تحقيقات وتقارير سياسية

محرقة الغوطة.. الأطراف والأهداف

 

تنهار كلمات اللغة العربية -الشهيرة بالوصف والاتساع- في الإحاطة بما يجري في الغوطة، وتبدو كلمات مجزرة، ومحرقة، وإبادة، وأرض محروقة.. ووحشية.. كلمات صغيرة تعاني العجز في شمولية ما يجري، وهل هي السياسة الروسية الشهيرة في الإبادة الشاملة للشجر والحجر والبشر، كما فعلوا في غروزني، وعبر حالات تاريخية معروفة؟ أم هو التمازج والتسابق بين نهج إجرامي متعدد الجهات، متشابه الأهداف؟

في الغوطة، “يُحارب الروس” كل مظاهر الحياة، وتظهر “بطولات” النظام المجرم، في استخدام كل أنواع اللؤم والحقد، من البراميل إلى الحوامات التي تدخل بقوة، إلى الغازات السامة، واستهداف المدنيين والبنى التحتية، اقتداء بالمعلّم الروسي وأفعاله، في حلب والعديد من مناطق سورية، تأكيدًا على خنق الحاضنة الشعبية وحصارها من كل الجهات، ثم إجبارها على الانصياع للشروط الجاهزة التي يسفر الروس عنها هذه الأيام، بينما تقوم إيران على الأرض، بشكل مباشر، من خلال ميليشياتها الطائفية، بعمليات “التنظيف”، والهجوم جنبًا إلى جنب قوات النظام الذي حشد أعدادًا كبيرة لاقتحام الغوطة، وتقطيع أوصالها.

أسئلة تطرح نفسها علينا بقوة:

– هل هناك توافق روسي – أميركي على اقتحام الغوطة؟

– هل روسيا تستفرد وحدها في العملية، ضمن مشروعها الخاص؟

– ما هي الخيارات المطروحة؟

كثير من المؤشرات تذهب باتجاه عجز المجتمع الدولي عن القيام بفعل مؤثر لإيقاف مجازر الغوطة، ومنع روسيا والنظام من اقتحامها، والذهاب بعيدًا في تنفيذ الشروط الروسية. وحين نتكلم عن المجتمع الدولي، تأتي الولايات المتحدة في المقدمة، وبشكل محوري، لأنها الوحيدة القادرة على فعل شيء مؤثر، ولأن دول أوروبا، مجتمعة أو متفرّقة، ليس بإمكانها القيام بأي دور مهم، ما لم تشارك أميركا، أو تعطي الضوء الأخضر، خاصة أن الموقف الفرنسي، وهو الأكثر بلورة بين جميع الدول الأوربية باتجاه عملٍ ما لإيقاف مجازر الغوطة، يعلن عدم قدرته على المبادرة دون مشاركة أميركية.

المعلومات التي يتمّ تناقلها تتفرّع باتجاهين:

اتجاه يرى أن أميركا، من خلال الرئيس ترامب، تفكر في عملٍ ما، حركةٍ ما، ضمن وجود تباينات في المؤسسات الأميركية الرئيسة: الدفاع والخارجية والاستخبارات، بل ضمن كلّ منها، وأن هذا الوضع يؤدي إلى الخلل والإرباك والتأخير، ويركز هؤلاء على مصلحة أميركية إسرائيلية، في توجيه ضربات للوجود الإيراني وقوات النظام؛ منعًا لسيطرة إيران على هذه المنطقة الحيوية، ونتائج سقوط الغوطة بيد النظام على “الأمن الإسرائيلي”.

بينما يرى آخرون أن الإدارة الأميركية تواصل نهج سابقتها، بأن الوضع السوري برمته، وحياة البشر، ومقتل الآلاف لا يعنيها كثيرًا، ولا يستحق أن تقوم بأي خطوة نوعية. وهناك من يرى أن التخلّص من وجود الفصائل العسكرية المحسوبة على الثورة، في هذه المنطقة الحيوية، هو جزء من أهداف أميركا و”إسرائيل”.

روسيا التي تعلن صراحة أنها صاحبة القرار الوحيد وأن النظام السوري مجرد تابع -وقد برز ذلك جليًا حين أعلن بوتين هدنة لمدة ساعات بعد صدور القرار 2401، بينما صمت النظام- تصعّد من قصفها، وشروطها، وتنتقل من ذريعة وجود أعداد لـ (النصرة) يجب ترحيلها، إلى شرط جديد يتلخص في إخراج جميع المقاتلين مع عائلاتهم، وفتح ممر “آمن” للمدنيين الراغبين في الخروج، دون أي تحديد للجهة والمكان والوسيلة، ولهذا ترفض لقاءات مع ممثلي الفصائل في الخارج، وتقوم بالتواصل مع عدد منهم، أو مع محسوبين عليهم مباشرة على الأرض، ترافقًا مع شمولية القصف، وتكثيفه.

لقد ناقش الائتلاف مرات كثيرة الخيارات، والتقى بالمجلس الإسلامي السوري، وبممثلين عن الفصائل المتواجدة بالغوطة، وبادر إلى تشكيل “خلية أزمة”، وهو يشارك فيها بفاعلية، إلى جانب المجلس الإسلامي، ومندوبي الفصائل الثلاث المتواجدة في الغوطة، والحكومة المؤقتة ممثلة بنائب رئيسها المقيم بالغوطة، وهيئة المفاوضات السورية ممثلة برئيسها، والمجلس المحلي في دمشق وريف دمشق. وجرى استعراض الخيارات الممكنة، والوسائل التي يمكن بها فكّ الحصار، وإيقاف المجزرة، وهي على تواصل يومي، في محاولة لدراسة كافة الخيارات، والتحرك المشترك في مختلف الميادين.

أمام حالة الصمود الأسطوري لأهل الغوطة، الذين يعلنون يوميًا، بكل السبل، رفضهم الخروج من بيوتهم وأملاكهم ومناطقهم، وإصرارهم على البقاء، مهما كانت النتائج، فإن الائتلاف في اجتماع هيئته العامة (الدورة 38) قرر التقدّم بمبادرة سياسية شاملة، تنطلق من ضرورة العمل بكل السبل، لإنقاذ أهل الغوطة وإيقاف المجزرة، ويرى أن وحدة الموقف بين الفصائل، وبينها وبين الائتلاف وهيئة المفاوضات السورية، وضرورة تفويضهما بالتحرك السياسي في مختلف الميادين، ورفض المبادرات والتحركات الفردية، ودعم صمود سكان الغوطة بكل المتاح، في مختلف المجالات، والضغط على المجتمع الدولي للتحرك السريع، وتطبيق بنود القرار 2401، ووصول قوافل الإغاثة بأمان، وبكميات كبيرة كافية، ودراسة الوضع الميداني العسكري لفصائل (الجيش الحر) في مختلف المناطق، وإمكاناتها في الإسهام بفك الحصار عن الغوطة، ونقاط أخرى نأمل أن تجد طريقها إلى التجسيد.

يؤكّد أهل الغوطة خيار الشهادة على الاستسلام، ويشيرون إلى مخاطر سيطرة النظام وإيران. وما يعنيه ذلك من عمليات تهجير ومقتلة رهيبة، قد تصل إلى الإبادة الجماعية لنحو 400 ألف مواطن، وتغيير ديموغرافي خطير يجري تنفيذه بقوة في دمشق وريفها، ولذلك يؤكدون على ضرورة التحرك السريع الموحّد في عموم الميادين، وتمكينهم بوسائل الصمود، والمقاومة.. في حين يضيّق الاحتلال الروسي والنظام المجرم الخناق، ويمارسان حرب التجويع، وينشران الإشاعات لخلخلة الحاضنة الشعبية وبلبلتها، بينما يحتاج الوضع إلى مزيد من الوحدة بين الفصائل العسكرية المتواجدة، والاتفاق على تفويض الجهات السياسية المعنية: الائتلاف والهيئة السورية للمفاوضات، للقيام بالتحرك السياسي المطلوب.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق