تحقيقات وتقارير سياسية

فشل مجلس الأمن في سورية يعيد ضرورة إصلاحه

على مدى السنوات السبع الماضية، قُتل السوريون أمام العالم أجمع، وعلى الرغم من التنديد المستمر بأسباب مأساتهم واستنكار مصيرهم، لم تتدخل أي جهة بصورة جادة لوقف المعاناة المروعة. تقع مسؤولية التهاون هذا، في المقام الأول، على عاتق الأمم المتحدة: المنظمة الدولية التي أُنشئت بهدف منع حدوث حالات مماثلة، وبصورة خاصة، هيئتها الأقوى: مجلس الأمن. وللمرة العاشرة تستخدم روسيا حقّ النقض ضدّ قرارات مجلس الأمن بشأن سورية، وفي معظم الأوقات إلى جانب الصين؛ الأمر الذي أدّى فعليًا إلى إفشال أي محاولة يمكن أن توقف إراقة الدماء واستعادة العدالة. وعلى الرغم من صدور أكثر من قرار من مجلس الأمن، فإنّ تلك القرارات لم تُحترَم، كما هو الحال بالنسبة إلى قرار مجلس الأمن 2401، الذي تمّت الموافقة عليه في 24 شباط/ فبراير، ودعا إلى وقف إطلاق نار إنساني لمدة 30 يومًا. ومع ذلك، واصلت قوات بشار الأسد غاراتها بحماية روسية.

الحالة السورية ليست أول مأساة تشهدها الأمم المتحدة مكتوفة الأيدي. راوندا مثال مؤسف آخر، حيث فشل مجلس الأمن عام 1994 في منع ووقف الإبادة الجماعية للأقلية العرقية (التوتسي) في البلاد، التي قادتها (الهوتو). في ذلك الحين، كانت الولايات المتحدة هي المعارضة الرئيسة لنشر قوات الأمم المتحدة في البلاد. جدير بالذكر أنّ الولايات المتحدة، قبل عام واحد أي في 1993، خسرت 19 جنديًا في معركة مقديشو، لذلك لم تكن لديها نية للشروع في أي عملية جديدة في رواندا. ونتيجة لذلك، ذُبِح 800 ألف شخص من قبائل (التوتسي) في بضعة أشهر فقط، بينما كان العالم يراقب تلك المجازر.

وعلى الرغم من اختلاف أسباب إحجام الأمم المتحدة عن التدخل في سورية، فإنّها تميل إلى الدافع ذاته. يعكس تصميم مجلس الأمن توازن القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. حيث أعطيت خمس دول، هي الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، الاتحاد السوفيتي سابقًا (الآن روسيا) والصين (ممثلة في تايوان حتى عام 1971)، صفةَ العضو الدائم، مع ميزة “حق النقض”. واكتمل بعدها مجلس الأمن بستة أعضاء غير دائمين من دون ميزة حق النقض، ثم أصبحوا عشرة في عام 1965، وتنتخبهم الجمعية العامة لمدة عامين. أثبت هذا الهيكل -على مدى عقود- أنّه هيكل مختل في كثير من الحالات، حيث تطور مجلس الأمن ليصبح “أقلية حاكمة” لصالح الأعضاء الخمسة الدائمين، إذ كثيرًا ما يتأثر بالمصالح الجيوستراتيجية لتلك الدول، على حساب مصالح المجتمع الدولي. حتى إنه كثيرًا ما يوصف الأعضاء العشرة المؤقتون، بأنهم “سائحون أو مسافرون لفترة قصيرة، على متن قطار مسافات طويلة”، غير قادرين على التأثير فعليًّا في قرارات القوى العظمى.

ولذلك، طُرِحت العديد من المقترحات للإصلاح منذ أوائل التسعينيات. وتتمثل إحدى المشكلات التي ينبغي معالجتها، في العجز عن التمثيل الذي يقلل من شرعية مجلس الأمن على المسرح العالمي. لا يوجد لأفريقيا مقعد دائم واحد (وربما لم يكن لتُتجاهل الإبادة الجماعية في رواندا؛ لو كانت دولة أفريقية عضوًا دائمًا)، والشيء ذاته ينطبق على أميركا الجنوبية. بينما آسيا ممثلة تمثيلًا ناقصًا، في مقعد واحد فقط، في حين أن القوى الغربية ممثلة تمثيلًا زائدًا. وتهدف بعض البلدان القوية، ولا سيما المجموعة المسماة G4 (ألمانيا والبرازيل والهند واليابان) إلى الحصول على مقعد دائم؛ بينما يدعو آخرون، مثل (نادي القهوة) Coffee Club الذي ترأسه إيطاليا، إلى تقسيم جديد للمقاعد، يعتمد على المناطق لا على الدول. وعلى الرغم من دعم الأعضاء الدائمين بين الحين والآخر عروضَ الدول الحليفة؛ لم يتحقق شيء يذكر.

ومع ذلك، فإنّ مسألة التمثيل -على أهميتها- لن تجعل أمرَ توسيع العضوية الدائمة لمجلس الأمن أكثرَ كفاءة. إذا نظرنا إلى سورية -على سبيل المثال- فإنّ وجود ستة أعضاء دائمين جدد لن يمنع روسيا والصين من حماية الأسد من ارتكاب الجرائم. تكمن العقدة في أساس مجلس الأمن ذاته؛ في سلطة “حق النقض”. في مناسبات عديدة جرى استغلال حق النقض لحماية المصالح الخاصة، على حساب المجتمع الدولي. ليس من قبل روسيا والصين فحسب، بل أيضًا من قبل الغرب. ففي الثلاثين سنة الأخيرة، على سبيل المثال، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض 28 مرة، معظمها لحماية “إسرائيل” من الإدانة، بسبب انتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان في فلسطين المحتلة. من جانبها اقترحت فرنسا ودول أخرى وضع حدودٍ لاستخدام حق النقض، وخاصة لتوجيه هذه الميزة في حالات الفظائع الجماعية. ولكن جاء رد الممثل الروسي السابق لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، قائلًا: “أستطيع أن ألاحظ بسهولة بعض المشكلات، الأمر الذي سيستغله الكثيرون للقول إنّه فظائع جماعية، وبالتالي يجب ألّا يكون هناك حق النقض”. ربما تعتقد روسيا أنّ 400 ألف سوريٍّ قُتلوا في الصراع الدائر، بسبب “بعض المشكلات”.

ووفقًا للمادة 108 من ميثاق الأمم المتحدة، فإنّ أي تغييرات على الميثاق يجب أن تمر عبر تصويت ثلثي أعضاء الجمعية العامة، ثم تصادق عليها برلماناتهم، بما في ذلك جميع الأعضاء الخمسة الدائمين. ولكن لا يمكننا أن نتوقع أن يتنازل الخمسة الدائمون عن سلطتهم بسهولة كهذا. وعلى ذلك؛ لن يكون بالإمكان إجراء إصلاحات حتى يكون لدى الدول الأعضاء الأخرى وحدة وقوة كافية لإجبار الأعضاء الدائمين على الحد من سلطتهم. بعد كل شيء، لن يكون هنالك دولة قوية؛ إن لم يتبعها الآخرون. لكن للأسف، إن سيناريو كهذا يبدو بعيدًا جدًا في الوقت الراهن. ومع ذلك، إن لم يتمكن مجلس الأمن من إصلاح نفسه، ليصبح أكثر كفاءة في منع الفظائع الفاشية في سورية؛ فإنّه سوف يظل فاقدًا للشرعية والثقة في أعين العالم. إنّ فشل مجلس الأمن يغلق الأبواب أمام التعاون الدولي، ويمهّد الطريق لعودة الأحادية التي جلبت الكثير من المآسي للبشرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق