أدب وفنون

أطوي العواصم كما أطوي صفحة في كتاب

 

من بلد لم يكن لي.. إلى بلاد ليست لي.

وليس هذا قدري وحدي، ثمة ملايين نزحت بالتهجير المتعمد سواي، ما أنا سوى رقم في سجلات اللجوء؛ وسوى اسم يثير التعاطف مرةً.. والريبة مرات؛ وقد عاينت هذا، وعانيت منه، في أربع عواصم لأربعة بلدان.. حتى الآن.

استقبلني الأشقاء العرب من الباب، ثم رموني من نوافذ عروبتهم البائدة؛ كما لو أني سأنقل عدوى الثورة في حقيبتي إلى الجزائر العاصمة، بينما أجدد إقامتي فيها كل خمسة وأربعين يومًا فقط، أو في القاهرة، حين أعلنت موقفي مع شرعية صناديق الانتخاب ضد أي انقلاب؛ فإذا أنا فجأةً من أنصار مرسي! حتى كادت تتناهشني فلول العسكر هناك، لولا نصف لحيتي التي ربما ذكرتهم بنصف لحية “تروتسكي”! بينما أنا هارب من عساكر طاغيتي!

يا للطغاة في “بلاد العرب.. ليست أوطاني”، حين تتشابه بساطيرهم وسواطير بلطجيتهم، ورتبهم اللامعة على أكتافهم وأوسمة بطولاتهم الزائفة!

وكما لو أني، فيما بعد، بعد تغريبتين فحسب، لم أجد في إسطنبول ترجمةً إلى التركية الفصحى، للجملة الأكثر مداورةً وبراغماتيةً دينيةً وسياسية: “أنتم المهاجرون ونحن الأنصار”!

ثم إلى “بلاد الغال”، حيث كل شيء غال سوى اللاجئين، حين يفتك “الروتين الورقي” بنا.. وبكل “كومونة باريس”، وبثالوث ثورتها: حرية- مساوة- إخاء! مع ذلك، كانوا أرحم بي من الأشقاء العرب، ومن الإخوة المسلمين، المؤمنين، الأبرار!

ماذا لو أن بلدي بلا سكانها؛ بينما سكانها بلا بلد.. في كل هذي البلاد؟ وماذا لو أني سأسلم “جواز سفري السوري”، لاستلم وثيقة لجوء مديد أو مؤقت؟!

وكيف تحول كرهي لجواز سفري من وقوفي ساعات في الطوابير، أمام قنصليات النظام، كأنما أستجدي قاتلي لأجدده، إلى تشبث به كالغرقى السوريين في بحار الله، كما لو أني سأفقد سوريتي حين أفقده؟!

أطوي عواصم تغريبتي إذًا، كما أطوي صفحةً في كتاب، حتى بات كتاب عمري في آخر فصل؛ ثم ينتهي الحبر إلى بياضه، في آخر صفحة من هذا الكتاب.

لست نادمًا على ما كنته، ولا يائسًا مما صرت عليه الآن.. لاجئًا تحت خيمة على ظهري، أو ضمن غرفة قبو في إسطنبول، طوال خمس سنوات؛ أو مع مهاجرين مثلي.. وليسوا مثلي، ومن كل أقوام الشرق العتيد في طغاته وغزاته.

ثم لا ألوي على شيء.. سوى ألا أكون شاهد زور على عصري؛ أو صامتًا حيال ما جرى لبلدي من تطهير مذهبي ومذابح طائفية؛ أو شبحًا بلا ظل، بين ما تبقى من بيوتنا المقصوفة بقذائف الطاغية وحلفائه، كما بطائرات أصدقاء سورية الأعداء.. سواءً بسواء؛ أو رماديًا في نهر من الدماء.

كيف أخون حلمًا عتيقًا بالحرية؛ لأدير ظهري عما كتبته من أحلام وآلام؟!

سأطوي بلاد تغريبتي خلفي، كما أطوي خيمة لجوئي في حقيبتي؛ لأتأبطها، كما لو أنها شر لا بد منه. ولم نكن سوى ضحايا شر الاستبداد، ثم نخال في التغريبة أننا نجونا من شره؛ فإذا نحن مثل سيزيف نحمل صخرة ما كابدناه طوال استبداده بنا، وما نكابده مما استقر من استبداده في نفوسنا.. حتى لو كان مثقال ذرة منه.

يا لخيبتنا، حين نكتشف أن دود الخل منا.. وفينا؛ طالما أن بيننا من تطامن عن استبداد طغاتنا بنا؛ أو تماهى بفساده؛ أو تقمص بعض غرائزه المنحطة! أو أعاد إنتاج استبداده، خلال الثورة عليه! ثم سيأتيني سوري في تغريبته.. مثلي؛ ليبوح لي بما يعانيه؛ كأنما أبوح لنفسي، بما أعانيه!

لا ينتهي الكلام ها هنا.. ولا الحبر الدامي؛ ولا كوابيس الألم.. كما لا ينتهي حلم الحرية.. حتى لو تم وأدها مرةً تلو مرة؛ فتلك شجرة، جذرها في توق البشر إلى كرامتهم؛ أغصانها.. شهداؤها والمعتقلون أحياء في موتهم تحت التعذيب؛ والمغتصبات تتجدد بكارتهن كل فجر.. طاهرات من كل اغتصاب.

فكيف ينام الحر عن حريته.. حتى في تغريبته؛ وهي التي لا تنام؟!

 

*- من تغريبتي الرابعة: 9 – 3 – 2018 ق.م الحرية

اللوحة.. للفنان السوري ياسر أحمد

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق