قضايا المجتمع

ثمانية ملايين نازح داخل سورية وتوقعات بازدياد الأعداد

 

قال مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان للنازحين داخليًا[1] تشالوكا بياني: إن سورية تشكل الآن بؤرة النزوح العالمي، حيث هناك ثمانية ملايين نازح داخليًا في سورية، فيما بلغت نسبة الأطفال 45 بالمئة من النازحين، أي ما يقارب 3,6 مليون طفل نازح. وتتوقع الأمم المتحدة أن يزداد عدد النازحين داخليًا، في عام 2018، بـ 1.5 مليون سوري على الأقل، في حين من المتوقع أن يعود نحو مليون شخص من النازحين داخليًا، إلى مجتمعاتهم الأصلية.

ذكر التقرير[2] الذي أعده مركز رصد النزوح الداخلي والمجلس النرويجي للاجئين، أن “عدد النازحين داخليًا يفوق الآن عدد اللاجئين بنسبة 2 إلى 1، وهناك حاجة ملحة إلى وضع النزوح الداخلي مرة أخرى على جدول الأعمال العالمي”. وقالت مديرة مركز رصد النزوح الداخلي ألكسندرا بيلاك: “على الرغم من كون النزوح الداخلي نقطة انطلاق للعديد من الرحلات الأخرى، فإن التركيز الحالي على اللاجئين والمهاجرين طغى عليه”. وأضافت: “من دون النوع الصحيح من الدعم والحماية للنازحين داخليًا؛ فإن الشخص الذي ينزح داخليًا اليوم قد يصبح لاجئًا، أو طالب لجوء، أو مهاجرًا دوليًا غدًا”.

فقد أوقفت الدول المجاورة لسورية وغيرها، بفاعلية كبيرة، قدرةَ السوريين على الفرار من بلدهم واللجوء إلى دول أخرى، والانتقال من دول الجوار إلى الأماكن التي تكثر فيها الفرص الاقتصادية والتعليمية، وعلى الرغم من ذلك المنع، فإن رغبة السوريين في الهروب نحو ظروف أفضل لم تتضاءل، حيث إنهم يلجؤون إلى طرق غير نظامية وطرق التهريب، ليستغلهم تجار ومهربي البشر.

وهناك توقعات بازدياد عدد النازحين داخليًا بـ 1،8 مليون؛ بسبب إغلاق حدود الجوار السوري (الأردن ولبنان وتركيا)، ولم تعد هذه الدول تستقبل أيًا من اللاجئين. ومع استمرار العنف والحرب في سورية، وبخاصة في شمال سورية وفي غوطة دمشق، لا يجد السوريون مكانًا لهم للجوء غير النزوح داخل المدن السورية. وقد ينزحون ويتنقلون مرة واحدة أو مرتين أو أكثر في العام؛ من أجل البحث عن الأمان وسبل العيش الكريم. قالت إحدى اللاجئات: “الكل يتحدث اليوم عمّن نزح خارج سورية، فأخبار المخيمات واللاجئين تتصدر عناوين الصحف والأنباء، أما نحن الذين نزحنا داخل سورية، فلا يعلم بحالنا إلا الله”.

تركز أكثر اجتماعات الدول المانحة على اللاجئين والمجتمعات المضيفة لهم، في تركيا والأردن ولبنان. قليلًا ما تهتم لوضع النازحين داخليًا. وهناك تراجع للاهتمام والمساعدة العربية والدولية للنازحين السوريين، بينما تزداد الاحتياجات ازديادًا كبيرًا، وسط تجاهل كبير لمعاناة النازحين داخليًا، وخصوصًا أن النسبة العظمى منهم قد دُمّرت منازلهم بشكل شبه كامل، وفقدوا وظائفهم، وأعمالهم، حيث إن هناك الآلاف من العائلات فقدت من يعيلها على إثر مقتل، أو اعتقال، من يعيلها خلال الحرب، وبالتالي فقدت مصدر رزقها الوحيد.

تعترف المنظمات الإنسانية، ومعها قوى المجتمع الأهلي، بأنها غير قادرة على الاستجابة الكاملة لاحتياجات ملايين النازحين، المنتشرين في كافة نواحي وأرجاء سورية. في صورة لمشهد الدمار الذي ما برح يتسع، تجاوز عدد المنازل التي هدّمت في سورية أكثر من 2.9 مليون منزل،[3] من بينها أكثر من 850 ألف مبنى مدمّر بشكل كامل، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في حين قدرت دراسة سابقة لـ (إسكوا) عدد المنازل المهدمة بنحو 1.7 مليون منزل.

يقول بول كولير،[4] وهو محاضر بجامعة أكسفورد وخبير في شؤون الهجرة: إن من المهم عدم نسيان هؤلاء النازحين داخليًا، لمجرد أنهم لم يخلقوا مشكلة للبلدان الأوروبية. وأضاف: “من الواضح أنهم أكثر عرضة للخطر، لأنهم ما زالوا يواجهون العنف. في كثير من الأحيان لا يستطيع هؤلاء الخروج من البلاد. وفي تقرير صادر عن (مركز رصد النزوح الداخلي)[5]، وهو جزء من المجلس النرويجي للاجئين، قال مدير المركز ألفريدو زاموديو:[6] إن “الدول أنفسها غالبًا ما تكون هي المحرك الرئيس للنزوح، كما في سورية، حيث تم استغلال النزوح من قبل الحكومات، وكذلك الجماعات المسلحة غير التابعة للدول، باعتباره استراتيجية للحرب، وغالبًا في محاولة لتغيير التركيبة السكانية”. حيث أكد أن سورية تشهد أكبر أزمات النزوح في العالم، وأسرعها تفاقمًا، لافتًا إلى أن نسبة النازحين السوريين داخل بلادهم تبلغ 43 في المئة. ويتمتع اللاجئون الذين يفرون إلى بر الأمان في الخارج، بحماية قانونية إضافية، بسبب اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951 التي تحدد حقوقهم الأساسية. ويبقى النازحون داخليًا في بلدانهم، وفي ظل حماية حكومتهم، وإن كانت تلك الحكومة هي السبب في نزوحهم. حيث ما يزال أولئك الذين تركوا داخل سورية يخضعون رسميًا لحماية النظام، وهو النظام الذي يرى كثيرون أنه مصدر بؤسهم. ونتيجة لذلك، فإن هؤلاء الأشخاص هم من أكثر الفئات ضعفًا في العالم.

وأكدت منظمة العفو الدولية، في تقرير[7] مقتضب، أن ملايين النساء والأطفال والرجال الذين نزحوا داخل سورية، هم جميعًا لاجئون من الناحية الفعلية، ولكنهم لا يتلقون مساعدات دولية تُذكر. فقد نزح معظمهم عدة مرات، يحدوهم الأمل، في كل مرة، في أن يجدوا ملاذًا آمنًا، ليجدوا أنفسهم تحت النار مرة تلو الأخرى. وبالفعل، فقد قُتل العديد من الرجال والنساء والأطفال، في الأشهر الأخيرة، في الأماكن التي نزحوا إليها طلبًا للسلامة.

خارطة النزوح

على الرغم من كل التقديرات والبيانات التي أطلقتها مؤسسات ومنظمات دولية ومراكز أبحاث، حول عدد المواطنين النازحين عن مناطقهم وقراهم ومنازلهم، لم تصدر خلال السنوات السابقة أي بيانات رسمية ترصد أعداد العائلات المهجرة، وأماكن إقامتها الجديدة، والمحافظات الأولى في احتضانها للمهجرين والنازحين. حيث قامت الحكومة السورية بإيقاف برنامج منظمة الهجرة الدولية، حول مراقبة الاحتياجات والسكان في سورية ( [8](NPM وكان البرنامج يصدر منذ سنوات تقارير دورية حول حركة السكان، وتقييم احتياجاتهم، في أكثر من ستة آلاف موقع داخل سورية، وكان يُعتمد عليه كمرجعية في دخول المساعدات الإنسانية.

ينتقل النازحون داخليًا، في كثير من الأحيان، عدة مرات في أثناء نزوحهم، وتخلق هذه الأنماط المتنوعة والديناميكية تحديات كبيرة أمام متابعة تحركاتهم، ونتيجة لذلك أيضًا، تستند الأرقام حول أعـداد النازحين إلى تقديرات. ويتمركز العدد الأكبر للنازحين داخل سورية، في أربع محافظات رئيسة، هي دمشق اللاذقية وطرطوس والسويداء، وتستقبل الأرياف النسبة الأكبر من النازحين.

برامج دعم النازحين

لا بد من المساعدات الإنسانية لتخفيف معاناة المدنيين، ومساعدة الكيانات المحلية للبقاء على مدى ما يبدو أنه سيكون سنوات من العنف الممتد في سورية. ومن الضروري التركيز، في اجتماعات الدول المانحة من أجل سورية المقبلة، على تمويل مشاريع لدعم “النازحين داخليًا”؛ بسبب سوء الأوضاع المعيشية، وبخاصة في المخيمات الحدودية في شمال سورية. لكيلا تدفعهم الظروف الصعبة من اللجوء إلى المهربين الذين يتاجرون بتهربيهم عبر طرق خطرة إلى أوروبا، أو إلى أي مكان في العالم يجدون فيه الأمان.

يجب الخروج عن النمط التقليدي في تقديم المساعدات الإنسانية للنازحين، والتوجه نحو نمط تنموي، يعزز الصمود والاستقرار وبناء القدرات والاعتماد على الذات؛ من أجل بناء مجتمعات قادرة على الصمود في وجه العنف المتزايد. حيث يدعو اتساع نطاق النزوح الداخلي وتعقيداته إلى استجابة متعددة الأوجه، ومشاركة نشطة من جانب الذين يتمتعون بالخبرات والقدرة التنفيذية الضرورية، في مجال عملهم. ومن الضروري أن يتم التركيز على أوضاع النازحين داخليًا، وذلك عبر إعادة النظر في استراتيجيات المساعدات الإنسانية إلى النازحين، فلم تعد المساعدات الإنسانية ذات أبعاد مالية تقليدية، تتعلق بتوفير المأكل والملبس والمأوى لهم، بل باتت تحمل أبعادًا تنموية واقتصادية وعمالية وثقافية وفكرية ونفسية، بما يُحوّل التأثيرات السلبية للنزوح إلى قيم مضافة إيجابية، لا سيما بعد أن تسببت موجة عدم الاستقرار الإقليمي، بتفكير المانحين Donors في بلورة استراتيجيات “فوق تقليدية”. وفي هذا السياق، تتمثل الأبعاد الإيجابية الجديدة لما يمكن تسميته بـ “اقتصاديات الإغاثة الإنسانية” بشكل رئيس، في تعزيز دور مؤسسات الدعم المحلي، وبناء التماسك الاجتماعي، وبناء القدرات وتعزيز قدرات النازحين اقتصاديًا، والتوسع في برامج التعليم والتدريب والتأهيل المهني، وبخاصة في المجالات التي تتطلب مهارات إعادة تأهيل البيوت المدمرة، وتوفير فرص اقتصادية في المجتمع المحلي.

سيُعقد مؤتمر بروكسل الثاني، في نيسان/ أبريل 2018 وهناك حاجة إلى الأفكار المبتكرة والجديدة، من أجل تطوير استراتيجيات تمويل توفر الدعم للنازحين داخليًا، في سورية. ومع تدهور الوضع على أرض الواقع في سورية؛ من الضروري التركيز على الدعم الإنساني الكافي، ليتمكن النازحون من البقاء في سورية والعيش بكرامة. وعلى المجتمع الدولي دعم اللجان المحلية لدعم الاستجابة للاحتياجات، ودعم صمود النازحين واعتمادهم على أنفسهم، حيث يعتمد بقاؤهم في سورية، على مدى قدرتهم على الصمود والتأقلم مع الوضع الداخلي ومع الأزمات والعنف الدائر في البلاد.

ألقت الكثير من أدبيات التعافي، في فترات النزاعات –مدعمة بالكثير من الخبرات العملية– الضوءَ على أهمية توفير ظروف تتيح المناخ الملائم لصمود النازحين في بلدهم. حيث تدعو الحاجة إلى التحول الجذري في طريقة عمل المنظمات الدولية، في مجال المساعدات الدولية لسورية، وهذا التحول مبني على أربعة أمور أساسية:

  • النظر إلى ما وراء النتائج قصيرة المدى، المتعلقة بالحفاظ فقط على حياة النازحين.
  • زيادة التركيز على المساعدات المستدامة (ما هو أكثر من الغذاء والمأوى).
  • دعم إحساس النازحين بأهميتهم في عملية إعادة التعافي، باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ منها.
  • إعادة النظر في الظروف التي يجب توفيرها، من أجل بناء تماسك اجتماعي على المستوى المحلي، بهدف إعادة بناء المجتمعات.

المساعدات الإنسانية مهمة، وخاصة أن السوريين يُعدّون حاليًا أكبر مجموعة من النازحين واللاجئين في العالم. ومع استمرار ارتفاع أعدادهم وازدياد ضعفهم؛ تسلط التداعيات الخطيرة الضوءَ على مسألة واضحة، هي الحاجة الملحة لقيام المجتمع الدولي بتوحيد الجهات الفاعلة الأساسية، ولوضع حدّ للعنف وللجرائم ضد الإنسانية التي تدفع الشعب السوري إلى النزوح واللجوء.

 

[1] مقرر أممي: سورية الآن تشكل بؤرة أزمة النزوح العالمي، أخبار الأمم المتحدة 2016

[2] تقرير: عدد النازحين داخليًا يضاعف عدد اللاجئين في دول العالم، DW ، أيار 2017

[3] الحرب تبتلع 2.9 مليون منزل بسورية وحلب الأكثر تضررًا، السورية، آذار 2018

[4] عومي غريملي، الحرب السورية: محنة النازحين داخليًا، (بي بي سي-عربي)، أيلول 2015.

[5] التقرير العالمي لعام 2015، مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC)

[6] هل حان الوقت للتوصل إلى اتفاق حول أزمة النازحين في الشرق الأوسط؟ (ايرين) حزيران 2015.

 [7] علاء الدين رشوان، مأساة النزوح الداخلي في سورية، منظمة العفو الدولية.

[8] منظمة الهجرة الدولية توقف برنامج مراقبة الاحتياجات في سورية، (عنب بلدي)، كانون الأول 2017.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق