تحقيقات وتقارير سياسية

يحدث في مصر

 

لم يعد خافيًا على أحد أن كارثة حقيقية تعصف بالواقع القلق لدور مصر ومكانتها، في عهد السيسي المنقلب، والمتحول إلى ديكتاتور، لم يخفِ عداوته لكل ما نشأ ونتج بعد ثورة 25 كانون الثاني/ يناير، يستثنى من تلك العداوة الظرفُ الذي هيأته له القوى الداعمة للثورة المضادة التي حملته إلى السلطة، فالأوراق الهجينة تتساقط، واللغة السياسية التي اعتمد عليها نظام مبارك المخلوع يُعاد اجترارها بلسان عبد الفتاح السيسي، تاركة مكانها مساحة من الفراغ، فراغ بالدور والقرار والمستقبل، وفراغ من المصالح التي تعني الأمن القومي لدولة مثل مصر، وتلك حقيقة قاسية لسنا بحاجة إلى الدلالة والإشارة عليها.

في كل السياسة المصرية المتردية، وخطواتها الرهيبة والثقيلة التي عملت عليها سلطة الانقلاب في مصر، لا نعثر فيها إلا على مهمة واحدة أفصح عنها السيسي: وجوده بالسلطة هو لمنع تكرار حدوث ثورة، “والكلام اللي اتعمل من سبع سنين مش حيرجع تاني”، لم يتوقف الأمر داخل حدود الانقلاب؛ فالمهام عديدة خارج الحدود والإقليم، لكنها جميعًا تخدم المهمة الأساسية للدور المصري الجديد، سواء على صعيد دعم الثورات المضادة أو فتح أقنية اتصال مباشر وغير مباشر، لتكون محورية الدور متعلقة بالمهمة التي تعطل الحياة السياسية في المنطقة العربية.

على الخط الآخر من سكة الارتداد، نجد حالة قمع غير مسبوق تشهدها مصر مع تحولات تضرب بعنف البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، محدثةً تشوهًا وخللًا في توازنها الدقيق، لم يجرؤ سلفه المخلوع على اللجوء إلى تصعيد مشابه، ثمنه يُدفع الآن في أكثر من مجال، فقد تكشفت العلاقة الخاصة للسيسي مع قوى عربية وغير عربية، تقدم الدعم للرجل، على قاعدة محاربته للثورات العربية، فيما يشكل انقلابه واستمراره في الحكم إلهامًا لها بيقين التغلب على الثورات، فضلًا عن المهام المتصلة بملفات عربية.

يحدث في مصر أن السلطات تجهز لعملية انتخابية، يكون مرشحها الوحيد المنقلب على الدستور، والقامع كل خصومه السياسيين حتى مؤيديه، كما حدث مع سامي عنان وعبد المنعم أبو الفتوح. سلوك يعكس السلم الذي يصعده أي ديكتاتور يصنع عرشه من الخوف والقمع والقتل، فالعنف الذي شهدته مصر في السنوات الأخيرة لا يمكن رده إلى “فوبيا الأخونة” أو إلى البطالة العنفية ومجموعات “إرهابية” في سيناء، فالأساس العنفي وجد تجلياته أصلًا في حالة الركود السياسي والاقتصادي والفراغ السياسي الذي أحدثته سياسة القمع والإقصاء والقتل والتشوه المجتمعي، لن تُسدّ فراغات تفيض منها حالة قمع وفساد، من نظام يشن حروبًا على كل شيء، بدءًا من الإعلام والصحافة، وتطال قطاعات واسعة في المجتمع، من منظمات مجتمع مدني وهيئات سياسية، مرورًا بالتدخل الفظ بالقانون، وإصدار الأحكام القاسية على الخصوم السياسيين، وصلت إلى أحكام إعدام ومؤبدات، وأخيرًا -كما يُقال- التناقض المستعر بين النظام من ناحية، وبين أحزاب لم تبد معارضة له من ناحية أخرى، لكنه شن هجومًا عليها واعتقلها وحاكمها على نياتها.

يحدث أيضًا في مصر تقديم صورة أنصع عن وهم متشظٍ، يتوهم فيه النظام أن دوره الأمني الإقليمي المرتبط بملفات داخلية وخارجية سيكون بانتظاره، عند كل المنعرجات والمنزلقات التي ولج إليها، فبعيدًا عن المطالبة الدولية الخجولة، من خلال مناشدات منظمة العفو الدولية وتقارير الخارجية الأميركية، وأخرى غربية تحمل تحابيًا مع السيسي، فإن هذا الوهم المتخيل عاشه سلفه مبارك ثلاثة عقود، وعاشته المنطقة كلها مع طغاة آخرين، كانت نهايتهم وخيمة. وإذا كانت كل المعارضة السياسية لصعود السيسي لسلم الديكتاتورية قد أصبحت تحت سيطرة الجيش والأمن، ومقصلة التخلص من الخصوم السياسيين؛ فإن ما سيحدث في مصر سيكون اختبارًا قويًا لمستقبل فيه كثير من التخمينات، وأكثر القرائن تشير إلى أن الانحدار القائم لن يتغير مساره إلا بثورة جديدة، أو “كلام تاني حيتكرر”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق