عن “حدودها” في الجولان المحتل.

بيد أن روسيا حاولت في الآونة الأخيرة الاستفراد بالحل السياسي من خلال تكوين مسار جديد عبر )مؤتمر سوتشي( المثير للجدل، وذلك بعد تعثّر سلسلة مؤتمرات جنيف في تحقيق أي تقدم ملحوظ على طريق الحل السياسي لإنهاء الصراع بسبب عدم وجود إرادة دولية فاعلة ومتوافقة لفرض الحل، واقتصار مؤتمر أستانا على قضايا إجرائية الطابع للحد من العنف. ويبدو أنه كان من الصعب على الولايات المتحدة وحلفائها السكوت عن هذه الخطوة الروسية الارتجالية للانفراد بالحل السياسي، وجرى التعامل معها من خلال ثلاث خطوات سبقت عقد هذا المؤتمر:

1- تفعيل ملف الكيماوي: عاد ملف الكيماوي إلى الواجهة منذ بداية العام الحالي بقوة، من خلال العديد من التصريحات التي أدلى بها مسؤولون أميركيون وغربيون، فقد هدّد وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، مطلع شباط/ فبراير بشنّ ضربات جوية في حال التأكد من التقارير المتعلقة باستخدام النظام السوري لغاز السارين. وفي أثناء عقد مجلس الأمن لمناقشة هذا الموضوع، في الخامس من شباط/ فبراير 2018، اتهمت مندوبة الولايات المتحدة روسيا بعرقلة التحقيقات المتعلقة باستخدام السلاح الكيماوي في سورية، فيما رفضت روسيا أي صيغة لبيان يصدر حول الكيماوي إذا تضمنت اتهامًا لدمشق في استخدامه. وكانت روسيا قد استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار ياباني لتمديد مهمة بعثة التحقيق في استخدام السلاح الكيماوي في سورية بتاريخ 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.

2- إعلان الأهداف الخمسة للاستراتيجية الأميركية في سورية: وردت هذه الأهداف في خطاب لوزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، في جامعة (ستانفارد) بولاية كاليفورنيا في 17 كانون الثاني/ يناير، وهي:

– منع (داعش) و(القاعدة) من العودة إلى العراق وسورية بأي صيغة

– الحد من النفوذ الإيراني في سورية ومنع إيران من إنجاز مشروع الهلال الذي يربطها بلبنان عبر العراق وسورية

– منع سورية من امتلاك أسلحة الدمار الشامل

– العمل على توفير حل سياسي للأزمة السورية لا يكون للأسد دور فيه

– تمكين اللاجئين من سورية والنازحين فيها من العودة إلى ديارهم طواعية وبلا إكراه

3- (لا ورقة) الدول الخمس: قدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن، عشية عقد (مؤتمر سوتشي)، (اللاورقة) للتعاطي مع هذا المؤتمر، والتي تضمنت الشروط التالية:

– أن يُعقد المؤتمر لمرة واحدة

– ألا يكون بديلًا لمؤتمر جنيف

– أن ترعاه الأمم المتحدة وتحضره الهيئة العليا للمفاوضات

– أن تكون المرجعية للأمم المتحدة في ما يتعلق بالعمليتين الدستورية والانتخابية

كما وردت في (اللاورقة) مقترحات جرى تقديمها إلى الأمم المتحدة لاستخدامها كأساس للعملية السياسية في جنيف، وتم تكليف وزير الخارجية الأميركي بالحوار مع وزير الخارجية الروسي بالاستناد إليها. وقاطعت دول (اللاورقة) مؤتمر سوتشي، ودفعت الجسم الأساسي في المعارضة (الهيئة العليا للمفاوضات)، لمقاطعته أيضًا، فيما حضرته المعارضة المقربة من تركيا، قبل أن تنسحب مع ممثلي الفصائل العسكرية التي قبلت الحضور بدعوى وجود شعارات تمثل النظام، الأمر الذي وضع المؤتمر  في زاوية سياسية ضيقة، وخفّض كثيرًا من سقف توقعاته، وانعكس على مخرجاته التي اقتصرت على الاتفاق على تشكيل لجنة دستورية يشكلها المبعوث الدولي، دي مستورا، من النظام والمعارضة، ويتم الإعلان عنها في جنيف المقبل.

 

رابعًا: جولة جنيف المقبلة في ضوء مستجدات الموقف الأميركي

من المفترض، منطقيًا، أن تكون جولة مؤتمر جنيف المقبلة الاختبار المكثف لنتائج تفعيل الدور الأميركي، ولجدية الولايات المتحدة في الوفاء بالتزاماتها في ما يتعلق بالحل السياسي في سورية. وعلى الرغم من أن مخرجات التوافق الدولي في جنيف1، التي كانت بداية طريق الحل، تدعو إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، إلا أنه في ضوء المستجدات الكثيرة على الأرض، ربما تبدأ المرحلة الانتقالية بصيغة أخرى أكثر سلاسة؛ عن طريق التغييرات الدستورية والانتخابية، ويجري الحديث الآن عن تشكيل لجنتين؛ واحدة لإصلاح الدستور والثانية لتنظيم الانتخابات.

إن إصدار (اللاورقة) و”الزج” بها في الجولة المقبلة من مفاوضات جنيف ربما يُخرج المفاوضات من مأزقها، ويُضفي على مجرياتها المزيد من الجدية بحضور ودعم الدول التي أصدرتها، علاوة على الأطراف الأخرى الراعية والداعمة. لكن من الضروري أن يتم إخراج نتائج المفاوضات عبر قرارات أممية يصعب التنصل منها بالنسبة إلى مختلف الأطراف، ما يؤمن دعمًا قانونيًا فعالًا للعملية التفاوضية برمتها. ومن المهم أيضًا أن يكون وفد المعارضة المفاوض على مستوى المرحلة الجديدة في أدائه ووحدة موقفه.

تمثل (اللاورقة) برنامجًا عمليًا وليس مجرد “سلال” معلّقة في الهواء! وهي تتضمن خطة متتالية للحل، تبدأ بالدستور كأساس للعملية الانتقالية، وتتطرق إلى توزيع الصلاحيات الرئاسية، شبه المطلقة، على السلطتين التشريعية والتنفيذية، بما يحقق فصلًا للسلطات، مع الرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية والعسكرية.

وهذا يتجاوب نسبيًا مع مطالب السوريين الذين عانوا من تغوّل الأجهزة الأمنية في الحياة العامة السورية الذي كان أسّ المشكلة، وتسبب بإشاعة جو من الرعب والخوف والمآسي، ما يستدعي حتمًا إعادة هيكلة هذه الأجهزة وتغيير آلية عملها كأولوية لا تحتمل المماطلة.

كما أن الاقتراح المتعلق بأن “يتشكل البرلمان من مجلسين، يكون ممثلًا في مجلسه الثاني من الأقاليم” كافة، صار أكثر واقعية في سورية، إذ لا ديمقراطية بدون لامركزية إدارية، تبعًا لحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في كل محافظة أو منطقة.

 

خامسًا: أهداف السياسة الأميركية في سورية والمنطقة

مُنيت السياسة الأميركية في العراق، بعد احتلاله عام 2003، بالفشل الذريع، ربما لعدم التقدير الكافي للأوضاع السياسية والاجتماعية في مجتمع خرج لتوه من كهف الاستبداد وتفاقمت فيه الأحقاد. مثّل ذلك درسًا كبيرًا للأميركيين، فنأت الولايات المتحدة بنفسها، ونحت باتجاه إدارة الأزمات في المنطقة، عوضًا عن التدخل المباشر والزجّ بقوات أميركية كبيرة العدد في صراعاتها، والاستعاضة عن ذلك بقوى محلية يجري إعدادها للقيام بمهمات في مصلحة الأمن القومي الأميركي. وفي سورية، ارتكزت السياسة الأميركية على الترقب والانتظار، ثم عملت على إدارة الأزمة بالتعاون مع الدول المجاورة، ومن ثم التدخل المباشر، بعد اجتياح (داعش) لأراضٍ واسعة في سورية والعراق عام 2014، وتهديده لمصالح أميركا وحلفائها.

منذ تشكيل التحالف الدولي ضد (داعش) في آب/ أغسطس 2014، والتدخل الروسي في سورية نهاية أيلول/ سبتمبر 2015، تسابقت أميركا وروسيا، من خلال الدعم الجوي والاستشاري لحلفائهما على الأرض، على تحرير الأرض السورية من سيطرة هذا التنظيم الإرهابي، ليفصل بينهما الآن نهر الفرات على وجه التقريب.

ويمكن مقاربة السياسة الأميركية الجديدة من خلال قراءة:

 

1- أسس هذه السياسة

أ- تثبيت الوجود الأميركي في المنطقة الشمالية الشرقية من سورية وحماية حدودها بوساطة القوة الأمنية التي أعلنت عنها بقوام يصل إلى 30 ألف عنصر، مع الحفاظ على قاعدة التنف ومطار الطبقة، ما يُشكّل حاجزًا على امتداد الأراضي السورية، من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، يمنع تحقيق المشروع الإيراني بالتواصل الحر مع دمشق وبيروت، ويحد من حركة الروس في سورية. تنطلق الرؤية الأميركية من واقع أن المنطقة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل حوادث (الربيع العربي). ويسمح الموقع الجغرافي للإسفين الذي تسيطر عليه في شمال شرقي سورية، مباشرة أو عبر حلفائها، بالتحكم ومراقبة، ليس سورية فحسب، وإنما كامل منطقة (الهلال الخصيب)، فضلًا عن جاراته الإقليمية الثلاث، تركيا وإيران و”إسرائيل”.

ب- حماية “إسرائيل” من أي خطر جدي، إيراني حاليًا، ومن حصول حلفاء إيران على أسلحة قد تُشكّل خطرًا على أمنها، وهو الهدف الأميركي الثابت، ماضيًا وحاليًا ومستقبلًا، إن لم تحصل تطورات استراتيجية تُعيد تشكيل منطقة الشرق الأوسط، بحيث تنتفي الحاجة إلى هذا الإجراء، وهذا غير مرجح في المدى المنظور.

ج- الوقوف في وجه الطموحات التركية في الشمال السوري ونزع فتيل اندلاع حرب تركية- كردية على المدى الطويل، من خلال ضبط القوى الكردية في المنطقة لامتصاص المخاوف التركية وتشكيل منطقة آمنة على حدودها الجنوبية، ما يجعل تركيا تنكفئ لمعالجة المسألة الكردية على أرضها، وليس عبر حروب تهدد استقرار المنطقة، غير المستقرة أصلًا!

 

2- معوقات وتحديات تطبيق هذه السياسة

أ- احتمال مواجهة القوات الأميركية وحلفائها في حرب استنزاف طويلة، على نمط العصابات، بقيادة إيران وحلفائها، وقد تلعب بعض العشائر العربية المحلية دورًا مؤثرًا في ذلك.

ب- استمرار الخلاف التركي- الأميركي حول الكثير من القضايا، وأهمها الموضوع الكردي؛ بسبب تزايد قوة الأكراد في منطقة النفوذ الأميركي وشعور الأتراك بالعجز عن مواجهتهم. وقد ينسحب الخلاف الأميركي مع تركيا على دول الاتحاد الأوروبي، وما قد يجره ذلك من توتر في العلاقات الأوروبية- التركية، ومنها وضع مستقبل تركيا في حلف شمالي الأطلسي على المحكّ.

ج- اضطرار الولايات المتحدة إلى الانسحاب من منطقة نفوذها، أو انتفاء الحاجة إلى بقائها في حال تم الاتفاق على تسوية ملائمة للمسألة السورية بين مختلف الأطراف الفاعلة.

د- عودة صيغ جديدة للإرهاب بعد هزيمة (تنظيم الدولة الإسلامية)، كظهور جماعة (الرايات البيضاء) في العراق مؤخرًا، ما قد يُغرق الولايات المتحدة في حروب استنزاف شبيهة بحالة أفغانستان. يتوقف ذلك كثيرًا على طبيعة الحل السياسي المقبل، والقدرة على تحقيق تنمية شاملة للمنطقة من خلال مشاريع “مارشالية” جديدة.

 

سادسًا: التصعيد الإسرائيلي- الإيراني في سورية

لم تتوقف “إسرائيل”، التي نأت بنفسها عن الصراع في سورية باستثناء متابعة ما يجري على حدود الجولان المحتل، عن استباحة الأجواء السورية لقصف أي هدف سوري تعتقد بأنه يُمثّل خطرًا عليها، وخاصة ما كان ذا صلة بقدرات إيران و(حزب الله) الصاروخية، وقد تحقق لها ما تريده من خلال عقد اتفاق خفض التصعيد في الجنوب برعاية روسية- أميركية، على أمل أن يتم إبعاد الإيرانيين وحليفهم (حزب الله) مسافة 40 كيلو متر عن حدودها، الأمر الذي لم يتم تنفيذه حتى الآن.

وجدت “إسرائيل” في دخول الطائرة الإيرانية المسيّرة عن بعد، التي دخلت أجواءها في العاشر من شباط/ فبراير 2018، الحجة للنفاد إلى سورية والهجوم على مواقع إيرانية وسورية، واضعةً الضامنين للاتفاق، أميركا وروسيا، في موقف حرج، فيما تستفيد إيران من بقائها قريبة من الحدود كورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة حول بعض القضايا العالقة، المتعلقة بالاتفاق النووي والبرنامج الصاروخي، وتُحرج الروس الملتزمين باتفاقيات مع “إسرائيل” في آنٍ معًا، كونها ما زالت حليفتهم التي لا غنى عنها على الأرض السورية.

مع ذلك، لا تسمح القوتان الدوليتان، أميركا وروسيا، أن يتحول الصدام بين “إسرائيل” وإيران في سورية إلى حرب شاملة تُعيد الأمور إلى الوراء. وبهذا الخصوص، فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أنه لا يسعى للتصعيد مع سورية وإيران بعد إسقاط وسائط الدفاع الجوية السورية طائرته، وربما جلّ ما يريده الإسرائيليون هو تحريك ملف منطقة خفض التصعيد في الجنوب بغية الضغط لإخراج الإيرانيين وعناصر (حزب الله) منها، فقد صرح رئيس مجلس الأمن الإسرائيلي بأنهم استغلوا دخول الطائرة الإيرانية من دون طيار أجواء الجولان لاستهداف مواقع سورية وإيرانية.

إن تصريح المسؤول الأميركي بأن لا علاقة لبلاده بالتصعيد الحاصل في الجنوب، ومناشدة وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، جميع الأطراف بعدم التصعيد والتحذير من التعرض للجنود الروس، يُشير إلى أن ملابسات الصدام وإسقاط الطائرة الإسرائيلية لا تمثل، على الأرجح، نقطة اصطدام مهمة بين الروس والأميركيين، والتي قد تنعكس على سورية على نحوٍ كارثي.

 

سابعًا: خاتمة

على الرغم من مستجدات السياسة الأميركية حول سورية منذ بداية هذا العام، فمن المبكر الإفراط في التوقّع، إذ عودتنا السياسة البراغماتية الأميركية على المفاجآت أو ما نعتقدها كذلك، كما أن أي نتيجة لمشروع حل سياسي في سورية لن تكون غير حصيلة لمصالح الأطراف العديدة المنخرطة في النزاع، وستتوقف حصة الوطنية السورية منها على براعة المفاوض السوري- الوطني- المعارض في الاقتراب من هذه الوطنية واستيفاء مستلزماتها.

من الضروري، أيضًا، العمل في هذه المرحلة على تعزيز حضور المصلحة الوطنية السورية مع حدوث أي تغير في السياسة الأميركية، لما لها من تأثير بالغ على بلورة مستقبل سورية، عبر التصدي لكل ما يُفرّق بين السوريين ويشتت وحدتهم. كما تمسّ الحاجة هنا، أكثر من أي وقت مضى، إلى وجود طرف وطني ديمقراطي سوري يتجاوز في طرحه ارتباطات وانقسامات وصيغ المعارضة/ المعارضات السابقة والحالية، فالظروف المستجدة وملامح حالة انتقالية مقبلة تقتضي أساليب جديدة في العمل السياسي الهادئ والبنّاء.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق